٣-باب سنة العيدين لأهل الإسلام
79 paragraphs · vol. 8, p. 423
Page 2 of 2
- vol. 8, p. 432
فصح واتصل عن هشام.
-
وخرجه أبو داود من وجه آخر مختصرا.
-
وقد بينت عائشة أن الجاريتين إنما كانا يغنيان بغناء بعاث، ويوم بعاث يوم من أيام حروب الجاهلية مشهور.
-
وباؤه مثلثة وعينه مهملة، ومنهم من حكى أنها معجمة، قال الخطابي: هو يوم مشهور من أيام العرب، كانت فيه مقتلة عظيمة للأوس على الخزرج، وبقيت الحرب قائمة مائة وعشرين سنة إلى الإسلام، على ما ذكره ابن إسحاق وغيره.
قالَ: وكان الشعر الذي تغنيان به في وصف الشجاعة والحرب، وهو إذا صرف إلى جهاد الكفار كان معونة في أمر الدين، فأما الغناء بذكر
vol. 8, p. 433الفواحش والابتهار للحرم، فهو المحظور من الغناء، حاشاه أن يجري بحضرته شيء من ذلك فيرضاه، أو يترك النكير لهُ، وكل من جهر بشيء بصوته وصرح به فقد غنى به.
قالَ: وقول عائشة: ((ليستا بمغنيتين) ) ، إنما بينت ذلك؛ لأن المغنية التي اتخذت الغناء صناعة وعادة، وذلك لا يليق بحضرته، فأما الترنم بالبيت والتطريب للصوت إذا لم يكن فيهِ فحش، فهوَ غير محظور ولا قادح في الشهادة.
-
وكان عمر بن الخطاب – رضي الله عنه - لا ينكر من الغناء النصب والحداء
ونحوهما، وقد رخص فيه غير واحد من السلف.
قالَ: وقوله: ((هذا عيدنا) ) يريد أن إظهار السرور في العيد من شعار الدين، وحكم اليسير من الغناء خلاف الكثير. انتهى.
-
وفي الحديث ما يدل على تحريمه في غير أيام العيد؛ لأن النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - علل بأنها أيام عيد، فدل على أن المقتضي للمنع قائم، لكن عارضه معارض وهو الفرح والسرور العارض بأيام العيد.
-
وقد أقر أبا بكر على تسمية الدف مزمور الشيطان، وهذا يدل على وجود المقتضي للتحريم لولا وجود المانع.
- vol. 8, p. 434
وقد قال كثير من السلف، منهم: قتادة: الشيطان قرآنه الشعر، ومؤذنه المزمار، ومصايده النساء.
-
وروي ذلك من حديث أبي أمامة – مرفوعا.
-
وقد وردت الشريعة بالرخصة للنساء لضعف عقولهن بما حرم على الرجال من التحلي والتزين بالحرير والذهب، وإنما أبيح للرجال منهم اليسير دون الكثير، فكذلك الغناء يرخص فيه للنساء في أيام السرور، وإن سمع ذلك الرجال تبعا.
-
ولهذا كان جمهور العلماء على أن الضرب بالدف للغناء لا يباح فعله للرجال؛ فإنه من التشبه بالنساء، وهو ممنوع منه، هذا قول الأوزاعي وأحمد، وكذا ذكر الحليمي وغيره من الشافعية.
-
وإنما كان يضرب بالدفوف في عهد النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النساء، أو من يشبه بهن من المخنثين، وقد أمر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بنفي المخنثين وإخراجهم من البيوت.
-
وقد نص على نفيهم أحمد وإسحاق، عملا بهذه السنة الصحيحة.
-
وسئل أحمد عن مخنث مات ووصى أن يحج عنه، فقال: كسب المخنث خبيث، كسبه بالغناء، نقله عنه المروذي.
-
وفي تحريم ضرب المخنث بالدف حديث مرفوع، خرجه ابن ماجه بإسناد ضعيف. فأما الغناء بغير ضرب دف، فإن كان على وجه الحداء والنصب فهو جائز. وقد رويت الرخصة فيه عن كثير من الصحابة.
-
والنصب:
vol. 8, p. 435شبيه الحداء -: قاله الهروي وغيره.
-
وهذا من باب المباحات التي تفعل أحيانا للراحة.
-
فأما تغني المؤمن فإنما ينبغي أن يكون بالقرآن، كما قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((ليس منا من لم يتغن بالقرآن) ) والمراد: أنه يجعله عوضا عن الغناء فيطرب به ويلتذ، ويجد فيه راحة قلبه وغذاء روحه، كما يجد غيره ذلك في الغناء بالشعر.
-
وقد روي هذا المعنى عن ابن مسعود - أيضاً.
-
وأما الغناء المهيج للطباع، المثير للهوى، فلا يباح لرجل ولا لامرأة فعله ولا
استماعه؛ فإنه داع إلى الفسق والفتنة في الدين والفجور فيحرم كما يحرم النظر بشهوة إلى الصور الجميلة [....] ؛ فإن الفتنة تحصل بالنظر وبالسماع؛ ولهذا جعل النبي ? - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زنا العينين النظر، وزنا الأذن الاستماع.
-
ولا خلاف بين العلماء المعتبرين في كراهة الغناء وذمه وذم استماعه، ولم يرخص فيه أحد يعتد به.
-
وقد حكيت الرخصة فيه على بعض المدنيين.
-
وقد روى الإمام أحمد، عن إسحاق الطباع، أنه سأل مالكا عما يرخص فيه أهل المدينه من الغناء؟ فقالَ: إنما يفعله عندنا الفساق.
- vol. 8, p. 436
وكذا قالَ إبراهيم بن المنذر الحزامي، وهو من علماء أهل المدينة – أيضا.
-
وقد نص أحمد على مخالفة ما حكي عن المدنيين في ذَلِكَ. وكذا نص هو وإسحاق على كراهة الشعر الرقيق الذي يشبب به النساء.
وقال أحمد: الغناء الذي وردت فيه الرخصة هو غناء الراكب: أتيناكم أتيناكم.
-
وأما استماع آلات الملاهي المطربة المتلقاة من وضع الأعاجم، فمحرم مجمع على تحريمه، ولا يعلم عن أحد منه الرخصة في شيء من ذَلِكَ، ومن نقل الرخصة فيه عن إمام يعتد به فقد كذب وافترى.
-
وأما دف الأعراب الخالي من الجلاجل المصوتة ونحوها فقد اختلف العلماء فيه على ثلاثة مذاهب:
أحدها: أنه يرخص فيه مطلقا للنساء.
-
وقد روي عن أحمد ما يشهد له، واختاره طائفة من المتأخرين من أصحابنا، كصاحب ((المغني) ) وغيره.
-
والثاني: إنما يرخص فيه في الاعراس ونحوها، وهو مروي عن عمر بن عبد العزيز والأوزاعي، وهو قول كثير من أصحابنا أو أكثرهم.
- vol. 8, p. 437
والثالث: أنه لا يرخص فيه بحال. وهو قول النخعي وأبي عبيد.
-
وجماعة من أصحاب ابن مسعود كانوا يتبعون الدفوف مع الجواري في الأزقة فيحرقونها.
وقال الحسن: ليس الدف من أمر المسلمين في شيء. ولعله أراد بذلك دفوف الأعاجم المصلصلة المطربة.
-
وقد سئل أحمد على ذلك فتوقف، وكأنه حصل عنده تردد: هل كانت كراهة من كره الدفوف لدفوف الأعراب أو لدفوف الاعاجم فيه جرس؟ وقد قيل لأحمد: الدف فيهِ جرس؟ قال: لا.
-
وقد نص على منع الدف المصلصل.
وقال مالك في الدف: هو من اللهو الخفيف، فإذا دعي إلى وليمة، فوجد فيها دفاً فلا أرى أن يرجع.
-
وقاله القاسم من أصحابه.
وقال أصبغ –منهم -: يرجع لذلك.
-
وفي الرخصة في الدف في العيد أحاديث أخر:
خرج ابن ماجه من رواية الشعبي، قال: شهد عياض الأشعري عيداً بالأنبار، فقال: ما لي لا أراكم تقلسون كما يقلس رسول الله ? - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
-
ومن رواية الشعبي، عن قيس بن سعد، قال: ما كان شيء على عهد
vol. 8, p. 438رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلاّ وقد رأيته، إلاّ شيء واحد، فإن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقلس له يوم الفطر.
قال يزيد بن هارون: التقليس: ضرب الدف.
وقال يوسف بن عدي: التقليس: أن يقعد الجواري والصبيان على أفواه الطرق، يلعبون بالطبل وغير ذلك.
-
وقد بسطنا القول في حكم الغناء وآلات اللهو في كتاب مفرد، سميناه: ((نزهة الأسماع في مسألة السماع) ) ، وإنما أشرنا إلى ذلك هاهنا إشارة لطيفة مختصرة.
-
ومما يدخل في هذا الباب: ما روى حماد بن سلمة، عن حميد، عن أنس، قال: قدم رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: ((ما هذان اليومان؟) ) قالوا: نلعبهما في الجاهلية. فقالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما: يوم
الفطر، ويوم الأضحى)) .
-
خرجه أبو داود والنسائي.