٨٢ - باب إيجاب التكبير وافتتاح الصلاة
108 paragraphs · vol. 6, p. 306
Page 2 of 3
- vol. 6, p. 312
ولعله أراد: أنه يكتفي بتكبيره إذا قام إلى القضاء، فلا يكونُ قبل ذَلِكَ قد دخل في الصلاة
وقريبٌ من هذا: أنه قد روي عن طائفة من السلف، أن من نسى تكبيرة الافتتاح في الصلاة، فإنه تجزئه تكبيرة الركوع، روي هذا عن سعيد بن المسيب والحسن والزهري وقتادة والحكم والأوزاعي، وهو رواية عن حماد بن أبي سليمان، حكاه ابن المنذر وغيره.
-
وروي عن الزهري، أنه قالَ: يسجد للسهو إذا سها.
-
وهذا يحتاج إلى تحقيق ونظر في مأخذ ذَلِكَ.
-
وظاهر ما حكاه ابن المنذر عن هؤلاء: أنهم رأوا تكبيرة الركوع تقوم مقام تكبيرة الافتتاح في انعقاد الصلاة بها، وهو ظاهر كلامهم – أيضاً -، حيث قالوا تجزئة تكبيرة الركوع، وتنعقد بها الصلاة. وقال بكر المزني: يكبر إذا ذكر.
-
وظاهر كلامهم: أنه عامٌ في حق الإمام والمأموم والمنفرد، وقد روي عن الحكم صريحاً في الإمام، فأما في حق الإمام والمنفرد، فيحتمل وجهين:
أحدهما: أن تكون الصلاة انعقدت بمجرد النية، كما روي عن
vol. 6, p. 313الزهري.
-
والثاني: أن تكون الصلاة إنما انعقدت بتكبيرة الركوع، وتكون القراءةُ ساقطةً عنهما في هذه الركعة، بناء على أن القراءة لا تجب في جميع الركعات وهذا هوَ الذي يتبادر فهمهُ من كلامهم.
-
وهو قول سفيان الثوري، ذكره أصحابه في كتبهم، لكنه يشترط: أن ينوي بتكبيرته عندَ الركوع تكبيرة الإحرام، كما سيأتي قوله في ذَلِكَ.
-
وأما قول بكر المزني: ((يكبر إذا ذكر) ) ، فإن أراد ما يركع، فهوَ يرجع إلى ما ذكرنا، وإن كانَ مراده أعمَّ من ذَلِكَ، فلا يرجع إلا إلى أنَّ الصلاة يدخل فيهِا بمجرد النيةِ – أيضاً – إلا أن يكون أراد أنه يكبر متى ذكر، ويستأنف الصلاة من حينئذ.
-
وأما في حق المأموم، فقد وافق من تقدم ذكرهُ على قولهم يجزئه تكبيرة الركوع، مالك وأحمد – في رواية عنهما.
-
فذكر مالك في ((الموطأ) ) في الإمام والمنفرد أنهما إذا نسيا تكبيرة الإحرام يبتدئان الصلاة. وفي المأموم نسي تكبيرة الإحرام وكبر للركوع: رأيت ذَلِكَ مجزئاً عنه.
قالَ ابن عبد البر: قالَ الزهري والأوزاعي وطائفةٌ: تكبيرة الإحرام يبتدئان الصلاة. وفي المأموم إذا نسي تكبيرة الإحرام وكبر للركوع: رأيت ذَلِكَ مجزئاً عنه.
قالَ ابن عبد البر: قالَ الزهري والأوزاعي وطائفة: تكبيرة الإحرام ليست بواجبة.
-
وقد روي عن مالك في المأموم ما يدل على هذا القول، ولم يختلف قوله في الإمام والمنفرد: أن تكبيرة الإحرام واجبة على كل واحدٍ منهما.
- vol. 6, p. 314
والصحيح من مذهبه: إيجاب تكبيرة الإحرام، وأنها فرضٌ ركنٌ من أركان الصلاة.
قلت: يمكن أن يحمل ما نقل عن السلف، أو عن بعضهم في المأموم خاصةً، وكذلك حكاه عنهم ابن عبد البر في المأموم خاصةً، وهذا أشبه وأظهر.
-
ويدل عليهِ: ما خرجه حربٌ بإسناده، عن خليد، عن الحسن وقتادة قالا: إن نسيت تكبيرة الاستفتاح وكبرت للركوع وأنت مع الإمام فقد مضت صلاتك.
-
وبإسناده، عن الوليد بن مسلم: قالَ أبو عمرو – يعني: الأوزاعي – فيمن نسي تكبيرة الاستفتاح: إن كانَ وحده استأنف الصلاة، وأن كانَ مع الإمام أجزأته تكبيرة الركوع، وكان كمن أدرك ركعة الإمام فكبر تكبيرة، وأمكن كفيه من ركبتيه، ورفع الإمام رأسه فقد أجزأتهُ تلك الركعة.
قالَ الوليد: فقلت لأبي عمرو: فإن نسي تكبيرة الافتتاح وتكبيرة الركوع؟ فأخبرني، أن ابن شهاب قالَ: يضيف إلى صلاته ركعةً، ولا يعتدُّ بتلك الركعة التي لم يكبِّر لها.
وقال أبو عمرٍو: وإذا كانَ وحده، فنسي الأولى والآخرة أعاد الصلاة وإذا كانَ مع الإمام أضاف إلى صلاته ركعةً أخرى.
-
فقد فرق الأوزاعي بين المنفرد والمأموم، وأما الزهري فلم يفرق.
- والتفريق بينهما لهُ مأخذان:
- vol. 6, p. 315
أحدهما: أن الإمام يتحمل عن المأموم التكبير، كما يتحمل عنه القراءة، وقد صرح بهذا المأخذ الإمام أحمد.
