المبحث التاسع: أصول في تعديل الرواة
123 paragraphs · vol. 1, p. 296
Page 3 of 4
- vol. 1, p. 313
وقول ناقد الشاميين دحيم في (مرزوق بن أبي الهذيل) : " صحيح الحديث عن الزهري، وما أعلم أحداً روى عنه غير الوليد "، وقال أبو حاتم الرازي: " حديثه صالح، لا أعلم رَوى عنه غير الوليد بن مسلم " (٤) .
- (٤)الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم (٤/ ١ / ٢٦٥).
-
وقول أبي زرعة الرازي في (نبيح بن عبد الله العنزي) : " كوفي ثقة، لم يرو عنه غير الأسود بن قيس " (٥) .
- (٥)الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم (٤/ ١ / ٥٠٨).
-
وقول أبي زرعة كذلك في (يعقوب بن عبد الله بن أبي طلحة) : " ثقة،
vol. 1, p. 314ولم يرو عنه إلا أسامة بن زيد، ولا أعرفه إلا في هذا الحديث الواحد: حديث أبي طلحة، وما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طعامه " (١) .
- (١)الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم (٤/ ٢٠٨ _ ٢٠٩).
-
ومما يدخل ضمن هذا جماعة ربما حكم أبو حاتم عليهم بالجهالة، لكنه وصف حديثهم بالاستقامة؛ لأن أحدهم لم يعرف له إلا الحديث أو الشيء اليسير جداً، وتبين أن ذلك محفوظ صحيح من غير طريقهم، فهؤلاء لاحقون بالعدول.
- توضيح:
-
من عرف أنه لا يروي إلا عن ثقة على نوعين:
أحدهما: من عرف من شأنه التثبت والتحري في انتخاب الرواية عن الثقات عنده خاصة، كمالك بن أنس وشعبة بن الحجاج ويحيى القطان وابن مهدي وأحمد بن حنبل وأبي زرعة، فمجرد رواية أحدهم عن الرجل توثيق، بمنزلة تصريحهم بالقول: (هو ثقة) .
-
وثانيهما: من عرف بالتتبع أنه لا يروي إلا عن ثقة، وذلك بتتبع شيوخه الذين روى عنهم وحديثهم، فتبين كونهم ثقات، فهم ثقات عند من أطلق العبارة في شيوخ ذلك الراوي من الحفاظ.
-
كقول أبي داود السجستاني: " شيوخ حريز كلهم ثقات "، فهذا حكم بتعديل جميع شيوخ حريز بن عثمان من قبل أبي داود، وكقول أبي حاتم الرازي: " يحيى بن أبي كثير إمام لا يحدث إلا عن ثقة "، فهذا حكم بتعديل جميع شيوخ ابن أبي كثير من قبل أبي حاتم.
-
فإن قلت: فماذا لو وجدنا في بعض أولئك الشيوخ من جرح؟
قلت: ذلك اختلاف جرح وتعديل، يرجح راجحه بحجته.
- vol. 1, p. 315
الأصل السابع: تصحيح الناقد لإسناد حديث، هل يفيد تعديلاً منه لرواته؟
-
وتصحيح الناقد للإسناد أو ما ينزل منزلة تصحيحه، كتحسينه، تعديل منه لأفراد رواته، إذ موجب الحكم بالصحة أو الحسن للإسناد المعين ثقة الرواة.
-
ومثاله: (يزيد بن عبد الرحمن الأودي) ، أخرجه له الترمذي حديثه عن أبي هريرة في حسن الخلق، وقال: " حديث صحيح غريب " (١) .
- (١)الجامع (رقم: ٢٠٠٤).
-
فحكم الترمذي على الحديث بالصحة، مع الغرابة المطلقة، وهي الغرابة في أصل الإسناد، فهو بمنزلة لو قال: (إسناده صحيح) ، فلا يقال: يحتمل أن يكون الترمذي صححه لغيره، فذلك قد يصح في الغرابة النسبية.
-
فحيث حكم بتصحيح الإسناد لذاته؛ فهو حكم منه بثقة رواته عنده، إذ شرط صحة الإسناد ثقة رواته، فدل على أن يزيد هذا ثقة عند الترمذي.
-
وذكر أبو الحسن ابن القطان حديث الفريعة بنت مالك في مكث المتوفى عنها زوجها في بيت زوجها الذي كانت فيه حتى يبلغ الكتاب أجله، وهو من رواية سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن عمته زينب بنت كعب، عن الفريعة، قال فيه الترمذي: " حديث حسن صحيح " (٢) .
