أقوال العلماء
17 paragraphs · vol. 1, p. 132
- vol. 1, p. 132
وقد اختلف أهل العلم في ذلك على ثمانية أقوال، استوفاها الماتن في
vol. 1, p. 133" نيل الأوطار " .
-
وقد استدل من لم يمنع من ذلك بما أخرجه الجماعة من حديث ابن عمر، قال: رقيت يوما على بيت حفصة - رضي الله تعالى عنها -، فرأيت النبي [صلى الله عليه وسلم] على حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة "، وجعلوا هذا الحديث ناسخا لأحاديث النهي.
-
ومن جملة ما استدلوا به: حديث جابر - رضي الله تعالى عنه - عند أحمد - رحمه الله تعالى -، وأبي داود - رحمه الله تعالى -، والترمذي - رحمه الله تعالى؛ وحسنه - وابن ماجة - رحمه الله تعالى -، والبزار - رحمه الله تعالى -، وابن الجارود - رحمه الله تعالى -، وابن خزيمة - رحمه الله تعالى -، وابن حبان - رحمه الله تعالى -، والحاكم - رحمه الله تعالى -، والدارقطني - رحمه الله تعالى -، قال: نهى النبي [صلى الله عليه وسلم] أن نستقبل القبلة ببول، فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها.
-
قد نقل الترمذي عن البخاري - رحمه الله تعالى - تصحيحه، وصححه - أيضا - ابن السكن، وحسنه - أيضا - البزار.
-
ولا يخفى أنه قد تقرر في الأصول: أن فعله [صلى الله عليه وسلم] لا يعارض القول الخاص بالأمة، فما وقع منه [صلى الله عليه وسلم] لا يعارض النهي عن الاستقبال والاستدبار للقبلة (١)
- (١)كلا بل يعارضه، وقد أمرنا باتباعه والاقتداء به [صلى الله عليه وسلم] . وما زعمه الشارح - تبعا للمؤلف في " نيل الأوطار "؛ من أنه تقرر في الأصول ... الخ - دعوى لا دليل عليها، ومرجعها إلى ادعاء الخصوصية في بعض أفعاله، وهي لا تقبل ممن يدعيها إلا بدليل صريح. والحق أن النهي عن الاستقبال أو الاستدبار منسوخ بحديث جابر. (ش) قلت: انظر مناقشة شيخنا الألباني لهذه المسألة في " تمام المنة " (٥٩ - ٦١) ؛ فقد رجح مطلق النهي.
- vol. 1, p. 134
فإن قلت: حديث عائشة - رضي الله تعالى عنها - عند أحمد - رحمه الله تعالى -، وابن ماجة - رحمه الله تعالى -، قالت: ذكر لرسول الله [صلى الله عليه وسلم] أن ناسا يكرهون أن يستقبلوا القبلة بفروجهم؟ فقال: " أو قد فعلوها؟ {حولوا مقعدتي قبل القبلة " ، قلت: لو صح هذا لكان صالحا للنسخ؛ لأن النبي [صلى الله عليه وسلم] فعله لقصد التشريع للأمة، ولمخالفة من كان يكره الاستقبال.
-
ولكنه لم يصح؛ فإن في إسناده خالد بن أبي الصلت: قال ابن حزم: هو مجهول، وقال الذهبي في " الميزان " في ترجمة خالد بن أبي الصلت: إن هذا الحديث منكر (١) .
- (١)خالد بن أبي الصلت ثقة وثقه ابن حبان. (ش) قلت: والحديث في " سلسلة الأحاديث الضعيفة " (٩٤٧) مضعف بست علل؛ فلتنظر.
-
وقد استدل من خصص المنع من الاستقبال والاستدبار للقبلة بالفضاء بما أخرجه أبو داود - رحمه الله تعالى -، والحاكم - رحمه الله تعالى -، عن مروان الأصفر - رضي الله عنه -، قال: رأيت ابن عمر أناخ راحلته؛ مستقبل القبلة يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن} أليس قد نهي عن ذلك؟ ! فقال: بلى، إنما نهي عن هذا في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس.
