موازنة بين كتاب (التمييز) وأصله (البدر المنير)

208 paragraphs · vol. 1, p. 41

Page 2 of 6

  1. وأعله الدّارَقطني بأن عبد الجبار تَفَرَّد به دون أصحاب ابن عيينة الحفاظ، وأنه دَخَلَ عليه حديث في حديث، وأنه عند ابن عيينة عن عمرو بن دينار، عن طاوس مرسلا، وفيه: "احفرُوا مَكانَه" .

    vol. 1, p. 49
  2. وعن يحيى بن سعيد، عن أنس موصولا. وليست فيه الزيادة، وهذا تحقيق بالغ، إلا أن هذه الطريق المرسلة مع صحَّة إسنادها، إذا ضُمَّت إلى أحاديث

    vol. 1, p. 50الباب أخذت قوة، وقد أخرجها الطَّحاوي مفردة من طريق ابن عيينة عن عمرو، عن طاوس. وكذا رواه سعيد بن منصور عن ابن عيينة.

  3. فمن شواهد هذا المرسل؛ مرسل آخر:

    رواه أبو داود والدّارَقطنيّ من حديث عبد الله بن معقل بن مقرن المزني -وهو تابعي- قال: قام أعرابي إلى زاوية من زوايا المسجد فبال فيها، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -. . . (فذكره) .

    قال أبو داود: روي مرفوعًا -يعني موصولًا- ولا يصحُّ.

    قلت: وله إسنادان موصولان:

    أحدهما: عن ابن مسعود رواه الدارمي والدّارَقطنيّ ولفظه: فأمر بمكانه فاحتفر، وصبَّ عليه دلو من ماء.

  4. وفيه سمعان بن مالك، وليس بالقوي، قاله أبو زرعة. وقال ابن أبي حاتم في "العلل" عن أبي زرعة: هو حديث منكر.

  5. وكذا قال أحمد. وقال أبو حاتم: لا أصل له.

  6. ثانيهما: عن واثلة بن الأسقع رواه أحمد والطبراني. وفيه عبيد الله بن أبي حميد الهذلي، وهو منكر الحديث؛ قاله البخاري وأبو حاتم.

  7. وهذا الترتيب أحسن من ترتيب ابن الملقن؛ فقد بدأ بالأقوى ثمّ جعل المرسل الآخر شاهدًا عليه، ثمّ خَتم بالرِّوايتين الموصولتين الشّديدَتي الضّعف (١) .

  8. الجانب الثّاني: دقّةٌ في التَّعبير وقُوَّةٌ في الحكم:

    vol. 1, p. 51ومن أمثلة ذلك ما يلي:

    * حديث عائشة: كنْتُ أَفْركُ المنيَ من ثوب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فركًا، فيصلي فيه.

  9. عزاه ابن الملِّقن (١) إلى البخاري ومسلم.

  10. وأما الحافظ ابن حجر -رحمه الله-. (٢) فقال: "متفق عليه من حديثها، واللّفظ لمسلم، ولم يخرج البخاري مقصود الباب" .

  11. فزاد العبارةَ الأخيرة لبيان أنَّ الشَّيخين إنما اشتركا فَقط في أصل الحديث، وليس عند البخاري مسألة الفَرْكِ المذكور، وهو مقصودُ كلام الرّافعي، وهَذه دقَّةٌ فاتت ابنَ الملقِّن -رحمه الله-.

  12. * حديث أبي الدرداء: "إِذَا بَلَغ أَرْبَعِينَ رَجُلًا فَعَلَيهِم الْجُمُعَة" .

    قال ابن الملقِّن (٣) : "هذا الحديث غريب لم أرَ من خرجه بعد البحث عنه، ولغرابته عزاه الرافعي في الكتاب إلى صاحب التتمة؟ " .

  13. لكن الحافظ ابن حجر (٤) عَبَّرَ عن هذا بقول: "أورده صاحب التتمة ولا أصل له" .

  14. ولا ريب أنّ هذَا التّعبير أقوى في الحكم على الحديث، وأدقّ اصطلاحًا من تعبير ابن الملقن -رحمه الله-.

  15. * حديث أبي أمامة: "لا جُمُعَة إلَاّ بِأرْبَعِينَ" .

    قال ابن الملقِّن (١) : "هذا الحديث لا يحضرني من خرَّجه من هذا الوجه هكذا .. والذي يحضرنا من طريق أبي أمامة ما لا يوافق مذهبنا؛ فإن الدارقطني والبيهقي في " خلافياته " أيضًا رواه عنه مرفوعًا. . ." (فذكره) .

    vol. 1, p. 52
  16. لكن الحافظ ابن حجر قال (٢) : "لا أصل له، بل روى البيهقي (٣) والطبراني (٤) من حديثه: " عَلَى خَمْسِينَ جُمُعَة، لَيْس فِيمَا دُونَ ذَلِكَ ". . ." .

  17. فكان أقوى حكمًا وأدقّ تعبيرًا من تعبير شيخه ابن الملقن. رحمهما الله. .

  18. * حديث: "سَوُّوا بَين أَوْلَادِكُم في الْعَطِيَّة، فلو كُنتُ مُفَضلًا أحدًا لفضَّلْتُ البناتِ" .

    قال ابن الملقن (٥) : "وزاد القاضي حسين في روايته لهذا الحديث زيادة غريبة لم أرَ من خرجها، وهي: سووا بين أولادكم في العطية، حتى القُبَل" .

  19. أمّا الحافظ ابن حجر فقال (٦) : "فائدة: زاد القاضي حسين في هذا الحديث بعد قوله: (العطية) : " . . . حَتَّى في الْقُبَل ". وهي زيادة منكرة" .

