تتضمن طرفا من أخبار الوالد السعيد، ومولده ووفاته
176 paragraphs · vol. 2, p. 193
Page 1 of 5
- vol. 2, p. 193
محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد بن الفراء، أبو يعلى
كان عالم زمانه، وفريد عصره، ونسيج وحده، وقريع دهره، وكان له فى الأصول والفروع القدم العالى، وفى شرف الدين والدنيا المحل السامى، والخطر الرفيع، عند الإمامين: القادر، والقائم، رضي الله عنهما ، وأصحاب الإمام أحمد رضي الله عنه له يتبعون، ولتصانيفه يدرسون ويدرسون، وبقوله يفتنون، وعليه يعولون، والفقهاء على اختلاف مذاهبهم وأصولهم كانوا عنده يجتمعون، ولمقاله يسمعون ويطيعون، وبه ينتفعون، وبالاهتمام به يقتدون. وقد شوهد له من الحال ما يغنى عن المقال، لا سيما مذهب إمامنا أبى عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل، واختلاف الروايات عنه، ومما صح لديه منه، مع معرفته بالقرآن وعلومه، والحديث
vol. 2, p. 194والفتاوى والجدل، وغير ذلك من العلوم، مع الزهد والورع، والعفة والقناعة، وانقطاعه عن الدنيا وأهلها، واشتغاله بسطر العلم وبثه، وإذا عته ونشره.
-
وكان والده أبو عبد الله: أحد شهود الحضرة بمدينة السلام، حضر عنده فى داره: محمد بن صبير، قاضى الإمام الطائع لله، فشهد عنده فى خلافة الطائع لله، ولم نسمع أن أحدا قصده من يشهد بين يديه، فشهد عنده فى داره سواه ولم يكن يومئذ قاضى قضاة، وكان ابن معروف معزولا. وقد أهل ابن صبير لقضاء القضاة، وقد شوهد ذلك فى درج بخط ابن صاحب النعمان، لما ذكر شهود باب الطاق.
-
وكان جدى أبو عبد الله قد درس على أبى بكر الرازى مذهب أبى حنيفة، وغير خاف محل أبى بكر الرازى، وأن المطيع لله ومعز الدولة خاطباه ليلى قضاء القضاة فامتنع. وكان محل جدى أبى عبد الله منه: أنه مرض مائة يوم، فعاده أبو بكر الرازى خمسين يوما، يعبر إليه من الجانب الغربى بالكرخ، من درب عبدة إلى باب الطاق بالجانب الشرقى، فلما عوفى وحضر عنده فى مجلسه قال له أبو بكر الرازى: يا أبا عبد الله، مرضت مائة يوم، فعدناك خمسين يوما، وذاك قليل فى حقك
وتوفى فى سنة تسعين وثلاثمائة
وكان سن الوالد فى ذلك الوقت: عشر سنين إلا أيام. وكان وصيه رجل يعرف بالحربى يسكن بدار القز. فنقل الوالد السعيد من باب الطاق إلى شارع دار القز، وفيه مسجد يصلى فيه شيخ صالح، يعرف بابن مفرحة المقرئ، يقرئ القرآن، ويلقن من يقرأ عليه العبارات من مختصر الخرقى. فلقن الوالد السعيد.
-
ما جرت عادته بتلقينه من العبادات، فاستزاده الوالد السعيد. فقال له ذلك الشيخ:
هذا القدر الذى أحسنته. فإن أردت زيادة عليه فعليك بالشيخ أبى عبد الله بن حامد. فإنه شيخ هذه الطائفة، ومسجده بباب الشعير. فمضى الوالد إليه وصحبه
vol. 2, p. 195إلى أن توفى ابن حامد فى سنة ثلاث وأربعمائة. ونفقه عليه. وبرع فى ذلك.
-
وكان ذلك من لطف الله تعالى به. وإرادته تعالى حفظ هذا المذهب.
-
وقد ذكرنا فى أخبار ابن حامد سؤال محمد بن على المقرئ له عند خروجه إلى الحج سنة اثنتين وأربعمائة: على من ندرس؟ وإلى من نجلس؟ فقال له: إلى هذا الفتى، وأشار إلى القاضى أبى يعلى.
