٩- باب الإبراد بالظهر في شدة الحر
77 paragraphs · vol. 4, p. 233
Page 2 of 2
- vol. 4, p. 240
ومنهم من اشترط مسجد الجماعة فقط.
-
وكذلك قال ابن عبد الحكم وطائفة من المالكية العراقيين: أنه لا يبرد إلا بالصلاة في مساجد الجماعة دون من صلى منفرداً.
-
وذكر القاضي إسماعيل، عن ابن أبي أويس، عن مالك، قال: بلغني أن عمر قال لأبي محذورة: إنك بأرض حارة، فأبرد، ثم أبرد، ثم ناد، فكأنني عندك.
-
واختلفوا في المعنى الذي لأجله أمر بالإبراد.
-
فمنهم من قال: هو حصول الخشوع في الصلاة؛ فإن الصلاة في شدة الحر
vol. 4, p. 241كالصلاة بحضرة طعام تتوق نفسه إليه، وكصلاة من يدافع الأخبثين، فإن النفوس حينئذ تتوق إلى القيلولة والراحة، وعلى هذا فلا فرق بين من يصلي وحده أو في جماعة.
-
ومنهم من قال: هو خشية المشقة على من بعد من المسجد بمشيه في الحر، وعلى هذا فيختص الإبراد بالصلاة في مساجد الجماعة التي تقصد من الأمكنة المتباعدة.
-
ومنهم من قال: هو وقت تنفس جهنم.
-
وقد ثبت في " صحيح مسلم" من حديث عمرو بن عبسة، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: ((الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح، ثم اقصر عن الصلاة فإن حينئذ تسجر جهنم، فإذا أقبل الفيء، فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر) ) .
-
وفي " صحيحي ابن خزيمة وابن حبان" من حديث أبي هريرة - مرفوعاً، قال:
((فإذا انتصف النهار فاقصر عن الصلاة حتى تميل الشمس؛ فإن حينئذ تسعر جهنم، وشدة الحر من فيح جهنم، فإذا مالت الشمس فالصلاة محضورة مشهودة متقبلة حتى تصلي العصر) ) .
-
وخرجه ابن ماجه، ولفظه: " فإذا كانت - يعني: الشمس – على رأسك كالرمح فدع الصلاة؛ فإن تلك الساعة تسعر فيها جهنم، وتفتح فيها أبوابها، حتى تزيغ الشمس عن حاجبك الأيمن، فإذا زالت فالصلاة
vol. 4, p. 242محضورة متقبلة".
-
وهذا يدل على أن شدة الحر عقيب الزوال من أثر تسجرها، فكما تمنع الصلاة وقت الزوال، فإنه يستحب تأخرها بعد الزوال حتى يبرد حرها ويزول شدة وهجها؛ فإنه إثر وقت غضب، والمصلي يناجي ربه، فينبغي أن يتحرى بصلاته أوقات الرضا والرحمة، ويجتنب أوقات السخط والعذاب، وعلى هذا فلا فرق بين المصلي وحده وفي جماعة – أيضا.
-
والأمر بالإبراد أمر ندب واستحباب، لا أمر حتم وإيجاب، هذا مما لا خلاف فيه بين العلماء.
-
فإن شذ أحد من أهل الظاهر جرياً على عادتهم، ولم يبال بخرق إجماع المسلمين، كان محجوباً بالإجماع قبله، وبحديث عمرو بن عبسة وأبي هريرة المذكورين، فإنهما يصرحان بأن الصلاة بعد الزوال مشهودة محضورة متقبلة، ولم يفرق بين فرض ونفل.
-
وذهب طائفة من العلماء إلى أن الإبراد رخصة، وأن تركه سنة، والصلاة في أول الوقت بكل حال أفضل، وهو قول الليث بن سعد وطائفة من أصحاب الشافعي.
-
والأحاديث الصحيحة ترده.
-
وقد جعل مالك القول بترك الإبراد قول الخوارج.
-
وأماحد الإبراد، فقال القاضي أبو يعلى من أصحابنا: يكون بين الفراغ من الصلاة وبين آخر وقت الصلاة فضل.
vol. 4, p. 243وقال الشافعية: حقيقة الإبراد: أن يؤخر الصلاة عن أول الوقت بقدر ما يحصل للحيطان فيء يمشي فيه طالب الجماعة، ولا يؤخر عن النصف الأول من الوقت.
-
وحكى سفيان الثوري وإسحاق بن راهوية عن بعض العلماء، أنه إذا أخر الصلاة إلى نصف وقتها فلم يفرط، وإذا أخرها حتى كانت إلى وقت الصلاة الأخرى أقرب فقد فرط.