-
وقد حسن (٢) الحافظ في " الفتح " إسناده، ولكنه إنما يكون هذا دليلا إذا كان قد سمع من النبي [صلى الله عليه وسلم] ما يفيد تخصيص ذلك النهي السابق.
- (٢)وفي إسناده الحسن بن ذكوان؛ قال الحافظ: " صدوق يخطئ ويدلس ". وقد عنعنه.
-
وأما إذا كان مستنده إنما هو مجرد فهمه من فعله [صلى الله عليه وسلم] في بيت حفصة
vol. 1, p. 135- رضي الله عنها -: فلا يكون هذا الفهم حجة، ومع الاحتمال لا ينتهض للاستدلال.
قال الشافعي - رحمه الله -: الاستقبال والاستدبار محرمان في الصحراء لا في البنيان، ووجه الجمع عنده تنزيل النهي والإباحة على حالتين.
وقال أبو حنيفة - رحمه الله تعالى -: مكروهان فيهما سواء، ووجه الجمع عنده أن النهي للتنزيه، والفعل لبيان الجواز في الجملة.
-
كذا في " المسوى " .
قال في " سبل السلام: اختلف العلماء فيها على خمسة أقوال: أقربها: يحرم في الصحارى دون العمران؛ لأن أحاديث الإباحة وردت في الإباحة فحملت عليه، وأحاديث النهي عامة، وبعد تخصيص العمران بأحاديث فعله التي سلفت: بقيت الصحراء على التحريم، وقد قال ابن عمر: إنما نهي عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس. رواه أبو داود وغيره.
-
وهذا القول ليس بالبعيد؛ لبقاء أحاديث النهي على بابها، وأحاديث الإباحة كذلك. انتهى.
-
وروي عن عائشة عند الترمذي: أن النبي [صلى الله عليه وسلم] لم يبل قائما.
-
وروي عن عمر عند الترمذي (١) : أن النبي [صلى الله عليه وسلم] نهاه أن يبول قائما.
- (١)برقم (١٢) ، وأعله بعبد الكريم بن أبي المخارق.
- vol. 1, p. 136
وروى الحاكم: أن بوله [صلى الله عليه وسلم] قائما كان لمرض؛ لكن ضعفه الدارقطني، والبيهقي، فلم يكن صالحا لحمل بوله على حال الضرورة، فالأولى أن يقال: إن فعله [صلى الله عليه وسلم] لبيان الجواز، وإن البول من قيام مكروه فقط، وفعله للمكروه لبيان حكم شرعي جائز.
-
ولا ريب أن البول من قيام: من الجفاء (١) والغلظة والمخالفة للهيئة المستحسنة، مع كونه مظنة لانتضاح البول وترشرشه على البائل وثيابه، فأقل أحوال النهي مع هذه الأمور: أن يكون البول من قيام مكروها.
- (١)روى البيهقي (٢ / ٢٨٥) عن ابن مسعود - بسند صحيح - أنه قال: من الجفاء أن يبول الرجل قائما. وهذا محمول على عدم أمن الرشاش.
-
وهذا على فرض أن فعله [صلى الله عليه وسلم] لقصد التشريع حتى يكون لبيان الجواز، ويكون صارفا للنهي، فإن لم يكن كذلك؛ فالنهي باق على حقيقته، والبول من قيام من خصائصه (٢) ، ولكن بعد ثبوت النهي من طريق صحيحة أو حسنة (٣) {
وقد أوضح ذلك شيخنا العلامة الشوكاني في " شرح المنتقى " .
- (٢)ليس هناك دليل على إثبات أنه من خصائصه [صلى الله عليه وسلم] ، ولا تقبل دعوى ذلك إلا بدليل، - كما سبق - (ش)
- (٣)وأنى ذلك؟! وقد قال الحافظ ابن حجر في " الفتح " (١ / ٢٨٣) : " ولم يثبت عن النبي [صلى الله عليه وسلم]- في النهي عن البول قائما - شيء ".