-
وقد كان لابن حامد أصحاب كثيرون. فتفرس فى الوالد السعيد ما أظهره الله تبارك وتعالى عليه. روى أبو هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله ﷺ «اتقوا فراسة المؤمن. فإنه ينظر بنور الله عز وجل »
-
فأما مولده: فولد لتسع وعشرين، أو ثمان وعشرين ليلة، خلت من المحرم سنة ثمانين وثلاثمائة.
-
وأما شيوخه: فأول سماعه للحديث: سنة خمس وثمانين وثلاثمائة.
-
وسمع من أبى الحسين السكرى عن أحمد بن عبد الجبار الصوفى عن يحيى ابن معين وغيره.
-
وسمع أيضا من جماعة عن البغوى. وقد حدث عن البغوى عن أحمد ابن حنبل.
-
وسمع من أبى القاسم موسى بن عيسى السراج عن البغوى وغيره.
-
ومن أبى الحسن على بن معروف عن البغوى، وابن صاعد، وابن أبى داود، وغيرهم.
-
ومن أبى القاسم بن حبابة عن البغوى عن على بن الجعد عن شعبة وغيره.
-
ومن أبى الطيب بن المنار عن البغوى، وابن صاعد وغيرهما.
-
ومن أبى طاهر المخلص عن البغوى وابن صاعد وغيرهم.
-
ومن أبى القاسم عيسى بن على الوزير عن البغوى وغيره.
-
ومن أبى القاسم بن سويد عن ابن مجاهد وابن الأنبارى وغيرهما.
- vol. 2, p. 196
ومن أبى القاسم الصيدلانى عن ابن صاعد وغيره.
-
ومن أم الفتح بنت القاضى أبى بكر أحمد بن كامل.
-
ومن جده لأمه أبى القاسم بن حنيفا.
-
ومن أبى عبد الله عن أبى بكر محمد بن إسحاق بن عبد الرحيم السوسى وغيره ومن أبى محمد عبد الله بن أحمد بن مالك البيع بانتقاء ابن أبى الفوارس.
-
ومن القاضى أبى محمد الأكفانى.
-
ومن أبى نصر بن الشاه.
-
ومن أبى عبد الله النيسابورى.
-
ومن أبى الحسن الحمامى، ومن أبى الفتح بن أبى الفوارس
وسمع بمكة ودمشق وحلب فى آخرين.
-
وابتدأ بالتصنيف والتدريس بعد وفاة شيخه ابن حامد.
-
وحج سنة أربع عشرة وأربعمائة. وعاد إلى تدريسه وتصنيفه فى الفروع والأصول والآداب، وانقطاعه عن الدنيا وما يؤول إلى الذهاب.
-
ومن بحث عن أخلاقه وطرائقه وأخباره: لم يخف عليه موضعه ومحله، ولو بالغنا فى وصفه لكنا إلى التقصير فيما نذكره من ذلك أقرب، إذ انتشر على لسان الخطير والحقير ذكر فضله، سوى ما يضاف إلى ذلك من الجلالة والصبر على المكاره، واحتماله لكل جريرة إن لحقته من عدو، وزلل إن جرى من صديق، وتعطفه بالإحسان على الكبير والصغير، واصطناع المعروف إلى الدانى والقاصى، ومداراته للنظير والتابع، جاريا على سنن الإمام أحمد رضي الله عنهما حذو القذّة بالقذة.
-
ولم يزل على طول الزمان يزداد جلالة ونبلا، وعلما وفضلا، قصده القاضى الشريف. أبو على بن أبى موسى دفعات. إحداها: فى جمادى الأولى سنة إحدى - أو اثنتين - وعشرين وأربعمائة، ليشهد عند قاضى القضاة أبى عبد الله بن ماكولا،
vol. 2, p. 197ويكون ولد القاضى أبى على أبو القاسم - الملقب بزين الدين - له تابعا ومتبركا بشهادته. فأبى عليه الوالد السعيد أشد الإباء. فمضى ابن أبى موسى إلى أبى القاسم ابن بشران، وسأله أن يشهد مع ولده. وقد كان ابن بشران قد ترك الشهادة قبل ذلك. فأجابه إلى ذلك. فشهد ابن بشران ومعه زين الدين بديوان الخلافة.
