٢٠ - باب الصلاة على الحصير
99 paragraphs · vol. 3, p. 8
Page 2 of 3
- vol. 3, p. 14
وقد رواه ابن عيينة، عن إسحاق بن عبد الله مختصرا، وصرح فيه بأن العجوز التي صلت وراءهم هي أم سليم أم أنس، وهذا يدل على أنها هي التي دعت النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى طعامها.
-
وخرجه النسائي من طريق يحيى بن سعيد، عن إسحاق بن عبد الله،
vol. 3, p. 15عن أنس، أن أم سليم سألت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يأتيها ويصلي في بيتها فتتخذه مصلى، فأتاها فعمدت إلى حصير فنضحته بماء، فصلى عليه وصلوا معه.
-
وقوله: ((قد اسود من طول ما لبس) ) يدل على أن لبس كل شيء بحسبه، فلبس الحصير هو بسطه واستعماله في الجلوس عليه.
-
واستدل بذلك من حرم الجلوس على الحرير وافتراشه؛ لأن افتراش فرش الحرير وبسطه لباس له، فيدخل في نصوص تحريم لباس الحرير.
-
وزعم ابن عبد البر: أن هذا يؤخذ منه أن من حلف لا يلبس ثوبا، وليس له نية ولا ليمينه سبب، فإنه يحنث بما يتوطأ ويبسط من الثياب؛ لأن ذلك يسمى لباسا.
-
وهذا الذي قاله فيه نظر؛ فإن اللبس المضاف إلى الثوب إنما يراد به اشتمال البدن أو بعضه به دون الجلوس عليه، بخلاف اللبس إذا أضيف إلى ما يجلس عليه ويفترش، أو أطلق ولم يضف إلى شيء، كما لو حلف لا يلبس شيئا.
-
فجلس على حصير، أو حلف لا يلبس حصيرا فجلس عليه.
-
ولو تعلق الحنث بما يسمى لباسا بوجه ما، لكان ينبغي أن يحنث بمضاجعة زوجته وبدخول الليل عليه؛ قال تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنّ} [البقرة:١٨٧] وقال: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً} [النبأ:١٠] .
-
وكل ما لابس الإنسان من جوع أو خوف فهو لباس؛ قَالَ تعالى: {فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ} [النحل:١١٢] .
- vol. 3, p. 16
ولا نعلم خلافا أنه لو حلف لا يجلس على بساط، فجلس على الأرض لم
يحنث، وقد سماها الله بساطا، وكذلك لو حلف لا يجلس تحت سقف فجلس تحت السماء، وقد سمى الله السماء سقفا، وكذلك لو حلف لا يجلس في ضوء سراج فجلس في ضوء الشمس.
-
فإن هذه الأسماء غير مستعملة في العرف، والأيمان إنما تنصرف إلى ما يتعارفه الناس في مخاطباتهم دون ما يصدق عليه الاسم بوجه ما في اللغة على وجه التجوز. والله أعلم.
-
وإنما قال أصحابنا: لو حلف ليرين امرأته عارية لابسة أنه يبرأ برؤيتها في الليل عارية؛ لأن جمعه بين عريها ولبسها قرينة تدل على أنه لم يرد لبسها لثيابها؛ فإن ذلك لا يجتمع مع عريها.
-
وأما نضح الحصير: فاختلف في معناه:
فقيل: هو تطهير له، وإزالة لما يتوهم فيه من إصابة النجاسة له مع كثرة استعماله وطول عهده في بيته يتربى فيه أولاد صغار.
-
وعلى هذا؛ فقيل: أن النضح هو الغسل، وقيل: بل هو الرش.
-
وهذا يستدل به على تطهير ما شك في نجاسته بالنضح، وقد سبق ذكر ذلك في ((كتاب: الوضوء) ) ، وأن عمر وغيره فعلوه، وأن من الناس من خالف فيه، وقال: لا يزيده النضح إلا شراً.
-
وقيل: بل النضح هو تنظيف له من الوسخ، وتلين له.
-
وعلى هذا؛ فالمراد بالنضح فيه بالرش على ظاهر اللفظ.
