مقدمة التحقيق
1,443 paragraphs · vol. 1, p. 5
Page 4 of 37
- vol. 1, p. 47
ويعرِّفون الحديثَ المعلول: بأنه الذي اطُّلِعَ فيه على عِلَّةٍ تَقْدَحُ في صِحَّته، مع أنَّ الظاهرَ السلامةُ منها (١) .
-
وعرَّفه الحافظُ العراقي (٢) مَرَّةً بنحو هذا التعريف، ونقَلَ البِقَاعي (٣) عن الحافظ ابن حجر أنه عرَّفه بقوله: «هو خبرٌ ظاهرُهُ السلامةُ، اطُّلِعَ فيه بعد التفتيش على قادحٍ» ، وهذا التعريفُ اختاره الحافظ السخاوي (٤) ، ولم يَنْسُبه إلى أحد، وهو الذي رجَّحه الدكتور همام سعيد (٥) ؛ لأنه تعريف جامعٌ مانع كما قال.
-
ولِكَيْ تَتَحقَّقَ العِلَّةُ - على كلا التعريفين - لابُدَّ فيها من شرطين:
أ - الغُمُوض والخَفَاء.
- vol. 1, p. 48
ب - القَدْحُ في صحَّة الحديث.
-
أما الغُمُوضُ والخَفَاء: فإنَّ مَنْ ينظُرُ في طعونِ أهلِ العلم بالحديثِ في الأحاديثِ التي يضعِّفونها، يجدُ أنهم يُعِلُّونَ الحديث بأحد سببين:
١) إما سَقْط في الإسناد. ٢) أو طعن في الراوي (١) .
-
وربَّما كان السقطُ أو الطعنُ في الراوي واضحًا جليًّا يدركه كلُّ أحد (٢) ، وربَّما كان خفيًّا لا يدركُهُ إلا الجهابذةُ (٣) ،
وقد يُدْرِكه غيرهم
vol. 1, p. 49بجمعِ طرقِ الحديث (١) ، وتتبُّعِ الاختلاف، ومعرفةِ طريقةِ أهلِ الحديث بالترجيحِ وقرائنه، لكنَّ هذا لا يُخْرِجُهُ عن كونه خفيًّا.
-
ويبدو أنَّ العلماء الذين عرَّفوا العِلَّةَ بالتعريف السابق حرَّروه - كما قال الحافظ ابن حجر (٢) - من كلام الحاكم (٣) ؛ فإنه قال: «وإنَّما يعلَّل الحديثُ مِنْ أوجُهٍ ليس للجَرْح فيها مَدْخَل، فإنَّ حديثَ المجروحِ ساقطٌ واهٍ، وعلَّةُ الحديث تكثُرُ في أحاديثِ الثِّقات، أنْ يحدِّثوا بحديثٍ له علة، فيخفَى عليهم عِلْمُهُ، فيصيرَ الحديثُ معلولاً، والحُجَّةُ فيه عندنا الحفظُ والفَهْمُ والمعرفةُ لا غير» .
قال ابن حَجَرٍ عَقِبَ ذكره لكلام الحاكم هذا: «فعلى هذا لا يسمَّى الحديثُ المنقطعُ - مثلاً - معلولاً، ولا الحديثُ الذي راويه مجهولٌ أو مُضَعَّفٌ معلولاً، وإنما يسمى معلولاً إذا آل أمره إلى شيء مِنْ ذلك، مع كونِهِ ظاهرَ السَّلَامةِ مِنْ ذلك، وفي هذا رَدٌّ على مَنْ زعَمَ أنَّ المعلولَ يَشْمَلُ كلَّ مردود» .
- vol. 1, p. 50
وكان ابنُ الصلاح قد قال (١) : «ثم اعلَمْ أنه قد يُطْلَقُ اسمُ العِلَّةِ على غيرِ ما ذكرناه من باقي الأسبابِ القادحةِ في الحديث، المُخْرِجةِ له مِنْ حال الصحَّة إلى حال الضعف، المانعةِ مِنَ العمل به على ما هو مقتضى لفظِ العِلَّةِ في الأصل؛ ولذلك نَجِدُ في كتب عللِ الحديثِ الكثيرَ من الجَرْح بالكذب والغفلة وسوء الحفظ، ونحوِ ذلك من أنواع الجرح، وسمَّى الترمذي النَّسْخَ عِلَّةً من عِلَلِ الحديثِ (٢) .
