المبحث الخامس: درجات سوء الحفظ

113 paragraphs · vol. 1, p. 436

Page 3 of 3

  1. وهذه حال خارجة عن وصف الثقة، إذ هذا الصنف من الرواة ضعفاء.

    vol. 1, p. 453
  2. وصورته: الراوي يختلط فيأتي بالمنكرات بسبب اختلاطه، ولا يتميز ما حدث به على الصحة من غيره.

  3. فهذا يضعف مطلقاً، وغاية أمره أن يصلح حديثه للاعتبار، إذا لم يبلغ حد الترك.

  4. ومن مثاله: (ليث بن أبي سليم) ، قال مؤمل بن الفضل _ وكان ثقة _: قلنا لعيسى بن يونس: لم تسمع من ليث بن أبي سليم؟ قال: " قد رأيته وكان قد اختلط، وكان يصعد المنارة ارتفاع النهار فيؤذن " (١) .

    وقال ابن حبان في (عبيد بن معتب) : " كان ممن اختلط بأخرة، حتى يجعل يحدث بالأشياء المقلوبة عن أقوام أئمة، ولم يتميز حديثه القديم من حديثه الجديد، فبطل الاحتجاج به " (٢) .

    1. (١)أخرجه ابنُ أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (٣/ ٢ / ١٧٨) وابنُ حبان في " المجروحين " (١/ ٦٨، و ٢/ ٢٣٢) بإسناد صحيح.
    2. (٢)المجروحين (٢/ ١٧٣).
  5. وممن وقع له ذلك ولم يتميز من حمل عنه قبل اختلاطه ممن حمل عنه بعده، فضعف مطلقاً (يزيد بن أبي زياد) ، قال ابن حبان: " كان يزيد صدوقاً، إلا أنه لما كبر ساء حفظه وتغير، فكان يتلقن ما لقن، فوقع المناكير في حديثه من تلقين غيره إياه وإجابته فيما ليس من حديثه؛ لسوء حفظه، فسماع من سمع منه قبل دخوله الكوفة في أول عمره سماع صحيح، وسماع من سمع منه في آخر قدومه الكوفة بعد تغير حفظه وتلقنه ما يلقن سماع ليس بشيء " (١) .

    قلت: ولا يكاد يتميز شيء مما حدث به قبل التغير، إلا أن يظهر بالمتابعة، أما لذاته فضعيف.

    1. (١)المجروحين (٣/ ١٠٠).
    vol. 1, p. 454
  6. التخليط غير الاختلاط بأخرة:
  7. التخليط اختلال عارض في الضبط يقع في حال الصحة لا الخرف.

  8. ومنه قول أبي حاتم الرازي في (أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ابن أخي عبد الله بن وهب: " كتبنا عنه وأمره مستقيم، ثم خلط بعد، ثم جاءني خبره أنه رجع عن التخليط " ، وقال: " كان صدوقاً " .

    قال ابن أبي حاتم: سمعت أبا زرعة وأتاه بعض رفقائي، فحكى عن أبي عبيد الله ابن أخي ابن وهب أنه رجع عن تلك الأحاديث، فقال أبو زرعة: " إن رجوعه مما يحسن حاله، ولا يبلغ به المنزلة التي كان قبل ذلك " (٢) .

    1. (٢)الجرح والتعديل (١/ ١ / ٦٠).
  9. وهذا زال تخليطه وضبط حديثه ورجع عن خطئه.

  10. ومن الرواة من يقع ذلك له فيتمكن منه سوء الحفظ، حتى لا يقيم الحديث.

  11. مثل (إسماعيل بن مسلم المكي) ، وقد ضعفوه، قال يحيى القطان: " لم يزل مخلطاً، كان يحدثنا بالحديث الواحد على ثلاثة ضروب " (١) .

    1. (١)أخرجه ابنُ أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (١/ ١ / ١٩٨) بإسناد صحيح.
    vol. 1, p. 455
  12. ومثل (صالح بن أبي الأخضر) ، قال عمرو بن علي: سمعت معاذ بن معاذ العنبري، وذكر صالح بن أبي الأخضر، فقال: سمعته يقول: سمعت من الزهري، وقرأت عليه، فلا أدري هذا من هذا، فقال يحيى بن سعيد القطان وهو إلى جنبه: " لو كان هكذا لكان خيراً، ولكنه سمع وعرض، ووجد شيئاً مكتوباً، فقال: لا أدري هذا من هذا " (٢) .

    وقال ابن حبان: " يروي عن الزهري أشياء مقلوبة .. اختلط عليه ما سمع من الزهري بما وجد عنده مكتوباً، فلم يميز هذا من ذاك " .

    قال: " من اختلط عليه ما سمع بما لم يسمع ثم لم يرع عن نشرها بعد علمه بما اختلط عليه منها، حتى نشرها وحدث بها وهو لا يتيقن بسماعها؛ لبالحري (٣) أن لا يحتج به في الأخبار؛ لأنه في معنى من يكذب وهو شاك، أو يقول شيئاً وهو يشك في صدقه، والشاك في صدق ما يقول لا يكون بصادق " (٤) .

