١- باب بدء الأذان
111 paragraphs · vol. 5, p. 177
Page 2 of 3
- vol. 5, p. 183
وقوله: " فأمر بلال" لا يشك أن الآمر له هو رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، كما صرح به ابن عمر في حديثه الآتي.
قال الخطأبي: الأذان شريعة من الشرائع، والأمر المضاف إلى الشريعة في زمان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يضاف إلى غيره. قال: ومن زعم ان الآمر لبلال به أبو بكر فقد غلط؛ لأن بلالاً لم يقم بالمدينة بعد موت النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وإنما لحق بالشام أيام أبي بكر. أنتهى.
-
ولقد أبطل من زعم أن أمر بلال بالأذان تأخر إلى زمن أبي بكر، وأن مدة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خلت عن أذان، وهذا لا يقوله من يعقل ما يقول.
-
ولعل هذا الزاعم إنما زعم أن أبا بكر أمر بابتار الإقامة بعد أن كانت على غير ذلك في زمن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
-
وهذا في غاية البطلان - أيضا -، وإنما يحمل عليه الهوى والتعصب، وكيف يغير أبو بكر بعد موت النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شريعته في إقامة الصلاة ويقره الناس على ذلك؟
-
والحديث صريح في أن أمر بلال بذلك كان في أول أمر الأذان، حيث كانوا يترددون فيما يحصل به إعلام الناس بوقت الصلاة، فيحنئذ أمر بلال بأن يشفع الأذان ويوتر الإقامة، لا يحتمل الكلام غير هذا المعنى. والله اعلم.
- vol. 5, p. 184
وقد خرج النسائي هذا الحديث من رواية عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر بلالاً أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة.
-
ونقل عباس الدوري، عن ابن معين، قال: لم يرفعه إلا الثقفي.
-
وقد خرجه الدارقطني من طرق أخرى مصرحاً برفعه - أيضا - كما رواه الثقفي.
- vol. 5, p. 185
٦٠٤ - ثنا محمود بن غيلان: ثنا عبد الرزاق: ثنا ابن جريج: أخبرني نافع أن ابن عمر كان يقول: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة، ليس ينادى لها، فتكلموا يوماً في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوساً مثل ناقوس النصارى. وقال بعضهم: بل بوقاً مثل قرن اليهود. فقال عمر: أولا تبعثون رجلاً منكم ينادي بالصلاة؟ فقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " يا بلال، قم فناد بالصلاة" .
-
وخرجه مسلم من طريق عبد الرزاق وحجاج، كلاهما عن ابن جريج به، بنحوه.
-
والحديث صريح في أن المسلمين اول ما قدموا المدينة ورسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - معهم لم يكونوا ينادون للصلاة، وإنما كانوا أولاً يتحينون الصلاة - يعني: يقدرون احيانها لياتوا إليها - والحين: الوقت والزمان -، ثم إنهم تشاوروا في ذلك وتكلموا فيه لما شق عليهم التحين، فربما كان منهم من يتقدم قبل الوقت، فيفوته ما كان يعمل، ومنهم من كان يتأخر فتفوته الصلاة.
-
وقد روى فليح، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى، عن معاذ، أن الناس كانوا يتحينون وقت الصلاة، فيصلون
vol. 5, p. 186بغير أذان، فإذا حضرت الصلاة فمنهم من يدرك، وأكثرهم لا يدرك، فهم النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذلك - وذكر حديث عبد الله بن زيد بطوله -، فلما أهم النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه ذلك اجتمعوا فتشاوروا في امر يعلمون به وقت الصلاة ويجتمعون عليه في المسجد.
-
وفي هذا: دليل على استحباب التشاور في مصالح الدين والاهتمام بها، فلما تشاوروا أشار بعضهم بالناقوس كفعل النصارى، وأشار بعضهم بالبوق كفعل اليهود، فقال عمر: أولا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة.
-
وهذا من إلهام عمر للحق ونطقه به، وقد كان كثيراً ما ينطق بالشيء فينزل الوحي بموافقته، وهذا مما نزل القرآن بتصويب قوله.
-
وقول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " يا بلال، قم فناد بالصلاة" يدل على ان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قبل ما أشار به عمر دون غيره.