-
ثُمَّ إنَّ بعضَهم أطلَقَ اسم العِلَّة على ما ليس بقادح مِنْ وجوه الخلاف؛ نحو
vol. 1, p. 51إرسالِ مَنْ أرسَلَ الحديثَ الذي أسنده الثقةُ الضابط ... » .
-
وحاول الحافظُ ابن حجر التوفيقَ بين ما يقعُ في كلامِ بعض أهل العلم، وبين ما حقَّقه ابن الصلاح، فقال (١) : «مرادُه بذلك: أنَّ ما حقَّقه مِنْ تعريفِ المعلول قد يقع في كلامهم ما يخالفُهُ، وطريقُ التوفيق بين ما حقَّقه المصنِّف وبين ما يقعُ في كلامهم: أنَّ اسم العِلَّة إذا أُطْلِقَ على
vol. 1, p. 52حديثٍ لا يلزَمُ منه أن يُسَمَّى الحديثُ معلولاً اصطلاحًا؛ إذِ المعلولُ ما علَّته قادحةٌ خفيَّة، والعِلَّةُ أَعَمُّ من أن تكون قادحةً أو غير قادحة، خفيَّةً أو واضحة؛ ولهذا قال الحاكم: وإنما يُعَلُّ الحديثُ مِنْ أوجهٍ ليس فيها للجَرْحِ مَدْخَل.
-
وأما قوله: «وسمَّى الترمذيُّ النسخَ عِلَّةً» : هو من تتمَّة هذا التنبيه؛ وذلك أنَّ مرادَ الترمذي: أنَّ الحديثَ المنسوخَ - مع صحَّته إسنادًا ومتنًا - طرَأَ عليه ما أوجَبَ عدمَ العملِ به (١) - وهو الناسخُ - ولا يلزم مِنْ ذلك أنْ يُسَمَّى المنسوخُ معلولاً اصطلاحًا كما قرَّرته، والله أعلم» .
-
وما ذكره الحافظ ابن حجر _ح - من أنَّ اسمَ العِلَّة إذا أُطلِقَ على حديثٍ لا يلزم منه أن يُسَمَّى الحديثُ معلولاً اصطلاحًا؛ إذِ المعلولُ ما علَّته قادحةٌ خفيَّة، والعِلَّةُ أَعَمُّ من أن تكون قادحةً أو غير قادحة، خفيَّةً أو واضحة -: اجتهادٌ منه مخالِفٌ لما عليه عملُ أئمَّة الحديث، فكتُبُ العللِ التي صنَّفها الأئمَّة فيها توسُّعٌ في ذِكْرِ كلِّ ما يُعَلُّ به الحديثُ، وجَعْلِ ذلك في أبوابِ العِلَلِ التي يُرَدُّ بها الحديث (٢) ، حتى سمَّى ابن الجوزي كتابه: "العلل المتناهية" ، وهي عللٌ ظاهرة كما لا يخفى على كل مَنْ طالعه، ولم نَجِدْ أحدًا منهم ذكر هذا الذي قاله الحافظ ابن حجر.
-
وعليه: فالذي يظهر جوازُ إطلاق اسمِ العِلَّةِ على كلِّ قادحٍ في الحديث، سواءٌ كان ظاهرًا أو خَفِيًّا، في السند أو في المتن، وجوازُ تسمية الحديث الذي وجدت فيه العِلَّة: مَعْلولاً، أو مُعَلًّا، غيرَ أنَّ استعمالها في العِلَّةِ الخفيَّة أجودُ بعد أنِ استقرَّ الاصطلاحُ على ذلك عند كثير من أهلِ الحديث بعد ابن الصلاح، والله أعلم.
-
وأما القدحُ في صحَّة الحديث: فَيُفْهَمُ منه أنَّ مِنَ العلل ما لا
vol. 1, p. 53يقدح في صحَّة الحديث، ويَعْنُونَ به متنَ الحديث، وأمَّا قَدْحُهَا في ذلك الإسنادِ خاصَّةً فلا اعتراضَ عليه.