ثم قال ابن قطان: " الحديث الصحيح، فإن سعد بن إسحاق ثقة، وممن وثقه النسائي، وزينب كذلك ثقة، وفي تصحيح الترمذي إياه توثيقها وتوثيق سعد بن إسحاق، ولا يضر الثقة أن لا يروي عنه إلا واحد " (٣) .
قلت: وابن قطان من أكثر المتأخرين توسعاً في تجهيل الرواة الذين
vol. 1, p. 316لا يعرفون بتوثيق قديم، ومع ذلك يجعل من تصحيح الترمذي حجة على توثيق رواة الإسناد الذي صححه.
- (٢)الجامع (رقم: ١٢٠٤).
- (٣)بيان الوهم والإيهام، لابن القطان (٥/ ٣٩٥).
-
ووقع منه أنه قال في (عمرو بن بجدان) وقد ذكر من روايته حديثاً نقل عن الترمذي تحسينه له (١) : " لا يعرف لعمرو بن بجدان هذا حال " (٢) ، فتعقبه ابن دقيق العيد بقوله: " ومن العجب كون ابن قطان لم يكتف بتصحيح الترمذي في معرفة حال عمرو بن بجدان، مع تفرده بالحديث، وهو قد نقل كلامه: (هذا حديث حسن صحيح) ، وأي فرق بين أن يقول: هو ثقة؟ أو يصحح له حديثاً انفرد به؟ وإن كان توقف عن ذلك لكونه لم يرو عنه إلا أبو قلابة، فليس هذا بمقتضى مذهبه، فإنه لا يلتفت إلى كثرة الرواة في نفي جهالة الحال، فكذلك لا يوجب جهالة الحال بانفراد راو واحد عنه بعد وجود ما يقتضي تعديله , وهو تصحيح الترمذي " (٣) .
- (١)وفي " الجامع " للترمذي (رقم: ١٢٤): " حديث حسن صحيح ".
- (٢)بيان الوهم والإيهام (٣/ ٣٢٧).
- (٣)نقله الزيلعي في " نصب الراية " (١/ ١٤٩).
-
قال الذهبي بعد أن جعل تخريج حديث الراوي في (الصحيحين) توثيقاً للراوي الذي لم يذكر بجرح أو تعديل: " وإن صحح له مثل الترمذي وابن خزيمة فجيد أيضاً، وإن صحح له كالدارقطني , والحاكم فأقل أحواله حسن حديثه " (٤) .
- (٤)الموقظة (ص: ٧٨).
- ويلحق بهذا الأصل مسألتان:
-
المسألة الأولى: عمل الناقد بحديث الراوي، وذهابه إلى مقتضاه.
قال الخطيب: " إذا عمل العالم بخبر من روى عنه لأجله، فإن ذلك تعديل له يعتمد عليه؛ لأنه لم يعمل بخبره إلا وهو رضى عنده عدل، فقام عمله بخبره مقام قوله: (هو عدل مقبول الخبر) ، ولو عمل العالم بخبر من
vol. 1, p. 317ليس عنده عدلاً، لم يكن عدلاً يجوز الأخذ بقوله والرجوع إلى تعديله؛ لأنه إذا احتملت أمانته أن يعمل بخبر من ليس بعدل عنده، احتملت أمانته أن يزكي ويعدل من ليس بعدل " (١) .
قلت: لكن الواجب مراعاته في هذا أن يكون العالم عارفاً بالنقلة، وأن يكون مستنده في العمل هو ذلك الحديث لذاته.
- (١)الكفاية (ص: ١٥٥).
-
فإن كان العامل بالخبر من عامة الفقهاء وليس ممن له اشتغال بتمييز النقلة، فلا عبرة بعمله بالرواية لتقوية رواتها، والواقع شاهد بعمل الفقيه غير البصير بالحديث ورواته بالأحاديث الواهية فضلاً عن الضعيفة.
-
وإن كان عمل بالحديث مضموماً إلى دليل آخر عنده، فقد يكون استأنس بذلك الحديث ولم يحتج به، فلا يعتبر ذلك تعديلاً منه لرواته.
