١٦- باب فضل صلاة العصر
164 paragraphs · vol. 4, p. 319
Page 3 of 5
- vol. 4, p. 331
والثاني: أن الجميع قضاء، وبه قطع أكثرهم.
- وأمامذهب أصحابنا:
-
فقال أكثرهم: لا فرق بين أن يدرك في الوقت
vol. 4, p. 332ركعة أو ما دونها، حتى لو أدرك تكبيرة الإحرام كان كإدراك ركعة.
-
واستدلوا بحديث " من أدرك سجدة" ، وقالوا: المراد به قدر سجدة.
-
وفيه نظر؛ فإن السجدة يراد بها الركعة، وهو المراد من هذا الحديث والله اعلم.
-
وحكى بعضهم رواية عن أحمد، أنه لا يكون مدركا لها في الوقت بدون إدراك ركعة كاملة، وبذلك جزم ابن أبي موسى في " إرشاده" ، وجعله مذهب أحمد ولم يحك عنه فيه خلافاً، فعلى هذا ينبغي أن يكون الجميع قضاء إذا لم يدرك في الوقت ركعة، وهو ظاهر قول الأوزاعي.
-
الحديث الثاني:
قال:
vol. 4, p. 332٥٥٧ - حدثنا عبد العزيز بن عبد الله: حدثني إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، أنه أخبره، أنه سمع رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: " إنما بقاؤكم فيما سلف من الأمم قبلكم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، أوتي أهل التوراة التوراة، فعملوا بها حتى إذا انتصف النهار عجزوا، فأعطوا قيراطاً قيراطاً، ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيل، فعملوا إلى صلاة العصر، ثم عجزوا، فأعطوا قيراطاً قيراطاً، ثم أوتينا القرآن، فعملنا إلى غروب الشمس، فأعطينا قيراطين قيراطين. فقال أهل الكتأبين: أي ربنا، أعطيت هؤلاء قيراطين قيراطين، وأعطيتنا قيراطاً قيراطاً، ونحن أكثر عملاً؟ قال الله: هل ظلمتكم
vol. 4, p. 333من أجركم من شيء؟ قالوا: لا. قال: فهو فضلي أوتيه من أشاء ".
-
قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " إنما بقاؤكم فيما سلف من الأمم قبلكم " إنما أراد به - والله أعلم -: أتباع موسى وعيسى عليهما السلام، وقد سمى الله بني إسرائيل بانفرادهم أمما، فقال:
{وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا} ? [الأعراف: ١٦٨] ؛ ولهذا فسر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذلك بعمل أهل التوارة بها إلى انتصاف النهار، وعمل أهل الإنجيل به إلى العصر، وعمل المسلمين بالقرآن إلى غروب الشمس.
-
ويدل على ذلك - أيضا -: حديث أبي موسى الذي خرجه البخاري بعد هذا، ولفظه: " مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل أستأجر قوما يعملون له إلى الليل " - وذكر الحديث، كما سيأتي - إن شاء الله.
-
وإنما قلنا: إن هذا هو المراد من الحديث؛ لأن مدة هذه الأمة بالنسبة إلى مدة الدنيا من أولها إلى آخرها لا يبلغ قدر ما بين العصر إلى غروب الشمس بالنسبة إلى ما مضى من النهار، بل هو أقل من ذلك بكثير.
-
ويدل عليه صريحا: ما خرجه الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي سعيد، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى بهم صلاة العصر يوماً بنهار، ثم قام خطيباً، فلم يدع شيئاً يكون إلى قيام الساعة إلا أخبرنا به - فذكر الحديث بطوله، وقال في آخره: قال: وجعلنا نلتفت إلى الشمس هل بقي منها شيء، فقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " الا إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه ".
وقال الترمذي: حديث حسن.
-
وخرج الإمام أحمد من حديث ابن عمر، قال: كنا جلوسا عند النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والشمس على قعيقعان بعد العصر، فقال: " ما أعماركم في أعمار من مضى إلى كما بقي من النهار فيما مضى منه ".