قال ابن الصلاح (١) : «ثم قد تقع العِلَّةُ في إسنادِ الحديث وهو الأكثر، وقد تقع في متنه. ثم ما يَقَعُ في الإسنادِ قد يَقْدَحُ في صِحَّةِ الإسنادِ والمتن جميعًا؛ كما في التعليلِ بالإرسال والوقف، وقد يقدَحُ في صحَّة الإسناد خاصَّةً من غير قدحٍ في صحَّة المتن.
فمن أمثلة ما وقعتِ العِلَّةُ في إسناده من غير قدحٍ في المتن: ما رواه الثقة يَعْلَى بْنُ عُبَيد، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْري، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ (ص) قال: «البَيِّعَانِ بالخِيَار ... » ، الحديث (٢) .
-
فهذا إسناد متصلٌ بنقل العدل عن العدل، وهو معلَّل غير صحيح، والمَتْنُ على كلِّ حالٍ صحيحٌ. والعِلَّةُ في قوله: «عن عمرو بن دينار» ، إنما هو: «عن عبد الله بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ» ، هكذا رواه الأئمَّة مِنْ أصحاب سفيان عنه، فوَهِمَ يعلى بن عبيد، وعَدَلَ عن عبد الله بن دينار إلى عمرو بن دينار، وكلاهما ثقة» .
- vol. 1, p. 54
وللحافظ ابن حجر رأيٌ في العِلَّة الإسنادية، ذكر فيه أنها لا تَقْدَحُ - أحيانًا - حتى في الإسناد نفسه:
قال _ح (١) : «إذا وقعتِ العِلَّةُ في الإسناد قد تَقْدَحُ، وقد لا تقدَحُ، وإذا قدَحَتْ فقد تخصُّهُ، وقد تستلزمُ القدحَ في المتن، وكذا القولُ في المَتْنِ سواء.
- فالأقسام على هذا ستة (٢) :
-
١ - فمثال ما وقعت العِلَّة في الإسناد ولم تقدح مطلقًا: ما يوجد مثلاً من حديثِ مُدَلِّسٍ بالعنعنة؛ فإنَّ ذلك عِلَّةٌ توجبُ التوقُّفَ عن قَبوله، فإذا وُجد من طريق أخرى قد صُرِّح فيها بالسماع؛ تبيَّن أنَّ العِلَّة غيرُ قادحة.
-
وكذا إذا اختُلِفَ في الإسنادِ على بعضِ رواته؛ فإنَّ ظاهرَ ذلك يوجب التوقُّف عنه، فإنْ أمكنَ الجمعُ بينها على طريقِ أهلِ الحديث بالقرائنِ التي تَحُفُّ الإسنادَ، تبيَّنَ أنَّ تلك العِلَّةَ غيرُ قادحة (٣) .
-
٢ - ومثالُ ما وقعَتِ العِلَّةُ فيه في الإسنادِ وتقدَحُ فيه دون المتن: ما مثَّلَ به المصنِّفُ من إبدالِ رَاوٍ ثقةٍ براوٍ ثقة، وهو بِقِسْمِ المقلوبِ أليقُ؛ فإنْ أُبْدِلَ راوٍ ضعيفٌ براوٍ ثقة، وتبيَّن الوَهَمُ فيه، استلزَمَ القَدْحَ
vol. 1, p. 55في المتن أيضًا، إنْ لم يكنْ له طريقٌ أخرى صحيحة.
-
ومِنْ أغمضِ ذلك أنْ يكونَ الضعيفُ موافقًا للثقةِ في نعته.
-
ومثالُ ذلك ما وقَعَ لأبي أسامةَ حَمَّادِ بنِ أُسَامةَ الكُوفيِّ أحدِ الثقاتِ، عن عبد الرحمنِ ابنِ يَزِيدَ بنِ جابر، وهو مِنْ ثقاتِ الشاميِّين، قَدِمَ الكوفةَ، فكتَبَ عنه أهلُهَا، ولم يَسْمَعْ منه أبو أسامة، ثم قَدِمَ بعد ذلك الكوفةَ عبدُالرحمنِ بنُ يزيدَ بنِ تَمِيم، وهو مِنْ ضعفاء الشاميِّين، فَسَمِعَ منه أبو أسامة، وسأله عَنِ اسمه فقال: عبد الرحمن بن يزيد، فظَنَّ أبو أسامة أنه ابنُ جابر، فصار يحدِّث عنه وينسُبُهُ مِنْ قِبَلِ نفسه، فيقولُ: حدَّثنا عبدُالرحمنِ بنُ يَزِيدَ بنِ جابر، فوَقَعَتِ المناكيرُ في روايةِ أبي أسامة، عن ابن جابر، وهما ثقتان؛ فلم يَفْطَنْ لذلك إلا أهلُ النقد، فميَّزوا ذلك، ونَصُّوا عليه؛ كالبخاريِّ وأبي حاتمٍ وغيرِ واحد.