-
وأمره - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالنداء بالصلاة، يحتمل انه أمره أن ينادي في الطرقات: " الصلاة، الصلاة" كما تقدم في الحديث الذي خرجه ابن خزيمة، ويكون
vol. 5, p. 187ذلك قبل ان يشرع الأذان. ويحتمل أنه أمره بالأذان، وهو اظهر.
-
ويحتمل أن عمر إنما أشار بذلك بعد أن رآه في منامه، ويدل عليه ما روي عن عمر، وعن ابن عمر –أيضا -:
أماالمروي عن عمر، فمن طريق سفيان بن وكيع: ابنا عبد الله بن رجاء، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عمر، قال: ائتمر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه حين قدموا المدينة: كيف يجعلون الأذان بالصلاة يجتمعون لها؟ فائتمروا بالناقوس. قال عمر: فرايت في المنام: لم تجعلون الناقوس بل أذنوا. فذهب عمر إلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ليخبره بالذي رأى، وقد جاء النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الوحي بذلك، فقال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "سبقك الوحي بذلك يا عمر" . قال: فذهبت إلى الصلاة، فإذا بلال يهتف بالأذان.
-
خرجه الإسماعيلي في " مسند عمر" .
-
وسفيان بن وكيع، فيه ضعف.
-
وهو مرسل.
-
وخرجه ابو داود في " المراسيل" : ثنا أحمد بن إبراهيم: ثنا حجاج، عن ابن جريج: أخبرني عطاء، أنه سمع عبيد بن عمير يقول: ائتمر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هو وأصحابه، كيف يجعلون شيئاً إذا أرادوا جمع الصلاة اجتمعوا لها [به] ، فائتمروا بالناقوس، فبينما عمر يريد أن يبتاع خشبتين لناقوس إذ رأى عمر في المنام أن لا تجعلوا الناقوس، بل أذنوا بالصلاة، فذهب عمر إلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ليخبره بالذي رأى، وقد جاء الوحي بذلك، فما راع عمر إلا بلال يؤذن، فقال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " سبقك بذلك الوحي" ، حين
vol. 5, p. 188أخبره عمر بذلك.
-
وقد روى مالك في " الموطا" عن يحيى بن سعيد، قال: كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد أراد أن يتخذ خشبتين يضربهما ليجمع الناس للصلاة، فأري عبد الله بن زيد خشبتين في النوم، فقال: إن هاتين الخشبتين لنحو مما يريده رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقيل: ألا تؤذنون للصلاة، فأتى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حين استيقظ، فذكر ذلك له، فأمر رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [بالآذان] .
-
وأماالمروي عن ابن عمر، فمن طريق عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: إن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - استشار الناس لما يهمهم للصلاة، فذكروا البوق، فكرهه من أجل اليهود. ثم ذكروا الناقوس، فكرهه من أجل النصارى، فأري النداء تلك الليلة رجل من الأنصار - يقال له: عبد الله ابن زيد - وعمر بن الخطاب، فطرق الانصاري رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [ليلاً، فأمر رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] بلالاً فاذن به.
قال الزهري: وزاد بلال في نداء الغداة: " الصلاة خير من النوم" - مرتين -، فأقرها رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
قال عمر: يا رسول الله؛ قد رأيت مثل الذي رأى، ولكنه سبقني.
-
خرجه ابن ماجه.
- vol. 5, p. 189
وخرجه ابن سعد من طريق مسلم بن خالد: حدثني عبد الرحيم بن عمر، عن ابن شهاب - بإسناده، ومعناه.
-
وفي كون هذا الحديث محفوظاً عن الزهري بهذا الإسناد نظر؛ فإن المعروف: رواية الزهري، عن ابن المسيب - مرسلاً.
-
وروي عن الزهري، عن ابن المسيب، عن عبد الله بن زيد.
