تتضمن طرفا من أخبار الوالد السعيد، ومولده ووفاته

176 paragraphs · vol. 2, p. 193

Page 5 of 5

  1. وروى أنس بن مالك رضي الله عنه : أن النبى ﷺ قال «من كانت نيته طلب الآخرة: جعل الله غناه فى قلبه. وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهى راغمة. ومن كانت نيته طلب الدنيا: جعل الله الفقر بين عينيه، وشتت عليه أمره، ولا يأتيه منها إلا ما كتب له»

    vol. 2, p. 226
  2. وروى أبو موسى الأشعرى رضي الله عنه قال قلت «يا رسول الله، الرجل يحب

    vol. 2, p. 227القوم، ولما يلحق بهم؟ قال: المرء مع من أحب»

  3. وكان الوالد السعيد - نور الله ضريحه - قد اجتمع فيه ما رواه ابن عباس.

    قال: قيل «يا رسول الله، أى مجلسنا خير؟ قال: من ذكّركم بالله رؤيته، وزاد فى عملكم منطقه. وذكركم الآخرة بعلمه»

  4. وهذا بعض مناقبه وفضائله، وما هو شائع له بين الناس من زهده وعلمه أكثر فأغنانا عن أن نسطره. ولولا أن أكثر من رآه وعاصره، وحضر مجلسه وناظره قد درج وانقرض: لما ذكرنا هذه الشذرات من مناقبه، إذ كانت تتضمن مدحنا، والإنسان لا يمدح نفسه.

  5. ولعل ناظرا فى هذا الذى أوردناه وسطرناه، يقول: كيف استجاز مدح والده على لسانه، وهو الأصل. ومدح الأصل مدح للفرع؟

  6. فنقول: إنما حملنا على ذلك كثرة قول المخالفين، وما يلقون إلى تابعيهم من الزور والبهتان، ويتخرصون على هذا الإمام من التحريف والعدوان. وكان لنا فى ذلك رخصة، قد سبق إليها الأنبياء والأولياء رضوان الله عليهم وسلامه.

  7. فقد قيل: إذا اضطر الإنسان إلى مدح نفسه فلا بأس بذلك. قال الله تعالى فى قصة يوسف الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الخليل عليهم السلام (٥٥:١٢ ﴿قالَ: اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ، إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) ﴾ وقال النبى ﷺ «أنا سيد ولد آدم ولا فخر، ولواء الحمد بيدى يوم القيامة ولا فخر»

  8. قيل: فى معناه قولين، أحدهما: يعنى ولا فخر أعظم من هذا. وقيل: أنا أعلمكم بالله وأخشاكم له.

  9. وروى عن بعض أصحابه نحو هذا الكلام من المدح للنفس فى بعض المواضع التى احتاج فيها إلى ذلك.

  10. فروى أن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه قال للخارجين عليه - حين ادعوا عليه ما هو برئ منه - فقال لهم عثمان: «لولا أنكم قلتم، لما قلت.

  11. إنّي رابع أربعة فى الإسلام. وزوجنى رسول الله ﷺ ابنتيه.

    vol. 2, p. 228
  12. وحفرت بئر رومة، وجهزت جيش العسرة، وزدت فى المسجد، وما بغيت ولا تمنيت، ولا مسست فرجى بيمينى منذ بايعت رسول الله ﷺ ، ولا زنيت فى جاهلية ولا إسلام، ولا مرت بى جمعة إلا وأنا أعتق فيها نسمة، إلا أن لا أجد فى تلك الجمعة نسمة فأعتق فى الجمعة الأخرى نسمتين».

  13. وأخبرنا الوالد السعيد - قراءة - قال: أخبرنا على بن عمر الحربى قال: حدثنا حامد بن بلال البخارى حدثنا محمد بن عبد الله البخارى قال: حدثنا يحيى بن النضر حدثنا غنجار عن قيس بن الربيع عن عمرو بن عبيد الله - يعنى أبا إسحاق السبيعى - عن عاصم بن ضمرة قال: سمعت الحسن بن على رضي الله عنهما يقول على هذا المنبر «إن عليا لم يسبقه الأولون، ولم يدركه الآخرون. والله ما ترك صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم فضلت من عطائه، ليبتاع بها خادما. والله إن كان رسول الله ﷺ ليدفع إليه الراية، فيقاتل عن يمينه جبريل، وعن يساره ميكائيل، فما يرجع حتى يفتح عليه»

  14. وأخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد المعدل قال: أخبرنا أبو طاهر المخلص قال:

    أخبرنا أبو عبد الله الطوسى قال: أخبرنا الزبير بن بكار الزبيرى قال: حدثنى رجل عن عبد الرحمن بن موسى بن عبد الله قال: حدثنى محمد بن القاسم - مولى بنى هاشم - قال «بلغ عائشة رضي الله عنها : أن ناسا يتناولون أبا بكر، فبعثت إلى أزفلة (١) منهم. فلما حضروا أسدلت أستارها، فحمدت الله، وأثنت عليه، وصلت على نبيها ﷺ ، وعذلت وقرّعت، ثم قالت: أبيه، وما أبيه؟ أبى والله لا تعطوه الأيدى (٢) ، ذاك طود منيف، وفرع مديد، هيهات هيهات كذبت الظنون أنجح والله إذ كذّبتم، وسبق إذ ونيتم سبق الجواد إذا استولى على الأمد، فتى