-
٣ - ومثالُ ما وقعَتِ العِلَّة في المتنِ دون الإِسناد، ولا تَقْدَحُ فيهما: ما وقَعَ من اختلافِ ألفاظٍ كثيرةٍ من أحاديثِ الصحيحَيْنِ إذا أمكَنَ رَدُّ الجميعِ إلى معنًى واحدٍ؛ فإنَّ القَدْحَ ينتفي عنها ...
-
٤ - ومثالُ ما وقعَتِ العِلَّةُ فيه في المَتْن، واستلْزَمَتِ القَدْحَ في الإِسناد: ما يرويه راوٍ بالمعنى الذي ظنَّه (١) ، يكونُ خطأً (٢) ، والمرادُ
vol. 1, p. 56بلفظِ الحديثِ غيرُ ذلك؛ فإنَّ ذلك يَسْتلزِمُ القَدْحَ في الراوي، فيعلِّلُ الإِسنادَ.
-
٥ - ومثالُ ما وقَعَتِ العِلَّةُ في المتنِ دون الإِسناد: ما ذَكَرَهُ المصنِّفُ من أحدِ الألفاظِ الواردةِ في حديث أنس ح، وهي قوله: «لا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللهِ الرحمنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلَا فِي آخِرِهَا» ؛ فإنَّ أصلَ الحديثِ في الصحيحَيْنِ؛ فلفظُ البخاريِّ: «كانوا يَفْتَتِحون بالحمدُ للهِ رَبِّ العالمين» .
ولفظُ مسلم في روايةٍ له: نَفْيُ الجهرِ، وفي روايةٍ أخرى نفيُ القراءةِ، وقد تكلَّم شيخُنَا (١) على هذا الموضعِ بما لا مَزِيدَ في الحُسْنِ عليه، إلا أنَّ فيه مواضعَ تحتاجُ إلى التنبيهِ عليها ... » إلى آخِرِ كلامِ الحافظِ ابنِ حَجَرٍ.
- vol. 1, p. 57
أَسْبَابُ الْعِلَّةِ في الحَدِيثِ
تقدَّم أنَّ العِلَّة تطلق على الأسبابِ الظاهرة والخَفِيَّةِ التي تقدَحُ في صحةِ الحديث، وأنها في مُجْمَلِها تعود إلى سببين:
أ - السَّقْط في الإسناد.
-
ب - الطَّعْن في الراوي.
-
فكلُّ عِلَّة يُعَلُّ بها الحديثُ داخلةٌ في أحد هذين السببَيْنِ ولا بُدَّ، غيرَ أنَّ السبَبَ قد يكون ظاهرًا يدركه كلُّ أحد، وقد يكون خفيًّا لا يدركه إلا الجهابذة، وقد يدركه غيرهم بجمعِ طرقِ الحديث، وتتبُّعِ الاختلافِ، ومعرفةِ طريقةِ أهل الحديث بالترجيحِ وقرائنِهِ؛ كما تقدَّم بيانه.
-
وليس من مقصودنا هنا ذِكْرُ هذه العلل، سواءٌ كانتْ ظاهرةً أو خَفِيَّة، ولكنْ محاولةُ جَمْعِ الأسبابِ التي نشأَتْ عنها هذه العلل.
-
ولم نَجِدْ أحدًا من الأئمَّة جمَعَ هذه الأسباب، أو تحدَّث عنها مجتمعةً، سوى أقوالٍ منثورة في كتب الرجال، وبعضِ كتبِ علوم الحديثِ، وأمثلةٍ في كتب العلل؛ يمكنُ جمعها منها.
-
وكان قَصَبُ السَّبْقِ في هذا للدكتور همام سعيد في مقدمة تحقيقه لـ "شرح علل الترمذي" لابن رجب.
-
وتتميَّزُ دراستُنَا لأسباب العلة هنا، من دراسته، بتهذيب وزيادات،
vol. 1, p. 58مع الشرح والتمثيل، والفرقُ بيِّن واضح لكلِّ من يوازن بينهما.
