٢٩-باب غسل ما يصيب من فرج المرأة
101 paragraphs · vol. 1, p. 373
Page 2 of 3
- vol. 1, p. 380
وقد ذكر الشَافِعي: أنَّهُ اتفق هوَ ومن ناظره في هَذهِ المسألة على أن هَذا أقوى مما يستدل بهِ عليها.
-
ويدل على رجوع أبي وغيره مِن الأنصار: ما روى الزهري، عَن سهل بنِ
سعد، عَن أبي بنِ كعب، قالَ: إنما كانَ الماء مِن الماء رخصة في أول الإسلام، ثُمَّ نهي عنها.
-
خرجه الترمذي، وقال: حسن صحيح، وخرجه ابن ماجه مختصراً.
-
وخرجه الإمام أحمد ولفظه: إن الفتيا التي كانوا يقولون: الماء مِن الماء، رخصة كانَ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رخص بها في أول الإسلام، ثُمَّ أمرنا بالغسل بعد.
-
وخرجه ابن خزيمة في ((صحيحه) ) مِن طريق معمر، عَن الزهري، قالَ:
أخبرني سهل بنِ سعد، قالَ: إنما كانَ قول الأنصار: الماء مِن الماء رخصة في
vol. 1, p. 381أول الإسلام، ثُمَّ أمرنا بالغسل.
-
ولم يذكر في إسناده: ((أبياً) ) ، وصرح فيهِ بسماع الزهري.
-
وقيل: إنه وهم في ذَلِكَ؛ فإن الزهري لَم يسمعه مِن سهل، فَقد خرجه أبو داود وابن خزيمة - أيضاً - مِن طريق عمرو بن الحارث، عَن الزهري، قالَ: حدثني بعض مِن أرضى، عَن سهل، عَن أبي - فذكره.
-
ورجح هَذهِ الرواية: الإمام أحمد والدارقطني وغيرهما.
-
ورجح آخرون: سماع الزهري لهُ من سهل، مِنهُم: ابن حبان.
-
ووقع في بعض نسخ ((سنن أبي داود) ) ما يدل عليهِ؛ فإنه لم يذكر أحد مِن أصحاب الزهري بين الزهري وسهل رجلاً [غير] عمرو بنِ الحارث، فلا يقضي لَهُ على سائر أصحاب الزهري.
- vol. 1, p. 382
وقد خرجه ابن شاهين مِن طريق ابن المبارك، عَن يونس، عَن الزهري، قالَ: حدثني سهل بنِ سعد، عَن أبي بنِ كعب - فذكره، بهِ.
-
وبتقدير أن يكون ذَلِكَ محفوظاً؛ فَقد اخبر الزهري أن هَذا الذِي حدثه يرضاه، وتوثيق الزهري كاف في قبول خبره.
-
وقد قيل: أنَّهُ أبو حازم الزاهد، وَهوَ ثقة جليل، فقد خرج أبو داود وابن خزيمة مِن رواية أبي غسان محمد بنِ مطرف، عَن أبي حازم، عَن سهل بنِ سعد، قالَ: حدثني أبي بن كعب - فذكره.
قالَ البيهقي: هَذا إسناد صحيح موصول.
-
وقد ذكر ابن أبي حاتم، عَن أبيه، أن بعضهم ذكر أنه لا يعرف لَهُ أصلاً.
-
وفي ذَلِكَ نظر.
-
وقد روي عَن أبي بنِ كعب مِن وجوه أخر:
روى شعبة، عَن سيف بنِ وهب، عَن أبي حرب بنِ أبي الأسود، عَن عميرة بنِ يثربي، عَن أبي كعب، قالَ إذا التقى ملتقاهما فَقد وجب الغسل.
-
خرجه ابن أبي شيبة والبخاري في ((تاريخه) ) .
- vol. 1, p. 383
وروى مالك، عَن يحيى بنِ سعيد، عَن عبد الله بنِ كعب مولى عثمان، أن محمود بنِ لبيد سأل زيد بنِ ثابت عَن الرجل يصيب أهله ثُمَّ يكسل ولا ينزل؟ فقالَ: زيد يغتسل، فقالَ لَهُ محمود بن لبيد: إن أبي بن كعب - كانَ لا يرى الغسل؟ فقالَ لَهُ زيد: إن أبياً نزع عَن ذَلِكَ قبل أن يموت.
وقال الشَافِعي: أنا إبراهيم بن محمد، عَن خارجة بن زيد، عَن أبيه، عَن أبي بن كعب، أنَّهُ كانَ يقول: ليسَ على مِن لَم ينزل غسل، ثُمَّ نزع عَن ذَلِكَ أبي قبل أن يموت.
-
وقد روي، عَن عائشة ما يدل على النسخ: مِن رواية الحسين بنِ عمران: حدثني الزهري، قالَ: سألت عروة عَن الذِي يجامع ولا ينزل؟ قالَ: نول الناس أن يأخذوا بالآخر مِن أمر رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، حدثتني عائشة، أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كانَ يفعل ذَلِكَ ولا يغتسل، وذلك قبل فتح مكة، ثُمَّ اغتسل بعد ذَلِكَ، وأمر الناس بالغسل.
-
خرجه ابن حبان في ((صحيحه) ) والدارقطني.