قالَ حنبل: سألت أبا عبد الله عن قول: إذا سها المأموم عن تكبيرة الافتتاح وكبر للركوع رأيت ذَلِكَ مجزئاً عنه؟ فقالَ أبو عبد الله: يجزئه إن كانَ ساهياً؛ لأن صلاة الإمام لهُ صلاةٌ.
-
فصرح بالمأخذ، وهو تحملُ الإمام عنه تكبيرة الإحرام في حال السهو.
-
ذكر هذه الرواية أبو بكر عبد العزيز في ((كتاب الشافي) ) ، وهذه رواية غريبة عن أحمد، لم يذكرها الأصحاب.
-
والمذهب عندهم: أنه لا يجزئه، كما لا يجزئ الإمام والمنفرد، وقد نقله غير واحد عن أحمد.
-
ونقل إسماعيل بن سعيد، عن أحمد فيمن ترك تكبيرة الافتتاح في الصلاة؟ قالَ: إن تركها عمداً لم تجزئه صلاته.
-
ومفهومه: أنه إن تركها سهواً أجزأته صلاته.
-
وينبغي حمل ذَلِكَ على المأموم خاصةً، كما نقله حنبل.
-
وهذا المأخذ هوَ مأخذ من فرق بين الإمام والمأموم والمنفرد، كالأوزاعي؛ ولهذا طرد قوله في المأموم ينسى تكبيرة الافتتاح مع تكبيرة الركوع، وقال: إن صلاته جائزة، ويقضي ركعةً.
-
ولو كانَ مأخذه: أن
vol. 6, p. 316صلاته انعقدت بالتكبيرة في الركعة الثانية، لم يكن بين الإمام والمأموم فرقٌ.
- وهو – أيضاً – مأخذ مالك وأصحابه:
-
وفي ((تهذيب المدونة) ) : وإن ذكر مأموم أنه نسي تكبيرة الإحرام، فإن كانَ كبر للركوع ونوى بها تكبيرة الإحرام أجزأه، فإن كبرها ولم ينو بها ذَلِكَ تمادى مع الإمام، وأعاد صلاته احتياطاً؛ لأنه لا يجزئه عندَ ربيعة، ويجزئه عندَ ابن المسيب، وإن لَم يكبر للركوع ولا للافتتاح حتى ركع الإمام ركعةً ركعها معه، وابتدأ التكبير، وكان الآن داخلاً في الصلاة، ويقضي ركعةً بعد سلام الإمام، ولو كانَ وحده ابتدأ متى ذكر، قبل ركعةً أو بعد ركعةٍ، نوى بتكبيره الركوع الإحرام أم لا، وكذلك الإمام لا يجزئه إن نوى بتكبيرة الإحرام الركوع، فأن فعل أعاد هوَ ومن خلفه. انتهى.
-
وهذا التفريق، إنما هوَ لتحمل الإمام القراءة.
-
وما ذكر مِن أن المسبوق إن لَم ينو بتكبيرته عند الركوع الإحرام يتمادى معَ
الإمام، ويعيد صلاته احتياطاً، مخالف لما نص عليهِ مالك في ((الموطأ) ) : أنَّهُ تجزئه صلاته إذا سها عَن تكبيرة الافتتاح.
-
ولكن في بعض رواية ((الموطأ) ) عَن مالك، أنه اشترط في هَذا الموضع: نية الافتتاح - أيضاً.
-
وذكر ابن عبد البر: أن أصحاب مالك اضطربوا في هَذهِ المسألة اضطراباً عظيماً، ونقضوا أصلهم في وجوب تكبيرة الإحرام في حق المأموم؛ لأجل الاختلاف فيهِ.
-
وقد قالَ مالك في ((الموطأ) ) : إن المأموم إذا نسي تكبيرة الإحرام وتكبيرة الركوع وكبرَّ في الثانية، أنَّهُ يبتدئ صلاته أحبُّ إليَّ.
- vol. 6, p. 317
فظاهر هَذا: أنه لَم يوجب عليهِ الإعادة للاختلاف في تحمل الإمام عَنهُ التكبير، وهذا يدل على أنه رأى الاختلاف في حق المأموم خاصةً؛ فإنه قالَ في المنفرد: يعيد صلاته جزماً.
-
والمأخذ الثاني: وقد بنى ما روى عَن السلف عليهِ طائفة مِن العلماء، مِنهُم: عباس العنبري، وَهوَ: أن المأموم إذا أدرك الإمام في الركوع فكبر تكبيرة واحدةً، فإنه تجزئهُ وتنعقد صلاته عند جمهور العلماء، وفيه خلاف عَن ابن سيرين وحماد بنِ أبي سليمان.
-
وحكاه بعض أصحابنا روايةً عَن أحمد أنه لا يصح حتى يكبر تكبيرتين، ولا يصح هَذا عَن أحمد.
-
فعلى قول الجمهور: إذا كبر تكبيرةً واحدةً، فله أربعةُ أحوال:
إحداها: أن ينوي بها تكبيرة الافتتاح، فتجزئه صلاته بغير توقف.
-
الحالة الثانية: أن ينوي تكبيرة الركوع خاصةً، فلا تجزئه عند الأكثرين -: قاله الثوري ومالك.
-
ونص عليهِ أحمد في رواية أبي الحارث، واحتج بأن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قالَ: ((تحريمها
التكبير)) . وهذا لَم يحرم بالصلاة.
-
فإن كانَ ساهياً عَن تكبيرة الإحرام، فقالَ مالك في ((الموطأ) ) : تجزئه.
-
وَهوَ رواية حنبل عَن أحمد.