-
وحديث عبد الله بن زيد، قد روي من وجوه:
أحدها: رواية ابن إسحاق: حدثني محمد بن إبراهيم التيمي، عن محمد بن عبد الله بن زيد، عن أبيه - بسياق مطول -، وفيه: أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما امر بعمل الناقوس طاف بعبد الله وهو نائم رجل يحمل ناقوساً، فقال له: يا عبد الله، أتبيع الناقوس؟ قال: فما تصنع به؟ قال: ندعوا به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على خير من ذلك؟ قال: بلى، قال: تقول:
" الله أكبر" ، فعلمه الأذان مثنى مثنى، والإقامة مرة مرة. فما اصبح اتى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأخبره، فقال له: " الرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت؛ فإنه أندى صوتاً منك" . قال: فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه، وبلال يؤذن به. قال: فسمع ذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته، فخرج يجر رداءه، ويقول: والذي بعثك بالحق يا رسول الله، لقد رأيت مثل ما رأى. فقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " فلله الحمد" .
-
خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي، وصححه، وابن خريمة وابن حبان في " صحيحهما" .
-
وحكى البيهقي أن الترمذي حكى في " علله" عن البخاري، أنه قال: هو عندي صحيح.
- vol. 5, p. 190
وبه استدل الإمام أحمد، وعليه اعتمد.
وقال الخطأبي: قد روي هذا الحديث والقصة باسانيد مختلفة، وهذا الإسناد أصحها.
-
وحكى ابن خزيمة عن محمد بن يحيى الذهلي، أنه قال: ليس في أخبار عبد الله بن زيد في قصة الأذان خبر اصح من هذا؛ لأن محمد بن عبد الله سمعه من أبيه.
قال ابن خزيمة: خبر ابن إسحاق ثابت صحيح؛ لأن محمد بن عبد الله بن زيد سمعه من أبيه، وابن إسحاق سمعه من التيمي.
- vol. 5, p. 191
كذا قال؛ وقد توقف البخاري في " تاريخه" في سماع محمد بن عبد الله ابن زيد من أبيه، فقال: عبد الله بن محمد بن عبد الله بن زيد، عن أبيه، عن جده، لم يذكر سماع بعضهم من بعض.
قال الحاكم: إنما ترك الشيخان حديث عبد الله بن زيد بهذا الإسناد؛ لتقدم موت عبد الله بن زيد، فقد قيل: إنه [استشهد بأحد] . وقيل: بعد ذلك بيسير. انتهى.
-
وعلى هذا؛ فجميع الروايات عنه مرسلة.
-
وخرج أبو داود من حديث أبي عمير بن أنس، عن عمومة له من الأنصار، قالوا: اهتم النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للصلاة كيف يجمع لها الناس؟ فقيل له: انصب راية عند حضور الصلاة، فإذا رأوها أخبر بعضهم بعضاً، فلم يعجبه - وذكر الحديث بطوله، ورؤيا عبد الله بن زيد الأذان في منامه - قال: وكان عمر ابن الخطاب قد رآه قبل ذلك، فكتمه عشرين يوماً - وذكر بقية الحديث.
-
وخرج – أيضا - من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت
vol. 5, p. 192ابن أبي ليلى يقول: ثنا أصحابنا، أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لقد أعجبني ان تكون صلاة المسلمين واحدة، حتى لقد هممت أن أبث رجالاً في الدور، ينادون الناس بحين الصلاة، وحتى هممت أن آمر رجالاً يقومون على الآكام، ينادون المسلمين بحين الصلاة. قال: فجاء رجل من الانصار، فقال: يا رسول الله، إني لما رجعت لما رأيت من اهتمامك رأيت رجلا كان عليه ثوبان أخضران، فقام على المسجد فأذن، ثم قعد قعدةً، ثم قام فقال مثلها، إلا أنه يقول: " قد قامت الصلاة" ، ولولا أن يقولوا لقلت إني كنت يقظاناً غير نائم. فقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لقد أراد الله خيراً، فمر بلالاً فيؤذن" . قال: فقال عمر: إني قد رأيت مثل ما رأى، ولكني لما سبقت استحييت.
-
وخرجه - أيضا - من طريق المسعودي، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى، عن معاذ - فذكره.
-
ورواه حصين وغيره، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى، عن عبد الله ابن زيد.
-
وابن أبي ليلى، لم يسمع من معاذ، ولا من عبد الله بن زيد، فروايته عنهما منقطعة.
-
ورواية شعبة أصح.