٨-باب الاستحاضة
152 paragraphs · vol. 2, p. 51
Page 2 of 4
- vol. 2, p. 57
وفي ((سنن أبي داود) ) من رواية سهيل، عن الزهري، عن عروة، عن أسماء بنت عميس، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قالَ في أمر فاطمة بنت أبي حبيش: ((لتجلس في مركن، فإذا رأت صفرةً فوق الماء فلتغتسل) ) .
-
وفي إسناده اختلاف: وقد قيل: إن الصحيح فيهِ: عن عروة، عن فاطمة.
-
وفي بعض ألفاظه: ((فأمرها أن تقعد أيامها التي كانت تقعد، ثم تغتسل) ) .
- vol. 2, p. 58
والأظهر - والله اعلم -: أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنما ردها إلى العادة لا إلى التمييز؛ لقوله: ((فإذا ذهب عنك قدرها) ) ، كذا في رواية مالك، عن هشام، وهي التي خرجها البخاري في هذا الباب.
-
وقد تأويلها بعض المالكية على أنها كانت مميزة، لكن يزيد دم تمييزها على أكثر الحيض، فتجلس منه قدر العادة.
وقال بعضهم: المراد بقدرها: ذهاب دمها وانقضاؤها.
-
وتأوله بعضهم: على أن المراد بذهاب قدرها: الاستطهار بعد مدتها بثلاثة أيام على ما يراه مالك.
-
وكل هذه تأويلات بعيدةٌ، تخالف ظاهر اللفظ.
-
وفي رواية أبي أسامة، عن هشام: ((دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي) ) .
-
وقد خرجها البخاري فيما بعد.
-
وهذه الرواية صريحة في ردها إلى العادة دون التمييز.
-
وخرج مسلم من حديث عراك بن مالك، عن عروة، عن عائشة، أن أم حبيبة سألت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الدم؟ فقالَ لها النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي وصلي) ) .
-
وفي رواية: أنها شكت إليه الدم.
-
وروى مالك، عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة زوج النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أن امرأةً كانت تهراق الدماء على عهد رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فاستفتت لها أم سلمة رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقالَ: ((لتنظر عدة الليالي والأيام
vol. 2, p. 59التي كانت تحيضهن من الشهر [قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذَلِكَ من الشهر] ، فإذا خلفت ذَلِكَ فلتغتسل، ثم لتستثفر بثوب، ثم لتصل)) .
-
وخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي.
-
وخرجه الإمام أحمد والنسائي - أيضاً - وابن ماجه من حديث عبيد الله بن
عمر، عن نافع - بنحوه.
-
وخرجه أبو داود - أيضاً - من رواية الليث، عن نافع، عن سليمان بن يسار، أن رجلاً أخبره عن أم سلمة.
-
ومن طريق أبي ضمرة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن سليمان، عن رجل من الأنصار، أن امرأة كانت تُهراق الدماء - فذكره بمعناه.
-
فتبين بهذا أن سليمان بن يسار لم يسمعه من أم سلمة.
-
وروى أيوب، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة، أن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت، فسألت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقالَ: ((إنه ليس بالحيضة، ولكنه عرق) ) ، وأمرها أن تدع الصلاة أيام أقرائها، أو حيضها، ثم تغتسل، فإن غلبها الدم استثفرت بثوب وصلت.
- vol. 2, p. 60
فهذه الرواية تشهد لما ذكرناه من أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنما رد فاطمة إلى العادة.
-
وكذلك روى المنذر بن المغيرة، عن عروة، أن فاطمة بنت أبي حبيش حدثته: أنها سألت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وشكت إليه الدم؟ فقالَ لها رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((إنما ذَلِكَ
عرقٌ، فانظري إذا أتاك قرؤك فلا تصلي، فإذا مر قرؤك فتطهري، ثم صلي ما بين القرء إلى القرء)) .
-
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي.
-
وقد روي عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من وجوهٍ متعددة أنه أمر المستحاضة أن تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل.
-
وهذه النصوص كلها تدل على الرجوع إلى العادة المعتادة لها قبل الاستحاضة.
- والمستحاضة لها أربعة أحوال:
-
الحالة الأولى: أن تكون مميزة، وهي التي دمها مميز، بعضه أسود وبعضه أحمر أو أصفر.
-
والحالة الثانية: أن تكون معتادة، وهي التي لها عادة معلومة من الشهر تعرفها.
-
والحالة الثالثة: أن تجتمع لها عادة وتمييز، وتختلفان.
-
والحالة الرابعة: أن لا تكون لها عادة ولا تمييز، مثل أن يكون دمها كله لونه
واحد، وليس لها عادة: إما بأن تكون قد استحيضت وهي مبتدأة،
vol. 2, p. 61أو كانت لها عادة ونسيتها.
-
وقد اختلف العلماء في حكم ذَلِكَ: فذهب الشافعي وأحمد إلى اعتبار التمييز والعادة معاً، فإن انفرد أحدهما عملت به، بغير خلاف عنهما.
- وإن اجتمعا واختلفا، ففيه قولان:
-
أحدهما: تقدم التمييز على العادة، وهو قول الشافعي ورواية عن أحمد اختارها الخرقي.
-
والثاني: تقدم العادة على التمييز، وهو المشهور عن أحمد، وعليه أكثر
أصحابه، وهو قول إسحاق والإصطخري وابن خيران من الشافعية.
-
وهو قول الأوزاعي، حتى إنه قدم رجوعها إلى عادة نسائها على تمييز الدم.
-
وذهب مالك إلى أن لا اعتبار بالعادة، وأن العمل على التمييز وحده، فإن لم يكن لها تمييز فإنها لا تترك الصلاة أصلاً، بل تصلي أبداً، ويلزمها الغسل لكل صلاة في الوقت لاحتمال انقطاع الحيضة فيهِ.
-
ومذهب أبي حنيفة وسفيان: أن الاعتبار بالعادة وحدها دون التمييز، فإن لم يكن لها عادة فإنها تجلس أقل الحيض، ثم تغتسل وتصلي.
-
وأما من لا عادة لها ولا تمييز، فإذا كانت ناسيةً، فذهب أبو حنيفة إلى أنها تقعد العادة، تجلس أقل الحيض ثم تغتسل وتصلي.
-
ومذهب مالك: أنها تقعد التمييز أبداً، وتغتسل، كما تقدم.
-
وللشافعي فيها ثلاث أقوال: أحدهما: أنها تجلس أقل الحيض. والثاني:
vol. 2, p. 62تجلس غالبه: ستاً أو سبعاً. والثالث - وهو الصحيح عندَ أصحابه - كقول مالك: أنها لا تجلس شيئاً، بل تغتسل لكل صلاة وتصلي.
-
ومذهب أحمد: أن الناسية لعادتها تجلس غالب عادات النساء: ستاً أو سبعاً من كل شهر، ثم تغتسل وتصلي وتصوم، هذا هوَ المشهور عنه.