-
المسألة الثانية: تخريج حديث الرواي في الصحاح هل يعد تعديلاً له من قبل من خرج له؟
-
الأصل أن تخرج الحديث في الكتاب الموصوف بالصحة في جميع الكتب المعروفة بذلك أن الحديث المحتج به فيها قد استوفى شروط الصحة، وذلك يوجب أن يكون من خرج حديثه في هذه الكتب على سبيل الاحتجاج ثقة أو صدوقاً عند صاحب (الصحيح) ، بمنزلة تصريحه بالقول: (هو ثقة) ، أو: (هو صدوق) .
-
وهذه تنبيهات تتصل بهذه المسألة:
التنبيه الأول: اعلم أنه ليس في رواة " الصحيحين " ممن خرج حديثه احتجاجاً من يصح وصفه بالجهالة، وذلك لكون تصحيح صاحب الصحيح له تزكية ترفعه إلى مصاف الثقات، ومن كان من أولئك قد وصفهم بعض النقاد بالجهالة، فذلك بناء على ما عندهم في حال أولئك النقلة، وزاد
vol. 1, p. 318صاحب الصحيح خبرة بأمره، فزكاه، من أولئك: بيان بن عمرو، والحسين بن الحسن بن يسار، ومحمد بن الحكم المروزي.
قال الذهبي: " فإن خرج حديث هذا في (الصحيحين) فهو موثق بذلك " (١) .
وقال: " من أخرج له الشيخان على قسمين:
أحدهما: ما احتجا به في الأصول.
- (١)الموقظة (ص: ٧٨).
-
وثانيهما: من خرجا له متابعة وشاهداً واعتباراً.
-
فمن احتجا به أو أحدهما ولم يوثق ولا غمز، فهو ثقة حديثه قوي، ومن احتجا به أو أحدهما وتكلم فيه: فتارة يكون الكلام فيه تعنتاً والجمهور على توثيقه، فهذا حديثه قوي أيضاً، وتارة يكون الكلام في تليينه وحفظه له اعتبار، فهذا حديثه لا ينحط عن مرتبة الحسن التي قد نسميها من أدنى درجات الصحيح، فما في الكتابين بحمد الله رجل احتج به البخاري أو مسلم في الأصول ورواياته ضعيفة، بل حسنة أو صحيحة.
-
ومن خرج له البخاري أو مسلم في الشواهد والمتابعات، ففيهم من في حفظه شيء، وفي توثيقه تردد.
-
فكل من خرج له في (الصحيحين) فقد قفز القنطرة، فلا معدل عنه إلا ببرهان بين " (٢) .
قلت: وكثير من النقاد بعد الإمامين يحتجون بالراوي يحتج به الشيخان أو أحدهما، ويعدونه بذلك قد جاز القنطرة، ويجعلونه في كفة ترجيح ثقة الراوي المختلف فيه.
vol. 1, p. 319قال ابن عدي في (عبد الله بن يوسف التنيسي) : " البخاري مع شدة استقصائه اعتمد عليه في مالك وغيره، ومنه سمع (الموطأ) ، وله أحاديث صالحة، وهو خير فاضل " (١) .
وقال في (علي بن الجعد) : " والبخاري مع شدة استقصائه يروي عنه في صحاحه " (٢) .
- (٢)الموقظة (ص: ٧٩ _ ٨٠).
- (١)الكامل (٥/ ٣٤٢).
- (٢)الكامل (٦/ ٣٦٦).
-
كذلك قال في (فليح بن سليمان) : " اعتمده البخاري في (صحيحه) ، وروى عنه الكثير، وهو عندي لا بأس به " (٣) .
قلت: لكن الواجب أن لا تجعل هذه قاعدة مطردة في كل ما روى ذلك الراوي؛ لأن الشيخين كان من منهجهما الانتقاء من حديث من عرف بضعف من أهل الصدق، فالصواب أن يستفاد من احتجاج الشيخين أو أحدهما براو أنه مقبول من حيث الجملة، لكن حديثه المعين غير المخرج في الصحيح يجب الاحتياط في قبوله حتى يثبت أنه محفوظ، ليوافق منهج صاحب (الصحيح) في الانتقاء (٤) .
- (٣)الكامل (٧/ ١٤٤).
- (٤)وانظر البحث في: شرط الشيخين.