  20. فجاء حُكْمُ الحافظ ابن حجر على الزيادة أقوى وأدقّ.

    vol. 1, p. 53
  21. قوله: روي أنّه - صلى الله عليه وسلم - قال: "مَنْ كَان يُؤمِن بالله وَاليومِ الآخرِ فلا يَجمَعُ ماءَهَ في رَحِمِ أُخْتَيْنِ" . ويروى: "مَلْعُونٌ مَنْ جَمَعَ مَاءَه في رَحِمِ أُخْتَيْنِ" .

    قال ابن الملقِّن (١) : "هذا الحديث بلفظيه غريب جدًّا، لا يحضرني من خَرَّجه بعد البحث الشّديد عنه سنين" .

  22. أما الحافظ ابن حجر -رحمه الله- فقال (٢) : "لا أصل له باللّفظيْن" ، ونَقَلَ قول ابن عبد الهادي: "لم أجد له سندًا بعد أن فتشت عليه في كُتُبٍ كثيرةٍ" .

  23. * حديث حذيفة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في وَصْفِ الفتن: "كُنْ عَبدَ الله المقْتُولَ وَلَا تَكُنْ عَبْدَ اللهِ الْقَاتِلَ" .

    قال ابن الملقِّن (٣) : "هذا الحديث غريب لا أعلم من خَرَّجه هكذا من هذه الطّريق بعد البحث عنه. . ." .

  24. وحكم الحافظ ابن حجر عليه بقوله (٤) : "هذا الحديث لا أصل له من حديث حذيفة" .

  25. وهذا أكثر إحكامًا وأقوى حكمًا.

  26. والأمثلة لذلك كثيرة، وفيما ذكرت غنى وكفاية. والحمد لله ربِّ العالمين.

  27. ثانيًا: في الإضافات الحديثيَّة:
  28. أعرب الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في مقدَّمة كتابه عن إرادته إضافة فوائد وزوائد إلى عَمَلِ شيخه ابن الملقِّن -رحمه الله-، ليأتي الكتاب على مقصود تخريج أحاديث الرَّافعي، ويلبِّي حاجة المتفقّهين في فروع الشّريعة، فقد أوفى بما عاهد عليه قُرَّاءَه، وأتى بفوائدَ حديثيّة جَمَّةً لو جُرِّدت لجاءت في مجلَّدةٍ لطيفة، تدخل في باب التّنكيت، والاستدراك، والتَّذييل، وهي إضافات متنوِّعة بيانُها كالتَّالي:

    ١ - عَزْو الحديث أو الأثر إلى مصادر أخرى:

    لقد أضاف الحافظ ابن حجر -رحمه الله -إلى ما يذكره ابن الملقّن من مصاد رتخريج الحديث مصادر أخرى مهمَّة، فأتت ابن الملقِّن، من أمثلة ذلك:

    الَّطريق الرَّابع عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنَّ الماءَ لا ينجّسُه شيءٌ" .

  29. خَرَّجه ابن الملقّن (١) وعَزَاه إلى الطَّبراني في المعجم الأوسط.

  30. زاد عليه الحافظ ابن حجر (٢) : مسند أبي يعلى، والبزَّار، وصحيح ابن السَّكن، ثم قال: "ورواه أحمد من طريق أخرى صحيحة، لكنه موقوف" .

  31. * حديث عائشة: كنت أفرك المَنِيّ من ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فركًا، فيصلي فيه.

    vol. 1, p. 55
  32. عزاه ابن الملقن (١) إلى البخاري ومسلم.

  33. وأما الحافظ ابن حجر -رحمه الله- فقال (٢) : "متفق عليه من حديثها، واللّفظ لمسلم، ولم يخرج البخاريُّ مقصود الباب.

  34. ولأبي داود: "ثمّ يصلي فيه ". وللترمذي: " ربما فركْتُه من ثوب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأصابعي ". وفي رواية لمسلم: " وإني لأحكّه من ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يابسًا بظفري "" .

  35. فأفاد نسبة اللّفظ بمقصود الباب إلى مسلم دون البخاري، ثم أضاف إلى ذلك تخريج الحديث من "سنن أبي داود" و "سنن الترمذي" .

  36. * حديث: "إنّ الله تَصَدَّقَ عَلَيكُم فَاقْبَلُوا صَدَقَتَه" .

  37. عزاه ابن الملقِّن (٣) إلى صحيح مسلم وابن حبان.

  38. فحذف الحافظ ابن حجر (٤) . -رحمه الله- صحيح ابن حبان، وعزاه إلى أصحاب السُّنن (٥) ، ولا شّكَّ أن هذا أولى من عزوه إلى صحيح ابن حبان، وإن كانت الصّحة تستفاد من هذا العزو، إلا أنّها هنا مستفادة من عزوه إلى صحيح مسلم.

  39. * حديث ابن عمر: وَقَعَتْ في سَهْمِي جاريةٌ من سَبْي جلولاء، فنظرْتُ إليها فإذا عُنُقُهَا مِثْلُ إبريقِ الفضَّةِ، فَلَمْ أتمالَكْ أن وَقَعْتُ عَلَيها، فَقَبَّلْتُها والنَّاس ينظرون، ولم يُنْكِرْ عليَّ أحدٌ.

    vol. 1, p. 56
  40. قال ابن الملقِّن (١) وهذا الأثر لم أر من أخرجه عنه، إلَاّ ابن المنذر فإنه ذَكَرَه في "إشرافه" بغير إسناد (فَذَكَرَه) ثم قال: "وأسنده في كتابه " الأوسط "، ومنه نقلت بعد أن لم أظفر به إلَاّ بعد عشرين سنة من تبييض هذا الكتاب، فَاسْتَفِدْه ولله الحمد" .