١٥٥-باب الذكر بعد الصلاة

163 paragraphs · vol. 7, p. 395

Page 2 of 5

  1. فأما الحديث الذي خَّرجه مسلمٌ وغيره، عن البراء بن عازبٍ، قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أحببنا أن نكون عن يمينه؛ ليقبل علينا بوجهه.

    قال: فسمعته يقول: ((رب قني عذابك يوم تبعث عبادك) ) .

    vol. 7, p. 403
  2. فهذا ليس فيه أنه كان يجهر بذلك حتى يسمعه الناس، إنما فيه كان يقوله بينه وبين نفسه، وكان يسمعه منه –احيانا – جليسه، كما كان يسمع منه من خلفه الآية أحياناً في صلاة النهار.

  3. وروى هلال بن يسافٍ، عن زاذان: نا رجل من الأنصار، قال: سمعت

    رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول في دبر الصلاة: ((اللهم، اغفر لي، وتب عليَّ، إنك أنت التواب الغفور) ) –مائة مرةٍ.

    vol. 7, p. 404
  4. خرّجه ابن أبي شيبة، وعنه بقي بن مخلدٍ في ((مسنده) ) .

  5. الحديث الثاني:

    ٨٤٣ -

    vol. 7, p. 404حدثنا محمد بن أبي بكر: ثنا المعتمر، عن عبيد الله، عن سمىً، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: جاء الفقراء إلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقالوا: ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجات العلى والنعيم المقيم، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضلٌ من أموال يحجون بها ويعتمرون، ويجاهدون ويتصدقون، قال: ((ألا أحدثكم بما إن أخذتم به أدركتم من سبقكم، ولم يدركم أحدٌ بعدكم، وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيهم، إلا من عمل مثله، تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثاً وثلاثين) ) .

  6. فاختلفنا بيننا، فقال بعضنا: نسبح ثلاثاً وثلاثين، ونحمد ثلاثاً وثلاثين،

    vol. 7, p. 405ونكبر أربعاً وثلاثين. فرجعت إليه، فقال: تقول: سبحان الله، والحمد لله، والله اكبر، حتى يكون منهنكلهن ثلاثٌ وثلاثون.

  7. ذكر الخطابي: أن لفظ هذه الرواية: ((ذهب أهل الدور) ) ، وقال: والصواب ((الدثور) ) .

  8. وذكر غيره: أن هذه رواية المرزوي، وأنها تصحيفٌ، والرواية المشهورة: ((أهل الدثور) ) على الصواب.

  9. و ((الدثور) ) : جمع دثرٍ، بفتح الدال، وهو: المال الكثير.

  10. وفي الحديث: دليل على قوة رغبة الصحابة –رضي الله عنهم - في الأعمال الصالحة الموجبة للدرجات العلى والنعيم المقيم، فكانوا يحزنون على العجز عن شيءٍ مما يقدر عليه غيرهم من ذلك.

  11. وقد وصفهم الله في كتابه بذلك، بقوله: {وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَاّ يَجِدُوا مَا

    يُنفِقُونَ} [التوبة:٩٢] .

  12. ولهذا قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((لا حسد إلا في اثنين) ) ، فذكر منهما: ((رجل آتاه الله مالاً، فهو ينفقه في وجهه، فيقول رجل: لو أن لي مالاً، لفعلت فيه كما فعل ذلك) ) .

  13. فلذلك كان الفقراء إذا رأوا أصحاب الأموال

    vol. 7, p. 406يحجون ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون وينفقون حزنوا على عجزهم عن ذلك، وتأسفوا على امتناعهم من مشاركتهم فيه، وشكوا ذلك إلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فدلهم النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على عمل، إن أخذوا به أدركوا من سبقهم، ولميدركهم أحدٌ بعدهم، وكانوا خير من هم بين ظهرانيهم، إلا من عمل مثله، وهو التسبيح والتحميد والتكبير خلف كل صلاة ثلاثاً وثلاثين.

  14. وهذا يدل على أن الذكر أفضل ألاعمال، وأنه أفضل من الجهاد والصدقة والعتق وغير ذلك.

  15. وقد روي هذا المعنى صريحاً عن جماعةٍ كثيرةٍ من الصحابة، منهم: أبو الدرداء ومعاذ وغيرهما.

  16. وروي مرفوعاً من وجوهٍ متعددةٍ –أيضاً.

  17. ولا يعارض هذا حديث الذي سأل النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عما يعدل الجهاد، فقال: ((هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم ولا تفطر، وتقوم فلا تفتر) ) –الحديث المشهور، لأن هذا السائل سأل عن عمل يعمله في مدة جهاد المجاهد من حين خروجه من بيته إلى

    قدومه. فليس يعدل ذلك شيء غير ما ذكره، والفقراءُ دلهم النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على عمل يستصحبونه في مدة عمرهم،

    vol. 7, p. 407وهو ذكر الله الكثير في أدبار الصلوات، وهذا أفضل من جهاد يقع في بعض الأحيان، ينفق صاحبه فيه ماله.