-
ولعله يريد: أنه يكره ذلك، لا أنه يحرم.
-
وأماصلاة الظهر في غير شدة الحر، فجمهور العلماء على أن الأفضل تعجيلها، وفيه خلاف عن مالك يأتي ذكره فيما بعد - إن شاء الله.
-
واستدل من لم ير استحباب الإبراد بحديث خباب بن الأرت: شكونا إلى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حر الرمضاء، فلم يشكنا، وقد ذكرناه في " باب: السجود على الثوب" ، وذكرنا أن الصحيح في تفسيره: أنهم طلبوا منه تأخير الصلاة بالهاجرة، فلم يجبهم إلى ذلك، وأمرهم بالصلاة إذا زالت الشمس.
-
وقد أجيب عنه بوجهين:
أحدهما: أنهم طلبوا منه التأخير الفاحش المقارب آخر الوقت، فلم يجبهم إليه.
-
والثاني: أنه منسوخ بالأمر بالإبراد، وهو جواب الإمام أحمد والأثرم.
-
واستدلا بحديث المغيرة بن شعبة، قال: كنا نصلي مع رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
vol. 4, p. 244الظهر بالهاجرة، فقال لنا: ((أبردوا بالصلاة؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم) ) .
-
خرجه الإمام أحمد وابن حبان في " صحيحه" وابن ماجه.
-
وزعمت طائفة أن معنى حديث خباب: أنهم شكوا إلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنهم يعذبون في رمضاء مكة في شدة الحر، وسألوه أن يدعو لهم، فلم يجبهم.
-
وهذا بعيد، وألفاظ الحديث ترده، وقد سبق ذكره.
-
وأماقوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((اشتكت النار إلى ربها) ) ، فالمحققون من العلماء على أن الله أنطقها بذلك نطقاًحقيقياً كما ينطق الأيدي والأرجل والجلود يوم القيامة، وكما أنطق الجبال وغيرها من الجمادات بالتسبيح والسلام على رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وغير ذلك مما يسمع نطقه في الدنيا.
-
ويشهد لذلك: ما خرجه الإمام أحمد والترمذي - وصححه -، من حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: ((يخرج عنق من النار يوم القيامة، لها عينان تبصران، وأذنان تسمعان، ولسان ينطق، يقول: إني وكلت بثلاثة: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلها آخر، وبالمصورين) ) .
-
وقد روي عن الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
-
خرجه الإمام أحمد - أيضا.
-
وقيل: إن هذا الإسناد هو المحفوظ.
- vol. 4, p. 245
وخرجه البزار بهذا الإسناد، ولفظ حديثه: ((يخرج عنق من النار يتكلم بلسان طلق ذلق، لها عينان تبصر بهما، ولها لسان تتكلم به) ) - وذكر الحديث.
-
وقوله: ((فأشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير) ) - بمعنى: أنه من تنفس جهنم.
-
وقد فسر ذلك الحسن بما يحصل منه للناس أذى من الحر والبرد.
قال ابن عبد البر: أحسن ما قيل في معنى هذا الحديث: ما روي عن الحسن البصري - رحمه الله -، قال: اشتكت النار إلى ربها، قالت: يارب، أكل بعضي بعضاً، فخفف عني. قال: فخفف عنها، وجعل لها كل عام نفسين، فما كان من برد يهلك شيئاً فهو من زمهريرها، وما كان من سموم يهلك شيئاً فهو من حرها.
-
وقد جعل الله تعالى ما في الدنيا من شدة الحر والبرد مذكوراً بحر جهنم وبردها، ودليلاً عليها، ولهذا تستحب الاستعاذة منها عند وجود ذلك.
-
كما روى عثمان الدارمي وغيره من رواية دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد - أو عن ابن حجيرة الأكبر، عن أبي هريرة، أو أحدهما - حدثه، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: ((إذا كان يوم حار، فإذا قال الرجل: لا إله إلا الله، ما أشد حر هذا اليوم، اللهم أجرني من حر
vol. 4, p. 246جهنم، قال الله لجهنم: إن عبداً من عبيدي استجارني من حرك، وأنا أشهدك أني قد أجرته، وإذا كان يوم شديد البرد، فإذا قال العبد: لا إله إلا الله، ما أشد برد هذا اليوم، اللهم أجرني من زمهرير جهنم، قال الله لجهنم: إن عبداً من عبادي قد استعاذني من زمهريرك، فإني أشهدك أني قد أجرته)) . قالوا: وما زمهرير جهنم؟ قال: ((بيت يلقى فيه الكافر فيتميز من شدة بردها) ) .