    1. (٢)المجروحين (١/ ٣٦٨ _ ٣٦٩)، وانظر: الجرح والتعديل (٢/ ١ / ٣٩٤).
    2. (٣)أي: جدير.
    3. (٤)المجروحين (١/ ٣٦٨، ٣٦٩).
  13. الصنف الرابع: من غلب عليه سوء الحفظ، فغلب في حديثه احتمال خطئه ووهمه، مع بقاء وصف الصدق له في الجملة.

  14. وهذا كثير في الرواة المجروحين، ممن يعتبر بحديثهم، ولم يسقطوا، وتقدم له أمثلة كثيرة في الرواة كليث بن أبي سليم، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعلي بن زيد بن جدعان، وشبههم من الضعفاء الذين يكتب حديثهم ويعتبر به.

  15. القسم الثاني: فساد الضبط إلى حد

    أن يكون الراوي متروك الحديث

    وهذا يقع بغلبة المناكير على حديث الراوي، فيوصف بكونه: " منكر الحديث " ، أو " متروك الحديث " .

    vol. 1, p. 456
  16. فأما أن يكون " متروك الحديث " فلا يدخل هذا الوصف اشتباه، إذ هو الراوي غلب عليه الوهم والخطأ حتى فحش، وغلبت المنكرات على حديثه، حتى ربما أورده الشبهة عليه بالكذب، فاتهم به بناء على ذلك، كما بينت بعض أمثلته في (المبحث الثاني) .

  17. ومن مثاله (عبد الله بن سلمة الأفطس) اتفقوا على كونه متروك الحديث، بل اتهم، ويفسر ابن حبان جرحه بقوله: " كان سيىء الحفظ، فاحش الخطأ، كثير الوهم " (١) .

    1. (١)المجروحين (٢/ ٢٠).
  18. ولكن يقع الاشتباه في الراوي يوصف بكونه (منكر الحديث) ، فإن تلك النكارة على درجات في عبارات النقاد، بينتها في (تفسير عبارات الجرح والتعديل) ، وفي (القسم الثاني) عند الكلام على (الحديث المنكر) ، حيث أطلقت على الراوي لا يبلغ الترك، كما أطلقت على المتروك.

  19. طريق كشف النكارة:
  20. والمعتبر في وصف الراوي بذلك في الأصل هو ما أتى به من الروايات المنكرة التي علمت نكارتها، بالتفرد بغير المعروف، أو بالمخالفة للمعروف، بالقدر الذي يغلب على حديث الراوي.

  21. كما قال مسلم بن الحجاج: " علامة المنكر في حديث المحدث: إذا ما عرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضى،

    vol. 1, p. 457خالفت روايته روايتهم، أو لم تكد توافقها، فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك، كان مهجور الحديث، غير مقبوله ولا مستعلمه، فمن هذا الضرب من المحدثين: عبد الله بن محرر، ويحيى بن أبي أنيسة، والجراح بن المنهال أبو العطوف، وعباد بن كثير، وحسين بن عبد الله بن ضميرة، وعمر بن صهبان، ومن نحا نحوهم في رواية المنكر من الحديث، فلسنا نعرج على حديثهم ولا نتشاغل به " (١) .

    1. (١)مُقدمة صحيح مُسلم (ص: ٧).
  22. ومن طريق كشف نكارة الحديث: أن يستغرب الحديث مما تفرد به عن الثقة، فيبحث عن أصله في كتب ذلك الثقة وقد عرف اعتناؤه بحديثه ورجوعه إلى أصول، فلا يوجد فيها الحديث، فيعرف بذلك أن الحديث منكر.

    قال أبو داود السجستاني: سمعت أحمد سئل عن حديث إبراهيم بن سعد عن أبيه، عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الأئمة من قريش "؟ قال: " ليس هذا في كتب إبراهيم، لا ينبغي أن يكون له أصل " (٢) .

    1. (٢)مسائل الإمام أحمد، رواية أبي داود (ص: ٢٨٩).
  23. ومن أمثلته في الرواة: (محمد بن أبي حميد الزرقي) ، قال أحمد بن حنبل: " أحاديثه أحاديث مناكير " (٣) ، وفي معناه قول يحيى بن معين المجمل: " ليس بشيء " (٤) ، وقال أبو حاتم: " منكر الحديث، ضعيف الحديث، مثل ابن أبي سبرة ويزيد بن عياض، يروي عن الثقات المناكير " (٥) .

    قلت: وهذا منكر الحديث، قد يتردد في بلوغه الترك.

    1. (٣)العلل ومعرفة الرجال (النص: ٢٨١١).
    2. (٤)تاريخ يحيى بن مَعين (النص: ٨٠٠).
    3. (٥)الجرح والتعديل (٣/ ٢ / ٢٣٤).
  24. و (مغيرة بن زياد الموصلي) ، قال أحمد بن حنبل: " ضعيف الحديث " ، وقال: " روى عن عطاء عن ابن عباس في الرجل تحضره الجنازة، قال: لا بأس أن يصلي عليها ويتيمم " ، قال أحمد: رواه ابن جريج وعبد الملك عن عطاء، مرسل "، قال أحمد: " وروى عن عطاء عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم: من صلى في يوم ثنتي عشرة ركعة. وهذا يروونه عن عطاء عن عنبسة عن أم حبيبة: من صلى في يوم ثنتي عشرة ركعة بني له بيت في الجنة. وروى عن عطاء عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر قصر وأتم، والناس يروونه عن عطاء، مرسل " (١) .

    وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن حديث المغيرة بن زياد عن عطاء عن عائشة قالت: قصر النبي صلى الله عليه وسلم في السفر وأتم، وصام وأفطر، يصح؟ قال: " له أحاديث منكرة "، وأنكر هذا الحديث (٢) .

    وقال أحمد مرة: " ضعيف الحديث، له أحاديث منكرة "، وفي موضع آخر: " ضعيف الحديث، أحاديثه أحاديث مناكير "، وفي موضع: " كل حديث رفعه مغيرة بن زياد فهو منكر " (٣) .

    1. (١)العلل ومعرفة الرجال (النص: ٨٣٥).
    2. (٢)مسائل عبد الله بن أحمد عن أبيه (النص: ٥٥٨).
    3. (٣)العلل ومعرفة الرجال (النص: ١٥٠١، ٣٣٦١، ٤٠١٢).
    vol. 1, p. 458
  25. أما يحيى بن معين فقلل قدر المناكير في حديثه، فقال: " له حديث واحد منكر "، وفسره عبد الله بن أحمد عن أبيه بحديث ابن عباس في الرجل تمر به الجنازة يتيمم ويصلي (٤) .

    قلت: وهذا مثال لمن يتردد بين الترك والاعتبار.

    1. (٤)العلل (النص: ٤٠١١).
  26. و (محمد بن معاوية النيسابوري) ، قال أحمد بن حنبل: " رأيت أحاديثه موضوعة "، وقال أبو حاتم الرازي: " روى أحاديث لم يتابع عليها، أحاديثه

    vol. 1, p. 459منكرة، فتغير حاله عند أهل الحديث "، وكان يحيى بن معين يقول: " كذاب "، لكن أبا زرعة الرازي يفسر تلك المنكرات منه بسبب قبوله التلقين، فيقول: " كان شيخاً صالحاً، إلا أنه كلما لقن يلقن، وكلما قيل: إن هذا من حديثك حدث به، يجيئه الرجل فيقول: هذا من حديث معلى الرازي، وكنت أنت معه، فيحدث بها على التوهم " (١) .

    1. (١)الجرح والتعديل (٤/ ١ / ١٠٣ _ ١٠٤).
  27. وهذا التفسير من أبي زرعة يدفع عنه تعمد الكذب، مع أن أحاديثه موضوعة، فمثله متروك الحديث على أي حال.

  28. والعلة في التردد في بعض هؤلاء بين الاعتبار بحديثه أو تركه كلية، وكذلك من كان أمره إلى ترك حديثه مطلقاً، هو قدر الغلط في حديثهم.

  29. وحيث إن أحدهم لم يبلغ به الجرح حد التهمة، فإن سبب الجرح يعود إلى سوء حفظه الموجب كثرة خطئه وغلبته.

  30. مظان سياق منكرات الراوي:
  31. كتب الجرح والتعديل قد سلك أكثرها مسلك الاختصار، فمع أن الناقد صار إلى جرح الراوي بحسب ما ظهر له من حاله وحديثه، إلا أنه لا يكاد يسوق مثالاً من مرويات ذلك المجروح مما كان دليلاً لديه على جرحه، سوى أن ما تفرق من جرح للرواة في أثناء كتب علل الحديث يصلح أن يستفاد من تلك الأحاديث المعللة أمثلة على ما من أجله قدح في بعض الرواة، فهذا طريق.

  32. كذلك اعتنى المتأخرون الذين صنفوا في تتبع المجروحين بجمع أنكر ما للراوي المجروح، أو مثلوا ببعض ذلك ليستدل به على ما عداه، وذلك مثل: أبي أحمد بن عدي في كتاب " الكامل "، وأبي جعفر العقيلي في كتاب " الضعفاء "، وأبي حاتم بن حبان في كتاب " المجروحين "، كما جرى على

    vol. 1, p. 460سننهم الذهبي في " ميزان الاعتدال " بحكاية بعض ما قالوا، وبالزيادة عليه.

  33. لكن يجدر بك أن تعلم أنهم ربما ذكروا الحديث الثابت، يكون التمثيل له للمنكر من حديث الراوي مرجوحاً، أو لا يكون ذكر الراوي في هذه الكتب صواباً أصلاً، وابن عدي خاصة أكثرهم اعتناء بذكر ما ينكر على الراوي، لكنه يزيد فيذكر من غرائبه وأفراده، زد على ذلك أنه ربما ذكر من الرواة من الصواب فيه التعديل، في نظر ابن عدي نفسه أو نظر غيره من أهل العلم، وربما ساق للراوي من حديثه ما يستدل به على أن حديثه من قبيل المحتمل أو الصالح أو المستقيم المحفوظ.