  18. فالناس منقسمون ثلاثة أقسامٍ، أهل ذكر يدومون عليه إلى أنقضاء أجلهم، وأهل جهادٍ يجاهدون وليس لهم مثل ذلك الذكر. فالأولون أفضل من هؤلاء.

  19. وقومٌ يجمعون بين الذكر والجهاد، فهؤلاء أفضل الناس.

  20. ولهذا لما سمع الأغنياء الذين كانوا يحجون ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون بما علم النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الفقراء من ذلك عملوا به، فصاروا أفضل من الفقراء حينئذ؛ ولهذا لما يألوا النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن ذلك، قال: ((ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) ) .

  21. ومن زعم من الصوفية أنه أراد أن الفقر فضل الله، فقد اخطأ، وقال ما لا يعلم.

  22. وقد دَّل الحديث على فضل التسبيح والتحميد والتكبير خلف كل صلاةٍ ثلاثاً وثلاثين.

  23. وخرّجه مسلمٌ من طريق بن عجلان، عن سميٍ، وذكر فيه: أن المختلفين هم سميٌ وبعض أهله، وان القائل له هو أبوه أبو صالحٍ

    vol. 7, p. 408السمان، وأن ابن عجلان قال: حدثت بهذا الحديث رجاء بن حيوة، فحدثني بمثله عن أبي صالحٍ.

  24. وخرّجه البخاري في أواخر كتابه ((الصحيح) ) –أيضاً - من طريق ورقاء، عن سمي بهذا الإسناد، بنحوه، ولكن قال فيه: ((تسحبون في دبر كل صلاةٍ عشراً، وتحمدون عشراً، وتكبرون عشراً) ) .

    وقال: تابعه عبيد الله بن عمر، عن سمي. قال: ورواه ابن عجلان عن سميَ ورجاء بنحيوة. ورواه جريرٌ، عن عبد العزيز بن رفيعٍ، عن أبي صالحٍ، عن أبي الدرداء. ورواه سهيلٌ، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. انتهى.

  25. ومراده: المتابعة على إسناده.

  26. ورواية عبيد الله بن عمر، هي التي خرجها في هذا الباب.

  27. ورواية ابن عجلان، هي التي خرجها مسلمٌ، كما ذكرناه.

  28. ورواية سهيلٍ، خرجها مسلمٌ –أيضاً - بمثل حديث ابن عجلانٍ، عن سمي، وزاد في الحديث: يقول سهيلٌ: إحدى عشرة إحدى عشرة، فجميع ذلك كله ثلاثةٌ وثلاثون.

  29. وأما رواية جريرٍ التي أشار إليها البخاري، قوله: عن أبي صالحٍ، عن أبي

    الدرداء، فقد تابعه عليها – أيضاً – أبو الأحوص سلام بن

    vol. 7, p. 409سليمٍ، عن عبد العزيز.

  30. والظاهر: أنه وهمٌ، فإن أبا صالحٍ إنما يرويه عن أبي هريرة، لا عن أبي الدرداء، كما رواه عنه سمي وسهيلٌ ورجاء ابن حيوة.

  31. وإنما رواه عبد العزيز بن رفيعٍ، عن أبي عمر الصيني، عن أبي الدرداء، كذلك رواه الثوري، عن عبد العزيز، وهو أصح -: قاله أبو زرعة، والدارقطني.

  32. وأما ألفاظ الحديث، فهي مختلفةٌ:

    ففي رواية عبيد الله بن عمر التي خرجها البخاري هاهنا: ((تسبحون وتحمدون وتكبرون ثلاثاً وثلاثين) ) ، وفسره بأنه يقول: ((سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر) ) حتى يكون منهن كلهن ثلاثاً وثلاثين.

  33. وقد تبين أن المفسر لذلك هو أبو صالح، وهذا يحتمل أمرين:

    أحدهما: أنه يجمع بين هذه الكلمات الثلاث، فيقولها ثلاثاً وثلاثين مرةً، فيكون مجموع ذلك تسعاً وتسعين.

  34. والثاني: أنه يقولها إحدى عشرة مرةً، فيكون مجموع ذلك ثلاثاً وثلاثين.

  35. وهذا هو الذي فهمه سهيلٌ، وفسر الحديث به، وهو ظاهر رواية سمي، عن أبي صالحٍ – أيضاً.

  36. ولكن؛ قد روي حديث أبي هريرة من غير هذا الوجه صريحاً بالمعنى الأول:

    فخرج مسلمٌ من حديث سهيل، عن أبي عبيد المذحجي –وهو: مولى سليمان بن عبد الملك وحاجبه -، وعن عطاء بن يزيد، عن أبي هريرة، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: ((من سبح في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وحمد الله ثلاثاً وثلاثين، وكبر الله ثلاثاً وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، غفرت خطاياه، وإن كانت مثل زبد البحر) ) .

    vol. 7, p. 410
  37. وقد روي عن سهيل بهذا الإسناد –موقوفاً على أبي هريرة.

  38. وكذا رواه مالك في ((الموطإ) ) عن أبي عبيدٍ –موقوفاً.

  39. وخرّجه ابن حبان في ((صحيحه) ) من طريق مالكٍ –مرفوعاً.

  40. والموقوف عن مالكٍ أصح.