-
قال الزيلعي عقب حديث يرويه أبو أويس المدني في الجهر بالبسملة: " لو ثبت هذا عن أبي أويس فهو غير محتج به؛ لأن أبا أويس لا يحتج بما انفرد به، فكيف إذا انفرد بشيء وخالفه فيه من هو أوثق منه؟ مع أنه متكلم فيه، فوثقه جماعة، وضعفه آخرون .. ومجرد الكلام في الرجل لا يسقط حديثه، ولو اعتبرنا ذلك لذهب معظم السنة؛ إذ لم يسلم من كلام الناس إلا من عصمه الله، بل خرجا في (الصحيح) لخلق ممن تكلم فيهم، منهم: جعفر بن سليمان الضبعي، والحارث بن عبيد الإيادي، وأيمن بن نابل
vol. 1, p. 320الحبشي، وخالد بن مخلد القطواني، وسويد بن سعيد الحدثاني، ويونس بن أبي إسحاق السبيعي، وغيرهم. ولكن صاحبا الصحيح رحمهما الله إذا أخرجا لمن تكلم فيه، فإنهم ينتقون من حديثه ما توبع عليه وظهرت شواهده، وعلم أن له أصلاً، ولا يروون ما تفرد به، سيما إذا خالفه الثقات، كما أخرج مسلم لأبي أويس حديث: " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي " ؛ لأنه لم يتفرد به، بل رواه غيره من الأثبات، كمالك وشعبة وابن عيينة، فصار حديثه متابعة " (١) .
- (١)نصب الراية (١/ ٣٤١ _ ٣٤٢).
-
التنبيه الثاني: يلاحظ أن من أخرج لهم البخاري تعليقاً، أو مسلم في " مقدمة صحيحه " فهؤلاء ليس لهم شرط الصحيح، فلا يستدل بذلك على تعديلهم.
قال ابن القيم: " مسلم لم يشترط فيها (أي المقدمة) ما شرطه في الكتاب من الصحة، فلها شأن، ولسائر كتابه شأن آخر، ولا يشك أهل الحديث في ذلك " (٢) .
- (٢)الفروسية (ص: ٦٣).
-
التنبيه الثالث: ما سوى " الصحيحين " من الكتب المجردة لـ (الصحيح) ، وذلك مثل: صحيح ابن خزيمة، وكتاب " التوحيد " له، وصحيح ابن حبان، فمن خرج له في شيء من هذه الكتب فلا يخلو أن يكون احتجاجاً أو متابعة، فما كان احتجاجاً فهو ثقة عند المخرج، وما كان متابعة فقد يكون ثقة وقد يكون دون ذلك، لكن يعتبر به عند ذلك المخرج على أقل الدرجات.
-
والحاكم كذلك فيمن يحكم على أسانيدهم بالصحة في " مستدركه "، لا في جميع من يخرج لهم، فإنه ربما حشا في كتابه ما ليس على شرطه فيه أصلاً، كما صنع في كتاب " الصحابة " منه.
- vol. 1, p. 321
وتبقى مسألة الاحتجاج بتخريج ذلك الإمام كتعديل منه للراوي تابعة لكونه ممن يعتد بتعديله أو لا.
-
الأصل الثامن: صيغة التعديل للجماعة على سبيل الاشتراك معتبرة، لكنها لا توجب الاحتجاج بأحدهم عند الانفراد.
-
وذلك كقول الناقد في جمع الرواة إلى بعضهم في سياق واحد: " رواه الثقات فلان وفلان " ويسمي جماعة، فهذا توثيق منه لهم على الاجتماع، لا على الانفراد، وإنما يراعى في الانفراد الوصف اللائق بكل منهم، فإنه قد يجمع أصحاب الدرجة العليا في الضبط مع الدنيا، ولأجل اتفاقهم في تلك الرواية ساقهم مساقاً واحداً، ولذا فربما وجدت فيهم من يعتبر به، ولا يبلغ الاحتجاج.
-
لكن يرفع ذلك من الجهالة إذا كان في السياق من روى من المجهولين ما رواه الثقات.
-
والدارقطني يستعمل مثل هذا في كتاب " العلل " .
-
الأصل التاسع: قول الناقد: (إن كان هذا فلاناً فهو ثقة) فهو توثيق منه لذلك المسمى.
-
وذلك مثل ما حكاه البرقاني عن الدارقطني وسأله: ابن أبي فديك يروي عن عبد الله بن يزيد عن أبيه عن أبي هريرة؟ فقال: " إن كان هذا يزيد مولى المنبعث فهو ثقة " (١) .
- (١)سؤالات البرقاني (النص: ٢٥٥).