-
ومن حديث ابن عمر، أنه كان واقفا بعرفات ينظر إلى الشمس حين تدلت مثل الترس للغروب، فبكى، وقال: ذكرت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو واقف بمكاني هذا، فقال: " أيها الناس، لم يبق من دنياكم فيما مضى إلا كما
vol. 4, p. 334بقي من يومكم هذا فيما مضى منه ".
-
ويشهد لذلك من الأحاديث الصحيحة: قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " بعثت أنا والساعة كهاتين "، وقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى.
-
خرجاه في " الصحيحين" من حديث أنس، وخرجاه - أيضا - بمعناه من حديث أبي هريرة وسهل بن سعد.
-
وخرجه مسلم بمعناه من حديث جابر.
- vol. 4, p. 335
وخرج الترمذي من حديث المستورد بن شداد، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: " بعثت في نفس الساعة، فسبقتها كما سبقت هذه هذه" - لأصبعيه: السبابة والوسطى.
-
وفي " مسند الإمام أحمد" عن بريدة، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: " بعثت أنا والساعة جميعاً، إن كادت لتسبقني" .
-
وروى الإمام أحمد –أيضا: ثنا أبو ضمرة: حدثني أبو حازم، لا أعلمه إلا عن سهل بن سعد، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: " مثلي ومثل الساعة كهاتين" - وفرق كذا بين أصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام، ثم قال: " مثلي ومثل الساعة كمثل فرسي رهان" ، ثم قال: "مثلي ومثل الساعة كمثل رجل بعثه قومه طليعة، فلما خشي أن يسبق الاح بثوبه أتيتم أتيتم" . ثم يقول رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أنا ذاك" .
-
وكل هذا النصوص تدل على شدة اقتراب الساعة، كما دل عليه قوله تعالى:
{اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} [القمر:١] ، وقوله تعالى: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ} [الأنبياء:١] .
-
وقد فسر قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " بعثت أنا والساعة كهاتين" - وقرن بين السبابة والوسطى بقرب زمانه من الساعة، كقرب السبابة من الوسطى، وبأن زمن بعثته تعقبه السعة من غير تخلل نبي آخر بينه وبين الساعة، كما قال في الحديث الصحيح: " أنا الحاشر،
vol. 4, p. 336يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب ".
-
فالحاشر: الذي يحشر الناس لبعثهم يوم القيامة على قدمه - يعني: ان بعثهم وحشرهم يكون عقيب رسالته، فهو مبعوث بالرسالة وعقيبه يجمع الناس لحشرهم.
-
والعاقب: الذي جاء عقيب الأنبياء كلهم، وليس بعده نبي، فكان إرساله من علأماالساعة.
-
وفي " المسند "، عن ابن عمر، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: " بعثت بالسيف بني يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له ".
-
وفسر قتادة وغيره قوله: " كهاتين" - وأشار بالسبابة والوسطى، بأن المراد: كفضل إحداهما على الأخرى – يعني: كفضل الوسطى على السبابة.
-
وقد ذكر ابن جرير الطبري: أن فضل ما بين السبابة والوسطى نحو نصف سبع، وكذلك قدر ما بين صلاة العصر في أوسط نهارها بالإضافة إلى باقي النهار نصف سبع اليوم تقريباً، فإن كانت الدنيا سبعة آلاف سنة، فنصف يوم خمسمائة سنة.
-
وقد روي في ذلك حديث ابن زمل - مرفوعاً - أن الدنيا سبعة آلاف سنة، وأنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في آخرها ألفاً.
- vol. 4, p. 337
وإسناده لا يصح.
-
ويشهد لهذا الذي ذكره ابن جرير: ما خرجه أبو داود من حديث أبي ثعلبة الخشني، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: " لن يعجز الله هذه الأمة من نصف يوم" .
-
وروي موقوفاً، ووقفه أصح عند البخاري وغيره.
-
وخرج أبو داود –أيضا - بإسناد منقطع عن سعد، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: " إني لأرجو أن لا يعجز امتي عند ربهم أن يؤخرهم نصف يوم" . قيل لسعد: كم نصف يوم؟ قال: خمسمائة سنة.