-
وكانت وفاة القادر بالله فى حادى عشر من ذى الحجة من هذه السنة. ثم توفى القاضى أبو على سنة ثمان وعشرين.
-
وكان من قضاء الله وقدره: أن تكررت سؤالات قاضى القضاة أبى عبد الله ابن ماكولا للشيخين: أبى منصور بن يوسف، وأبى على بن جرادة، يسألان الوالد السعيد: أن يشهد عنده، لعلمه بمحبتهما له، واعتقاد هما بمذهبه. وانضاف إلى ذلك خطاب رئيس الرؤساء نوبة بعد أخرى. فأجاب إلى ذلك وشهد عنده، مع كراهته للشهادة.
-
وكان ابن ماكولا معظما له، ومبجلا ومكرما، ما لم يكن يفعله لغيره.
-
وقد كان حضر الوالد السعيد - قدس الله روحه - فى سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة فى دار الخلافة فى أيام القائم بأمر الله - رضوان الله عليه - مع الجم الغفير، والعدد الكثير من أهل العلم. وكان صحبته الشيخ الزاهد أبو الحسن القزوينى، لفساد قول جرى من المخالفين لما شاع قراءة كتاب «إبطال التأويلات» فخرج إلى الوالد السعيد من الإمام القائم بأمر الله رضوان الله عليهم: الاعتقاد القادرىّ فى ذلك بما يعتقد الوالد السعيد.
-
وكان قبل ذلك قد التمس منه حمل كتاب «إبطال التأويلات» ليتأمل فأعيد إلى الوالد. وشكر له تصانيفه.
-
وذكر بعض أصحاب الوالد السعيد: أنه كان حاضرا فى ذلك اليوم، قال:
رأيت قارئ التوقيع الخارج من القائم بأمر الله - رضوان الله عليه - قائما على قديمه والموافق والمخالف بين يديه، ثم أخذت فى تلك الصحيفة خطوط الحاضرين من
vol. 2, p. 198أهل العلم والفقهاء على اختلاف مذاهبهم. وجعلت كالشرط المشروط.
-
فأول من كتب: الشيخ الزاهد القزوينى: هذا قول أهل السنة، وهو اعتقادى وعليه اعتمادى. ثم كتب الوالد السعيد بعده. وكتب القاضى أبو الطيب الطبرى وأعيان الفقهاء، من بين موافق ومخالف.
-
فبلغنى: أن أبا القاسم عبد القادر بن يوسف قال - بعد خروجه عن ذلك المجلس - روى عن النبى ﷺ أنه قال «لا تزال طائفة من أمتى على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة» فلما أرادوا النهوض من ذلك المجلس: التفت ابن القزوينى الزاهد إلى الوالد السعيد، فقال له: كما فى نفسك؟
فقال له الوالد السعيد: الحمد لله على ما تفضل به من إظهار الحق.
فقال له ابن القزوينى الزاهد: لا أقنع بهذا، وأنا أحضر بجامع المنصور، وأملى أحاديث الصفات. فحضر القزوينى الزاهد جمعا مترادفات بجامع المنصور، وأملى أخبار الصفات، ناصرا لما سطره الوالد السعيد.
-
ثم توفى ابن القزوينى ليلة الأحد الخامس من شعبان سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة. وصلّى عليه بين الحربية والعتابيين، مما يلى الخندق. وحضره عالم كثير وجرى تشغيب بين أصحابنا وبين المخالفين لنا فى الفروع.
-
فحضر الوالد السعيد سنة خمس وأربعين فى دار الخلافة مجلس أبى القاسم على ابن الحسن رئيس الرؤساء، ومعه جم غفير، وعدد كثير من شيوخ الفقهاء، وأماثل أهل الدين والدنيا.
فقال رئيس الرؤساء، فى ذلك اليوم على رءوس الأشهاد: القرآن كلام الله، وأخبار الصفات تمرّ كما جاءت. وأصلح بين الفريقين. ففاز الوالد السعيد بخير الدارين إن شاء الله.