محمد بن أحمد بن بضحان بن عين الدولة بدر الدين

4 paragraphs · vol. 1, p. 969

  1. أبو عبد الله الدمشقي، الإمام الأستاذ المجود البارع، شيخ مشايخ الإقراء بالشام، ولد سنة ثمان وستين وستمائة، وسمع الحديث وعني بالقراءات سنة تسعين وستمائة وبعدها، فقرأ لنافع وابن كثير وأبي عمرو على الرضي بن دبوقا، ولابن عامر على الفاضلي، ثم جمع عليه للسبعة فمات الفاضلي قبل تمام الختمة فتلا بالسبع على محمد بن عبد العزيز الدمياطي وإبراهيم بن فلاح الإسكندري، ولعاصم على أحمد بن سباع الفزاري، وقرأ عليه شرحي (٤١٤٢) السخاوي وأبي شامة، ولازمه، وأخذ عنه العربية، ثم تردد إلى المجد التونسي يبحث عليه في الشاطبية.

    vol. 1, p. 969
  2. ثم توجه إلى مصر مع من انجفل بعد فازان سنة سبعمائة فأقام بها ست سنين، ثم رجع فتصدر بالجامع الأموي لإقراء العربية فقصده القراء وبعد صيته واشتهر فضله، واتفق أنه أقرأ ﴿وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها﴾ [النحل:٨] بالإدغام لأبي عمرو والتزم إخراجه من القصيد فلو عزاه إلى كتاب غير الشاطبية ورأى روايته منه لكان قريبا، فقام عليه الشيخ مجد الدين التونسي وهو

    vol. 1, p. 970إذ ذاك شيخ الإقراء بدمشق والشيخ كمال الدين بن الزملكاني وغيرهما واجتمعوا بالقاضي فأخبرني شيخنا شرف الدين أحمد بن الكفري قال: أنا كنت مع الشيخ التونسي حين دخل إلى قاضي القضاة ابن صصرى قال: فطلب ابن بضحان بحضوري وتكلم معه في ذلك فلم يرجع فمنعه من الإقراء حتى يوافق الجمهور فتألم لذلك، وامتنع من الإقراء مطلقا، ولبث مدة، ثم أنه أمّ بمسجد أبي الدرداء بقلعة دمشق، فكان الناس يقصدونه لسماع تلاوته وحسن أدائه وتجويده، ثم أنه تصدر للإقراء بالجامع عند رأس يحيى بن زكريا عليهما السلام ، ورجع عما أخذ عليه، فازدحم الخلق عليه وقصده القراء من الآفاق وتنافسوا في الأخذ عنه، ولما خلت المشيخة الكبرى بتربة أم الصالح عن الشيخ التونسي وليها من غير طلب منه، بل لكونه أعلم أهل البلد بالقراءات عملا بشرط الواقف، فكان يسكن بقاعته بدرب العجم قريب الحمام، ويصلي بالجامع، ثم يحضر المشيخة من الظهر إلى العصر في أيام الأشغال، ويجلس للإقراء وهو في غاية التصميم لا يتكلم ولا يلتفت ولا يبصق ولا يتنحنح، وكذلك من عنده، ويجلس القارئ عليه، وهو يشير إليه بالأصابع، لا يدعه يترك غنة ولا تشديدا ولا غيره من دقائق التجويد حتى يأخذه عليه، ويرده إليه، وإذا نسي أحد وجها من وجوه القراءة يضرب بيده على الحصير، فإن أفاق القارئ ورجع إلى نفسه أمضاه له، وإلا لا يزال يقول: للقارئ ما فرغت حتى يعيّيه فإذا عييّ رد عليه الحرف، ثم يكتبه عليه، فإذا ختم وطلب الإجازة سأله عن تلك المواضع التي نسيها أو غلط فيها في سائر الختمة فإن أجاب عنها بالصواب كتب له الإجازة وإن نس قال له: أعد الختمة فلا أجيزك على هذا الوجه، وهكذا كان دأبه على هذه الحال بحيث أنه لم يأذن لأحد سوى اثنين وهما السيف الحريري وابن نحلة حسب لا غير في جميع عمره مع كثرة من قرأ عليه وقصده من الآفاق، وكان مع ذلك دينا صلفا، حسن الهيئة، نزها، لا يتردد إلى أحد، ولا يلتفت إلى غير ما هو بصدده، ولا يطلب وظيفة ولا جهة، وكان يكتب الغيبة بيده على نفسه بتربة أم الصالح، وإذا جاءه المعلوم نظر فيها وقطع من المعلوم نظير الغيبة ورده، هكذا بلغنا من أصحابه، ولكن كان له خلق بذاته، ورأي وحده، وله بعض ملك مخلّف عن والده، وكان مع ذلك حسن الصوت، جيد التلفظ، قيما بالتجويد، شرح

