٢-باب فضل الغسل يوم الجمعة
81 paragraphs · vol. 8, p. 73
Page 2 of 3
- vol. 8, p. 78
وقد استدل –أيضاً - بذلك الشافعي وغيره على أنه غير واجب؛ لأنه لو كان واجباً لأمروه بالخروج له.
-
وأجاب بعضهم عن ذلك: بأنهم قد يكونوا خافوا عليه فوات الصلاة لضيق الوقت.
-
وأكثر العلماء على أنه يستحب، وليس بواجب.
-
وذكر الترمذي في ((كتابه) ) أن العمل على ذلك عند أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم.
-
وهذا الكلام يقتضي حكاية الإجماع على ذلك.
-
وقد حكي عن عمر وعثمان، ومستند من حكاه عنهما: قصة عمر مع الداخل إلى المسجد؛ فإنه قد وقع في روايةٍ أنه كان عثمان، وسنذكرها –إن شاء الله تعالى.
-
وممن قال: هو سنة: ابن مسعودٍ.
-
وروي عن عباسٍ، أنه غير واجبٍ، وعن عائشة وغيرهم من الصحابة، وبه قال جمهور فقهاء الأمصار: الثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة، والشافعي، وأحمد –في ظاهر مذهبه -، وإسحاق.
-
ورواه ابن وهبٍ عن مالكٍ، وأنه قيل له: في
vol. 8, p. 79الحديث: ((هو واجبٌ) ) ؟ قال ليس كل ما في الحديث: ((هو واجبٌ) ) يكون كذلك.
-
وهواختيار عبد العزيز بن أبي سلمة وغيره من أصحابه.
-
واستدل من قال: ليس بواجبٍ: بما روي عن الحسن، عن سمرة، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: ((من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن أغتسل فالغسل أفضل) ) .
-
خرَّجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي، وحسنه.
- vol. 8, p. 80
وقد أختلف في سماع الحسن من سمرة.
-
وخرَّجه ابن ماجه من حديث يزيد الرقاشي، عن انس –مرفوعاً - أيضاً.
-
ويزيد، ضعيف الحديث.
- vol. 8, p. 81
وفي ((صحيح مسلمٍ) ) عن أبي هريرة، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: ((من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة فدنا واستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، وزيادة ثلاثة أيام) ) .
-
وهذا يدل على أن الوضوء كافٍ، وان المقتصر عليه غير أثمٍ ولا عاصٍ، وأما إلامر بالغسل فمحمول على إلاستحباب.
-
وقد روي من حديث عائشة وابن عباسٍ ما يدل على ذلك، وسيأتي ذكره - إن شاء الله تعالى.
-
وأما رواية الوجوب، فالوجوب نوعان: وجوب حتم، ووجوب سنةٍ وفضلٍ.
-
وذهبت طائفة إلى وجوب الغسل، وروي عن أبي هريرة، والحسن، وروي - أيضاً - عن سعدٍ، وعمارٍ، وابن عباسٍ –في رواية أخرى عنه -، وعن عبد الرحمن بن يزيد بن الأسود، وعطاء بن السائب، وعمرو بن سليمٍ وغيرهم من المتقدمين.
-
وحكي رواية عن أحمد، قال أحمد - في رواية حربٍ وغيره -: أخاف أن يكون واجباً، إلا أن يكون بردٌ شديدٌ.
-
وهذا لا يدل على الوجوب جزماً.
-
وهو رواية عن مالكٍ، ولم يذكر في ((تهذيب المدونة) ) سواها.
-
ذكر ابن عبد البر: أنه لا يعلم أحداً
vol. 8, p. 82قال: إنه يأثم بتركه، غير أهل الظاهر، وأن من أوجبه، قال: لا يأثم بتركه.
-
وحكى –أيضاً - إلاجماع على أنه ليس بفرضٍ واجبٍ.
-
وذكر عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاءٍ: غسل الجمعة
واجبٍ؟ قال: نعم، من تركه فليس بأثمٍ.
قال عبد الرزاق: وهو أحب القولين إلى سفيان، يقول: هو واجبٌ.
-
يعني: وجوب سنةٍ.
-
وذكر ابن عبد البر قولين للعلماء، وذكر أنه أشهر الروايتين عن مالكٍ.
-
والثاني: أنه مستحب وليس بسنةٍ، بل كالطيب والسواك، وحكاه رواية عن مالكٍ.
-
وحكى عن بعضهم: أن الطيب يغني عنه، حكاهٌ عن عطاء الخراساني، وعن
عبد الكريم بن الحارث المصري، وعن موسى بن صهيبٍ، قالَ: كانوا يقولون ذَلِكَ.
-
وعن النخعي، قالَ: ما كانوا يرون غسلاً واجبً إلا غسل الجنابة، وكانوا يستحبون غسل الجمعة.
-
فابن عبد البر لم يثبت في وجوب غسل الجمعة –بمعنى كونه فرضاً يأثم بتركه – اختلافاً بين العلماء المعتبرين، وإنما خص الخلاف في ذَلِكَ باهل الظاهر.
-
والأكثرون: أطلقوا حكاية الخلاف في وجوب غسل الجمعة، وحكوا
vol. 8, p. 83القول بوجوبه عن طائفة من السلف، كما حكاه ابن المنذر، عن أبي هريرة وعمار، وعن مالكٍ –أيضاً.
-
والذي ذكره ابن عبد البر هوَ التحقيق في ذَلِكَ –والله أعلم -، وأن من أطلق وجوبه إنما تبع في ذَلِكَ ما جاء عن النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من إطلاق اسم ((الواجبٍ) ) عليهِ، وقد صرح طائفة منهم بأن وجوبه لا يقتضي إلاثم بتركه، كما حمل أكثر العلماء كلام النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على مثل ذَلِكَ –أيضاً.
-
وممن صرح بهذا: عطاءٌ، كما سبق ذكره عنه، ومنهم: يحيى بن يحيى النيسابوري، والجوزجاني.
-
وقد تبين بهذا أن لفظ ((الواجبٍ) ) ليس نصاً في إلالزام بالشيء والعقاب على تركه، بل قد يراد به ذَلِكَ - وهو الأكثر -، وقد يراد به تأكد إلاستحباب والطلب.
-
ولهذا قالَ إسحاق: إن كل ما في الصَّلاة فهوَ واجبٌ. وإن كانت الصَّلاة تعاد من ترك بعضه، كما سبق ذكره عنه.
-
وسبق –أيضاً -، عن الشافعي وأحمد في لفظ: ((الفرض ما يدل على نحو ذَلِكَ، فالواجب أولى؛ لأنه دون الفرض.
-
ونص الشافعي –في رواية البويطي –على أن صلاة الكسوف ليست بنفلٍ، ولكنها واجبةٌ وجوب السنة.
-
وهذا تصريح منه بأن السنة المتأكدة تسمى ((واجباً)) . والله أعلم.