-
وهو
vol. 3, p. 17الأظهر. والله أعلم.
-
ويشهد لذلك: ما خرجه مسلم من حديث أبي التياح، عن أنس، قال: كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أحسن الناس خلقا، فربما تحضر الصلاة وهو في بيتنا، قال: فيأمر بالبساط الذي تحته فيكنس، ثم ينضح، ثم يؤم رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ونقوم خلفه، فيصلي بنا. قال: وكان بساطهم من جريد النخل.
-
وخرج - أيضا - من رواية الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: ثنا أبو سعيد الخدري، أنه دخل على رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فوجده يصلي على حصير يسجد عليه.
-
وهذه الصلاة كانت تطوعا؛ يدل على ذَلكَ: ما خرجه مسلم من حديث
ثابت، عن أنس، قَالَ: دخل النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - علينا، وما هوَ إلا أنا وأمي وأم حرام خالتي، فقالَ: ((قوموا، فلأصلي بكم) ) ، في غير وقت الصلاة، فصلى بنا.
-
وخرجه أبو داود، وعنده: فصلى بنا ركعتين تطوعا.
-
وإنما خرجه البخاري في هذا الباب لأجل صلاة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على الحصير، وقد خرجه في موضع آخر من ((كتابه) ) هذا، ولفظه: فقام عليه رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
-
يعني على الحصير الذي نضح.
-
وقد تبين برواية أبي التياح، عن أنس، أنه كان من جريد النخل، وقد
vol. 3, p. 18سمي في بعض الروايات بساطا؛ لأنه يبسط.
-
وخرج أبو داود من رواية قتادة، عن أنس، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يزور أم سليم فتدركه الصلاة احيانا فيصلي على بساط لها، وهو حصير ننضحه بالماء.
-
وقد خرج البخاري - أيضا - في موضع آخر من ((كتابه) ) هذا من حديث أنس بن سيرين، عن أنس، أن رجلا من الأنصار قال: يا رسول الله، أني لا أستطيع الصلاة معك - وكان رجلا ضخما -، فصنع للنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طعاما، فدعاه إلى منزله فبسط له
حصيرا، ونضح طرف الحصير، فصلى عليه ركعتين.
-
فدلت هذه الأحاديث على جواز الصَّلاة على الحصير.
-
وفي حديث أبي سعيد الذي خرجه مسلم التصريح بأنه سجد عليه.
-
وكذلك روى من حديث أنس.
-
خرجه الإمام أحمد من رواية عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن إسحاق بن عبد الله، عن أنس، قال: صلى بنا رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في بيت أم سليم على الحصير قديم قد تغير من القدم. قال: ونضحه بشيء من الماء، فسجد عليه.
-
وأكثر أهل العلم على جواز الصلاة على الحصير والسجود عليه، وأن ذلك لا يكره إذا كان الحصير من جريد النخل أو نحوه مما ينبت من الأرض.
- vol. 3, p. 19
وممن روي عنه أنه صلى على الحصير: ابن عمر، وزيد بن ثابت، وجابر، وأبو ذر.
وقال النخعي: كانوا يصلون على الحصير والبوري.
وقال مجاهد: لا بأس بالصلاة على الأرض وما أنبتت.
-
ومذهب مالك: لا بأس أن يسجد على الخمرة والحصير وما تنبت الأرض، ويضع كفيه عليها.
-
والسجود على الأرض أفضل عنده، وعند كثير من العلماء.
-
وكان ابن مسعود لا يصلي على شيء إلا على الأرض.
-
وروي عن أبي بكر الصديق، أنه رأى قوما يصلون على بسط، فقال لهم: أفضوا إلى الأرض.
-
وفي إسناده نظر.
-
وروي عن ابن عمر، أنه كان يصلي على الخمرة ويسجد على الأرض. ونحوه عن علي بن الحسين.
وقال النخعي في السجود على الحصير: الأرض أحب إلي.
-
وعنه، أنه قال: لا بأس أن يصلي الحصير، لكن لا يسجد عليهِ.