    vol. 1, p. 971القصيدة فوصل فيه إلى أثناء باب الهمز وهو شرح متكلف للتصنيف أخبرني شيخنا عبد الوهاب بن السلار أنه كان يكتب مسودته في لوح فيمحي ويكتب حتى يستقر رأيه على شيء فيكتبه، قلت: فكأنه كان من العلماء الذي يصعب عليهم التصنيف، وله مؤلف في وقف حمزة وهشام، وقع له فيه بعض وهم وله التذكرة في الرد على من رد تفخيم الألف وأنكره رأيته بخطه في كراس يشير إلى أن الألف التي تقع بعد حرف التفخيم إنما تكون مفخمة تبعا لما قبلها غير مرققة خلافا لمن نص على الترقيق، أضرّ بآخر عمره.

  3. قرأ عليه السيف أبو بكر بن الحريري والشيخ أحمد بن محمد بن يحيى بن نحلة وشيخنا أحمد ابن إبراهيم بن الطحان والصلاح بن إسماعيل الحراني القزاز ولبعض القراءات شيخنا أبو العباس بن الكفري وعبد الوهاب بن السلار ومحمد بن أحمد بن اللبان وإبراهيم بن أحمد الحريري البعلي.

  4. ورأيت ترجمته في طبقات الحافظ الذهبي، وقد كتب ابن بضحان فوقها بقلم ثخين ما لا ينبغي كتابته، وبالغ في ذلك، ونسب الذهبي إلى الكذب، فرأيته على هامشي الكتاب بخط الذهبي، أنا أعلم من أين أتيت فإنني زدته والله ما لا يستحقه وأغضيت عن أمور مكشوفة فلنا وله وقفة بين يدي رب العالمين.

    قلت: فأخبرني الشيخ إبراهيم بن أحمد الحريري بالقاهرة قال: كانت معي نسخة الطبقات بخط أبي عبد الله الذهبي المؤلف وقد استعرتها منه من بيته بتربة أم الصالح وكان شيخ الحديث بها فخرجت فإذا شيخنا ابن بضحان في مجلس الإقراء بها فقال: ما هذا الذي معك؟ فقلت: طبقات القراء للذهبي فقال: أرني حتى أبصر ترجمتي قال: فأخذه مني فنظر فيه ثم قال: اجعله عندي إلى غد، فاستحييت منه وقلت: بسم الله، فأخذه مني، فلما كان في اليوم الثاني أخرجه، وقد كتب على خط الذهبي ما كتب قال: فكيف بقي حالي مع الذهبي قال:

    فجئت إلى الذهبي وأنا في حالة من الحياء الله يعلم بها، قال: فسألني فأجتبه وأنا في غاية الانكسار بصورة الحال فقال: يا ابني ليس لك ذنب أنت معذور ثم نظر في خط الشيخ ابن

    vol. 1, p. 972بضحان فلم يغيره وكتب عليه ما تقدم، قلت: توفى خامس ذي الحجة سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة.