١٠٥- باب من قال: لا يقطع الصلاة شيء

175 paragraphs · vol. 4, p. 112

Page 3 of 5

  1. وكذا رواه أبو زيد الهروي سعد بن

    vol. 4, p. 124الربيع، عن شعبة - مرفوعا.

    vol. 4, p. 123
  2. ورواه غندر وأبو الوليد ومحمد بن كثير، عن شعبة، عن عبيد الله، عن أنس موقوفا.

    قال الدارقطني: والموقوف اصح.

  3. وخرج الإمام أحمد ثنا أبو المغيرة: ثنا صفوان: ثنا راشد بن سعد، عن عائشة، قالت: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ((لا يقطع صلاة المسلم شيء، إلا الحمار والكافر والكلب والمرأة) ) . قالت عائشة: يا رسول الله، لقد قرنا بدواب سوء.

  4. هذا منقطع؛ راشد لَمْ يسمع من عَائِشَة بغير شك.

  5. ووهم فِي ذَلِكَ، وإنما الصحيح: ما رواه أصحاب عائشة الحفاظ، عنها، أنه ذكر عندها ذلك، فقالت: لقد قرنتمونا بقرناء سوء، ونحو هذا المعنى.

  6. وقد ذكر الميموني أن أحمد ذكر له أن ألحوضي روى من طريق الأسود، عن عائشة - مرفوعا -: ((يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود) ) . . فقال أحمد: غلط الشيخ عندنا؛ هذا عن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهي تقول: عدلتمونا بالكلب والحمار؟ ! .

  7. يعني: لو كان هذا عندها عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

    vol. 4, p. 125لما قالت ما قالت.

  8. وخرج أبو داود من رواية سعيد بن عبد العزيز، عن مولى ليزيد بن نمران، عن يزيد بن نمران، قال، رأيت رجلا بتبوك مقعدا، فقال: مررت بين يدي النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأنا على حمار وهو يصلي، فقال: ((اللهم اقطع أثره) ) ، فما مشيت عليها بعد.

  9. وفي رواية له: فقال: ((قطع صلاتنا قطع الله أثره) ) .

  10. وفي إسناد جهالة.

  11. فالقائلون: بأن الصلاة يقطعها الكلب والحمار والمرأة تعقلوا بظواهر هذه الأحاديث.

  12. وأما من قال: لا يقطع الصلاة غير الكلب الأسود، كما قاله أحمد في ظاهر مذهبه، وإسحاق، فقالوا: المرأة والحمار قد تعارضت فيهما الأحاديث، فحديث عائشة دل على عدم قطع الصلاة بالمرأة، وحديث ابن عباس دل على أن الحمار لا يقطع الصلاة، وبقي الكلب الأسود لا معارض له فيؤخذ به.

  13. وهذا هو جادة مذهب أحمد وأصحابه، وما قالوه في ذلك.

  14. ولهم في ذلك مسلكان آخران:
  15. أحدهما: أن حديث عائشة لا يعارض حديث أبي ذر؛ فإن حديث

    vol. 4, p. 126عائشة في وقوف المرأة بين يدي المصلي، وانه لا يبطل صلاته، وحديث أبي ذر في مرور المرأة، وأنه مبطل للصلاة، فيعمل بكلا الحديثين، فتبطل الصلاة بمرور هذه الثلاثة دون وقوفها في قبلة المصلي، وهو رواية عن أحمد.

  16. وهذا يتوجه على إحدى الروايتين عن أحمد في إبطال الصلاة بمرور الثلاثة المذكورة في حديث أبي ذر، وقد رجحها بعض أصحابنا المتأخرين.

  17. وقد تقدم قول عائشة: ((فأكره أن أسنحه) ) - أي: أعترض بين يديه مارة، فدل على أن مرورها بين يديه مما يكره ويتقى، بخلاف نومها معترضة.

  18. وروى الإمام أحمد: ثنا محمد بن جعفر: ثنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: كنت أكون بين يدي رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو يصلي، فإذا أردت أن أقوم كرهت أن أمر بين يديه، فأنسل انسلالا.

  19. ويدل على أنه يفرق بين المرور والوقوف: أن المصلي مأمور بدفع المار ولو كان حيوانا، وقد وردت السنة بالصلاة إلى الحيوان البارك والمرأة النائمة، فدل على الفرق بين الأمرين.

  20. وقد استدل الإمام أحمد بهذا على التفريق بين المرور والوقوف.

  21. والثاني: أن يحمل حديث عائشة على صلاة النفل،

    vol. 4, p. 127فلا تقطعها المرأة، وحديث أبي ذر على الفريضة.

  22. وهذا مسلك آخر لأصحابنا، وقد حكوا رواية عن أحمد بالفرق بين الفريضة والنافلة في قطع الصلاة بمرور هذه الثلاثة.

  23. ومما استدل به أحمد على الفرق بين الفريضة والنافلة: أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا أراد أو يوتر أيقظ عائشة، ولم يوتر وهي معترضة بين يديه.

  24. وفي رواية خرجها أبو داود من حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عائشة، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا أراد أن يوتر قال لها: ((تنحي) ) .

  25. وبهذه الرواية احتج أحمد في هذه المسألة.

  26. وخرج الجوزجاني من رواية موسى بن أيوب الغافقي، أن عمه إياس بن عامر حدثه، أنه سمع علي بن أبي طالب يقول: كان رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا أراد أن يوتر أمرها - يعني: عائشة - أن تتنحى عنه، وقال: إنها صلاة ازددتموها.

  27. فإذا فرق بين النفل المطلق والوتر في الصلاة إلى المرأة، فالفريضة أولى.

  28. وقد سلك بعضهم مسلكا آخر، وهو نسخ القطع بالمرأة والحمار بحديث عائشة وابن عباس؛ لأن حَدِيْث ابن عَبَّاس كَانَ فِي حجة الوداع فِي آخر عُمَر النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وحديث عَائِشَة يدل بظاهره عَلَى استمرار النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَا أخبرت بِهِ عَنْهُ إلى آخر

    عمره، ولو كان قد

    vol. 4, p. 128ترك ذلك في آخر عمره لما خفي عليها، وبقي الكلب الأسود لا ناسخ له.

  29. وهذا المسلك فيه نظر، وقد أنكره الإمام أحمد في رواية حرب، وأنكره - أيضا - الشافعي في ((كتاب مختلف الحديث) ) .

  30. وعلى هذا المسلك يتوجه القول بإبطال الصلاة بالكلب الأسود خاصة.

  31. وأحمد كان شديد الورع في دعوى النسخ، فلا يطلقه إلا عن يقين وتحقيق؛ فلذلك عدل عن دعوى النسخ هنا إلى دعوى تعارض الأخبار، والأخذ بأصحها إسنادا، فأخذ بحديث عائشة في المرأة، وحديث ابن عباس في الحمار، فبقي الكلب الأسود من غير معارض.

  32. وهذا إنما يتوجه على القول بالفرق بين الوقوف والمرور، كما هو إحدى الروايتين عن أحمد.

  33. فأما على الرواية الثانية عنه بالتسوية بينهما، فلا تعارض بين حديث عائشة وحديث أبي ذر في المرأة، وإنما التعارض بين حديث ابن عباس في مرور الحمار وبين حديث أبي ذر، فمقتضى ذلك حينئذ أن تبطل الصلاة بمرور الكلب والمرأة دون الحمار، ولا يعرف هذا عن أحمد.

  34. وعلى رواية التفريق بين الفرض والنفل، فلا تعارض بين حديث عائشة

    vol. 4, p. 129وأبي ذر في حق المرأة، وإن قلنا: إن الوقوف كالمرور، وأما أن فرقنا بينهما انتفى التعارض حينئذ من وجهين، وتبقى المعارضة بين حديث أبي ذر وحديث ابن عباس في مرور الحمار، فإن حديث ابن عباس في الفرض وحديث أبي ذر عام في الفرض والنفل، فيخرج من هذا أن يقال: حديث أبي ذر عام في الفرض والنفل في مرور الثلاثة، خص من عمومه النفل بمرور المرأة إن سوينا بينه وبين الوقوف، وإن فرقنا بينهما فالوقوف غير داخل في لفظ حديث أبي ذر ولا في معناه.

  35. فأما الحمار فقد عارضه حديث ابن عباس، وهو في الفرض، وهو أصح من حديث أبي ذر، ولكن يلزم من العمل بحديث ابن عباس وترك حديث أبي ذر في الفرض إبطال حكم مرور الحمار جملة، وذلك نسخ.

  36. ويخص - أيضا - من عموم حديث أبي ذر في الكلب النفل بالقياس على المرأة، فيقتضي هذا التقرير أن يقال: إن مرور الكلب والمرأة يبطل الصلاة المفروضة دون النافلة، ومرور الحمار لا يبطل شيئا.

  37. وهذا - أيضا - قول غريب لا يعرف عن أحمد ولا غيره.

  38. وإنما حكى القاضي أبو يعلى رواية عن أحمد أن هذه الثلاثة يبطل مرورها الفرض دون النفل.

  39. وأخذه مما رواه بكر بن محمد وغيره، عن أحمد: يقطع الصلاة الكلب والمرأة والحمار، فذكر حديث عائشة،

    vol. 4, p. 130فقال: هو عندي في المار بين يدي المصلي، فإذا كانت بين يديه كان أسهل، وهذا في التطوع، فأما الفرض فهو آكد، أليس النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حين أراد أن يوتر قال: ((تنحي) ) ؟

    قال: هذا إنما يدل على تفريق أحمد بين الفرض والتطوع في استقبال المرأة في الصلاة دون مرورها، أما في المرور فلم يفرق، وإنما فرق في الصلاة إلى المرأة النائمة ونحوها بين الفرض والنفل، فجوزه في النفل وكرهه في الفرض، وفرق بين المرور والوقوف في إبطال الصلاة بالمرور دون الوقوف، فما يبطل الصلاة - وهو المرور - لم يفرق فيه بين فرض ونفل، إنما فرق بينهما فيما يكره في الصلاة، وهو الصلاة إلى المرأة، فكرهه في الفرض دون النفل، هذا هو الذي دل عليه كلام أحمد هذا. والله اعلم.

  40. وظاهر قول عائشة - رضي الله عنها -: ((عدلتمونا بالحمر والكلاب) ) ، واستدلالها بصلاة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إليها: يدل على أنها رأت المرور والوقوف سواء، وإلا فلو كان الحكم عندها مختصا بالمرور لم يكن لها في حديثها دليل.