-
وتقدَّم أنَّ عِلْمَ العللِ مبنيٌّ على أوهام الثقات، وذكرنا (١) قولَ شيخ الإسلام ابن تيميّة _ح: «وكما أنهم يَسْتشهدون ويَعْتبرون بحديثِ الذي فيه سوءُ حفظ، فإنَّهم أيضًا يضعِّفون مِنْ حديثِ الثقةِ الصدوقِ الضابطِ أشياءَ تبيَّن لهم أنه غَلِطَ فيها، بأمورٍ يَسْتدلُّون بها، ويُسَمُّون هذا: "عِلْمَ علل الحديث" ، وهو مِنْ أشرف علومهم؛ بحيثُ يكون الحديثُ قد رواه ثقةٌ ضابطٌ وغَلِطَ فيه، وغَلَطُهُ فيه عُرِفَ إمَّا بسببٍ ظاهرٍ أو خفيٍّ» .
-
ولذا ستكونُ هذه الأسبابُ مشمولةً بهذا السبب الأساس، وهو «أوهام الثقات» ، ومندرجةً تحته، ومآلها إليه؛ لأنه السبب الذي تكون به العِلَّةُ غامضةً خَفِيَّة - في الغالب - وإنْ شئتَ فقل: إنها صُوَرٌ لهذا السبب الرئيس، أو أسبابٌ لوقوعه. أما الأسبابُ التي تكون بها العِلَّة ظاهرة جلِيَّة فليستْ من مقصودنا هنا؛ كما ذكرنا سابقًا.
-
والثقاتُ يتفاوتون في الحفظ والإتقان، بالإضافةِ للأسباب المُعِينة لهم على بلوغِ الدرجاتِ العُلْيا من استقامةِ الحديث:
فمنهم ثقاتٌ ضابطون، جبالٌ في الحفظ والإتقان، هيَّأ اللهُ لهم من الأسبابِ ما جعلهم أئمَّةً في هذا الفن، يَشْهَدُ لهم به القاصي والداني.
- vol. 1, p. 59
ومنهم ثقاتٌ لهم مشاركةٌ في الحفظ والإتقان، لكنَّهم لم يبلغوا مكانةَ الطبقة السابقة.
-
ومنهم ثقاتٌ لهم أوهامٌ وأخطاءٌ عَرَفها الأئمَّةُ وميَّزوها، فهم يقصِّرون في الحفظ عن الطبقة السابقة.
-
وبين أفراد كُلِّ طبقةٍ تفاضُلٌ وتَمايُزٌ، وذلك فضلُ الله يؤتيه من يشاء.
-
يقولُ الإمام مسلم بن الحجَّاج (١) وهو يتحدَّث عن الحفاظ، ووقوعِ الوَهَمِ منهم: «فمنهم الحافظُ المتقنُ الحِفْظِ المتوقِّي لما يلزمُ توقِّيه فيه، ومنهم المتساهِلُ الْمُشِيبُ حفظَهُ بتوهُّمٍ يتوهَّمه، أو تلقينٍ يُلَقَّنه مِنْ غيره، فيخلطُهُ بحفظه ثم لا يميِّزُهُ عن أدائه إلى غيره، ومنهم مَنْ هَمُّهُ حفظُ متونِ الأحاديث دون أسانيدها، فيتهاوَنُ بحفظِ الأثر؛ يتخرَّصُها مِنْ بُعْدٍ، فيحيلُهَا بالتوهُّمِ على قومٍ غير الذين أُدِّيَ إليه عنهم، وكلُّ ما قلنا مِنْ هذا في رواة الحديثِ ونُقَّالِ الأخبار فهو موجودٌ مستفيضٌ.
-
ومما ذكَرْتُ لك مِنْ منازلهم في الحفظ ومراتبهم فيه، فليس من ناقلِ خبرٍ وحاملِ أثرٍ من السلف الماضين إلى زماننا - وإنْ كان مِنْ أحفَظِ الناسِ وأشدِّهم توقِّيًا وإتقانًا لِمَا يَحْفَظُ ويَنْقُلُ - إلا الغلَطُ والسَّهْوُ ممكنٌ في حفظه ونقله، فكيف بِمَنْ وصفتُ لك؟!» . اهـ.