-
وإن صح هذا، فإنما يدل على أنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رجا لأمته تاخير نصف يوم، فأعطاه الله رجاءه وزاده عليه، فإنا الآن في قريب رأس الثمانمائة من الهجرة، وما ذكره ابن جرير من تقدير ذلك بنصف سبع يوم على التحديد لا يصلح، وقد ذكر غيره أن المسبحة ستة أسباع الوسطى طولاً، فيكون بينهما من الفضل سبع كامل، وذلك ألف سنة، على تقدير أن تكون الدنيا سبعة آلاف سنة، وأن بعثة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في آخرها ألفاً، وهذا – أيضا - لا يصح، ولا يبلغ الفضل بينهما سبعاً كاملاً.
-
وقيل: إن قدر الفضل بينهما نحو من ثمن، كما سنذكره - ان شاء الله.
- vol. 4, p. 338
وفي " صحيح مسلم" عن أنس، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: " بعثت أنا والساعة كهاتين" . قال: وضم السبابة والوسطى.
-
وقد سبق في رواية الإمام أحمد، أنه فرق بينهما، وقد ذكر بعضهم على تقدير صحة رواية التفريق ان فرج ما بين الأصابع الخمسة ستة امثال فرجة ما بين السبابة والوسطى، وحجم الأصابع الخمس ضعف ما بين المسبحة والوسطى، فيكون حجم الأصابع الخمس مع الفرج الأربع الواقعة بينهم ثمانية أجزاء فرجة ما بين السبابة والوسطى جزء منها.
-
ويئول المعنى إلى أن ما بينه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وبين الساعة قدر ثمن الدنيا، وهو ثمانمائة وخمس وسبعون سنة على تقدير ما تقدم ذكره.
قال: ويعتضد ذلك بقوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((إنما بقاؤكم فيما سلف من الأمم كما بين صلاة العصر والمغرب) ) ، فإن ما بين العصر والغرب قريب من ثُمن زمان دورة الفلك التامة مرةً واحدة، وهي أربعة وعشرون ساعة. انتهى ما ذكره.
-
وأخذ بقاء ما بقي من الدنيا على التحديد من هذه النصوص لا يصح؛ فإن الله استأثر بعلم الساعة، ولم يطلع عليه أحداً من خلقه، وهو من مفاتح الغيب الخمس التي لا يعلمها إلا الله؛ ولهذا قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((ما المسؤول عنها بأعلم من السائل) ) . وإنما خرج هذا من النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على وجه التقريب للساعة من غير تحديد لوقتها.
- vol. 4, p. 339
وقد قدمنا أن المراد بهذا الحديث مدةُ أمة محمد - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مع مدة أمة موسى وعيسى عليهم السلام، فمدة هذه الأمم الثلاث كيوم تام، ومدة ما مضى من الأمم في أول الدنيا كليلة هذا اليوم؛ فإن الليل سابق للنهار، وقد خلق قبله على أصح القولين، وتلك الليلة السابقة كان فيها نجومُ تضيء ويهتدى بها، وهم الأبيياء المبعوثون فيها، وقد كان –أيضا - فيهم قمرٌ منير، وهو إبراهيم الخليل عليه السلام، إمام الحنفاء ووالدُ الأنبياء، وكان بين آدم ونوح ألف سنة، وبين نوح وإبراهيم ألف سنة، وبين إبراهيم وموسى عليه السلام ألف سنة. قال ذلك غير واحد من المتقدمين، حكاه عنهم الواقدي.
-
وذكر بعض علماء أهل الكتاب أن من آدم إلى إبراهيم ثلاثة آلاف وثلاثمائة وثمان وعشرون سنة، ومن إبراهيم إلى خروج موسى من مصر خمسمائة وسبع وستون سنة، وذكر إن من آدم إلى مولد المسيح خمسة آلاف وخمسمائة سنة، ومن مولد المسيح إلى هجرة محمد - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ستمائة وأربع عشر سنة، ومن آدم إلى الهجرة ستة آلاف سنة ومائة وأربع عشرة سنة، ومن خروج بني أسرائيل إلى الهجرة ألفان ومائتان وتسع وسبعون سنة، ولكن إنما يؤرخون بالسنة الشمسية لا القمرية.
-
وأماابتداء رسالة موسى عليه السلام فكانت كابتداء النهار، فإن موسى وعيسى ومحمداً - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هم أصحاب الشرائع والكتب المتبعة والأمم العظيمة.