-
والحسين بنِ عمران، ذكره ابن حبان في ((ثقاته) ) ، وقال الدارقطني: لا بأس بهِ، وقال البخاري: لا يتابع على حديثه.
وقال العقيلي بعد تخريجه لهذا الحديث: الحديث ثابت عَن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الغسل لالتقاء
vol. 1, p. 384الختانين، ولا يحفظ هذا اللفظ إلا في هَذا الحديث.
-
والقول بأن ((الماء مِن الماء) ) نسخ بالأمر بالغسل مِن التقاء الختانين هوَ المشهور عند العلماء مِن الفقهاء والمحدثين، وقد قرره الشافعي، وأحمد، ومسلم بنِ الحجاج، والترمذي، وأبو حاتم الرازي وغيرهم مِن الأئمة.
-
وقد روي معنى ذَلِكَ عَن سعيد بنِ المسيب وغيره مِن السلف.
-
وقد قيل: إن ((الماء مِن الماء) ) إنما كانَ في الاحتلام.
-
وقد روي عَن ابن عباس هَذا التأويل.
-
خرجه الترمذي مِن وجه فيهِ مقال.
-
وروي - أيضاً - عَن عكرمة، وذهب إليه طائفة.
-
وهذا التأويل إن احتمل في قولُهُ: ((الماء مِن الماء) ) فلا يحتمل في قولُهُ: ((إذا أعجلت - أو أقحطت - فلا غسل عليك) ) ، وفي قولُهُ: ((يغسل ما مس المرأة منهُ، ويتوضأ، ويصلي) ) .
وقال طائفة مِن العلماء: لما اختلفت الأحاديث في هَذا وجب الأخذ بأحاديث الغسل مِن التقاء الختانين، لما فيها مِن الزيادة التي لَم يثبت لها معارض، ولم تبرأ الذمة بدون الاغتسال؛ لأنه قَد تحقق أن التقاء الختانين موجب لطهارة،
vol. 1, p. 385ووقع التردد: هل يكفي الوضوء أو لا يكفي دونَ غسل البدن كله؟ فوجب الأخذ بالغسل؛ لأنه لا يتيقن براءة الذمة بدونه.
-
وهذا معنى قول البخاري: الغسل أحوط.
-
ولذلك قالَ أحمد - في رواية ابن القاسم -: الأمر عندي في الجماع أن آخذ بالاحتياط فيهِ، ولا أقول: الماء مِن الماء.
-
وسلك بعضهم مسلكاً أخر، وَهوَ: أن المجماع وإن لَم ينزل يسمى جنباً ومجامعاً وواطئاً، ويترتب جميع أحكام الوطء عليهِ، والغسل مِن جملة الأحكام.
-
وهذا معنى قول مِن قالَ مِن السلف: أنوجب المهر والحد ولا نوجب الغسل؟
-
وهذا القول هوَ الذِي استقر عليهِ عمل المسلمين.
-
وقد خالف فيهِ شرذمة مِن المتقدمين، مِنهُم: أبو سلمة، وعروة، وهشام ابن عروة، والأعمش، وابن عيينة، وحكي عَن الزهري وداود.
وقال ابن عبد البر: اختلف أصحاب داود في هَذهِ المسألة.
وقال ابن المنذر: لا أعلم اليوم بين أهل العلم في ذَلِكَ اختلافاً.
-
وذهب إليه طائفة مِن أهل الحديث، مِنهُم: بقي بنِ مخلد الأندلسي، وقد نسبه بعضهم إلى البخاري وليس في كلامه ما يصرح بهِ، وحكاه الشَافِعي عَن بعض أهل الحديث مِن أهل ناحيتهم وغيرهم، وذكر مناظرته لَهُم.
-
وقد كانَ بعض الناس قي زمن الإمام أحمد ينسب ذَلِكَ إليه، فكان
vol. 1, p. 386أحمد ينكر ذَلِكَ، ويقول: ما أحفظ أني قلت بهِ قط، وقيل لَهُ: بلغنا أنك تقوله؟ فقالَ: الله المستعان، وقال - أيضاً -: مِن يكذب علي في هَذا أكثر مِن ذاك.
-
وأحمد مِن أبعد الناس عَن هَذهِ المقالة، فظاهر كلامه يدل على أن الخلاف فيها غير سائغ، فإنه نص على أنَّهُ لو فعل ذَلِكَ مرة أنَّهُ يعيد الصلاة التي صلاها بغير غسل مِن التقاء الختانين، ونص على أنَّهُ لا يصلى خلف مِن يقول: ((الماء مِن الماء) ) ، معَ قولُهُ: إنه يصلي خلف مِن يحتجم ولا يتوضأ، ومن يمس ذكره ولا يتوضأ متأولاً، فدل على أن القول بأن ((الماء مِن الماء) ) لا مساغ للخلاف فيهِ.
-
وكذلك ذكر ابن أبي موسى وغيره مِن الأصحاب.
-
وحمل أبو بكر عبد العزيز كلام أحمد على أنه لَم يكن متأولاً، وهذا لا يصح؛ لأن القول بأن ((الماء مِن الماء) ) لا يكون بغير تأويل. والله أعلم.
-
وقد سبق عَن عمر، أنَّهُ قالَ: لا أوتى بأحد فعله إلا أنهكته عقوبة.