    vol. 2, p. 229قريش ناشئا، وكهفها كهلا. يفك عانيها، ويريش مملقها، ويرأب شعثها، حتى حلّته قلوبها. ثم استشرى فى دينه (١) ، فما برحت شكيمته فى ذات الله عز وجل حتى اتخذ بفنائه مسجدا يحيى فيه ما أمات المبطلون. وكان رضي الله عنه غزير الدمعة، وقيذا الجوانح (٢) شجى النشيج (٣) . فانقصفت (٤) إليه نسوان مكة وولدانها يسخرون منه، ويستهزءون به ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ فأكبرت ذلك رجالات قريش، فحنت له قسيّها. وفوّقت له سهامها، وانتثلوه (٥) غرضا، فما فلوا له صفاة، ولا قصفوا له قناة. ومر على سيسائه (٦) حتى ضرب الدين بجرانه. وألقى بركبتيه، وأرست أوتاده. ودخل الناس فيه أفواجا، ومن كل فرقة أشتاتا، وأرسالا. اختار الله عز وجل لنبيه ﷺ ما عنده. فلما قبض الله نبيه: نصب الشيطان رواقه، ومد طنبه. ونصب حبائله، وأجلب بخيله ورجله. فظنت رجال: أن قد تحققت أطماعهم - ولات حين الذى يرجون - وأنى؟ والصديق بين أظهرهم. فقام حاسرا مشمرا، فجمع حاشيته ورفع قطريه. فرد نشر الإسلام على غرّته، ولمّ شعثه بطبّه. وأقام أوده بثقافه.

    1. (١)الأزفلة: الجماعة
    2. (٢)أى لا تبلغه فتتناوله
    3. (١)أى جد وقوى واهتم.
    4. (٢)أى محزون القلب. كأن الحزن قد كسره وضعفه
    5. (٣)الجوانح تجن القلب وتؤويه
    6. (٤)التقصف: التدافع والتزاحم
    7. (٥)أى اتخذوه غرضا رموه بكل سهامهم
    8. (٦)أى ولدته وحيدا فريدا.
  15. فامذقرّ النفاق بوطأته، وانتاش الدين بثقافه. فلما أراح الحق على أهله، وقرر الرءوس على كواهلها، وحقن الدماء فى أهبها، أتته منيته، فسدّ ثلمته بنظيره فى المرحمة، وشقيقه فى السيرة والمعدلة. ذاك: ابن الخطاب، لله أمّ حفلت له، ودرّت عليه. لقد أوحدت به (٧) ففنّخ الكفرة وديّخها (٨) وشرد الشرك شذر مذر، وبعج الأرض وبخعها (٩) فقاءت أكلها، ولفظت خبأها. ترأمه ويصدف عنها،

    vol. 2, p. 230وتصدّى له ويأباها. ثم وزع فيها فيأها، وودعها كما صحبها. فأرونى ما تربئون. فأى يومي أبي تنقمون؟ أيوم إقامته، إذ عدل فيكم؟ أو يوم ظعنه، وقد نظر لكم؟ وأستغفر الله لى ولكم».

    1. (٧)سيسأ الأسر: ظهره.
    2. (٨)أى أذلها وقهرها
    3. (٩)أى شقها وأذلها
  16. وقد روى عن إسحاق بن راهويه أنه قال «سألنى أحمد بن حنبل عن حديث الفضل بن موسى - حديث ابن عباس رضي الله عنهما : أن النبى ﷺ «كان يلحظ فى صلاته، ولا يلوى عنقه خلف ظهره» - قال: فحدثته.

    فقال رجل: يا أبا يعقوب، رواه وكيع بخلاف هذا. فقال له أحمد بن حنبل:

    اسكت، إذا حدثك أبو يعقوب أمير المؤمنين فتمسك به.

    قلت أنا: فهذا إسحاق بن راهويه يمدح نفسه، وهذا أحمد قد جعله أمير المؤمنين، يعنى فى الحديث

    فأولى لنا أن نذكر والدنا، ونذكر طرفا من فضائله ومناقبه، وعلومه وورعه. فهذه خاصة فى مدح الإنسان نفسه إذا احتاج إلى ذلك

    ولولا أن الذين قد جمعوا التواريخ حملتهم عصبيتهم وأهواؤهم على ترك فضائله ونشر مناقبه: لما ذكرنا ما ذكرناه. فلما رأينا الذين قد رأوه وحفظوا ما سمعوه من فضائله من الشيوخ، وشاهدوا بعض ذلك ينقرضون، والمؤرخون الذين أرخوا قصروا فى نشر فضائله، لأجل من يهوى هواهم من المخالفين: آثرنا ذكر بعض ما انتهى إلينا من فضائله. فليعذرنا من وقف عليه، ولا ينسبنا من الذين يتشبعون بما لم يعطوا. وليسأل من يثق به من أهل الثقة والمعرفة والخبرة بالقاضى الإمام رضي الله عنه ، ولا يلتفت إلى قول مخالف ومباين بالبدعة. فيعلم أن الذى سطرناه ما استعرنا منه ذلك. إذ كان فيه أضعاف ما ذكر من الفضل والعلم والزهد

    فنسأل الله أن يحيينا على الإسلام والسنة، وأن يميتنا عليهما، ولا يجعل فى قلوبنا غلا للذين آمنوا بمنه وكرمه. إنه سميع الدعاء