المبحث الثاني: تمييز ما يصلح للاعتبار
78 paragraphs · vol. 1, p. 1075
Page 2 of 2
- vol. 1, p. 1081
والثاني: صلاحية نفس الحديث.
-
فيعتبر بكل ما لم يثبت أنه: كذب، أو منكر، أو خطأ.
-
فيصح الاعتبار بما يلي:
أولاً: المنقطع.
-
ثانياً: المرسل.
-
ثالثاً: المعضل بسقط اثنين، وذلك فيما يرفعه صغار التابعين أو كبار أتباع التابعين (١) ، فإن طال السقط، أو كان في الطبقات المتأخرة فلا ينبغي الاعتداد به؛ لقوة مظنة الوهاء بتتابع العلل، أو من أجل تساهل متأخري الرواة فيمن يحملون عنهم.
- (١)قال الخطيب: " حكم المعضل مثل حكم المرسل في الاعتبار به فقط " (الجامع لأخلاق الراوي ٢/ ١٩١).
-
رابعاً: حديث المدلس الذي عنعن فيه، أو ثبت تدليسه فيه، ما لم يرجع تدليسه فيه إلى متروك الحديث أو متهم بالكذب.
-
خامساً: المرسل إرسالاً خفياً.
-
ولا يصح الاعتبار بما يلي:
أولاً: المعلق حتى يوقف على إسناده، إذ المعلقات ترجع في الأصل إلى الأسانيد، فإن لم يوقف له على إسناد نزل منزلة ما لا أصل له.
-
ثانياً: المقلوب.
- vol. 1, p. 1082
ثالثاً: المصحف.
-
رابعاً: المدرج.
-
خامساً: الشاذ.
-
سادساً: المعلل المتعين خطؤه.
-
وهذه لا يعتبر بها من أجل كون الراجح فيها الخطأ، والحديث إذا تبين أنه خطأ فإنه لا يصلح الاعتداد به، إذ الخطأ لن يكون صواباً.
-
سابعاً: المنكر.
-
ووجه سقوط الاعتبار به أنه لا يخلو من أن تكون نكارته بسبب المخالفة من الراوي الضعيف، وهذه مرجوحة خطأ، ولا يعتبر بالخطأ.
-
أو أن تكون نكارته بسبب التفرد، فيخرج عن هذه المسألة؛ لأن الاعتبار إنما يكون بما يوجد له الموافق.
-
وربما جاءت النكارة بسبب التدليس عن متروك أو متهم.
-
ثامناً: الموضوع (١) .
- (١)قال ابن الصلاح في توكيد طرفٍ مما بينته هنا: " ليس كل ضعف في الحديث يزول بمجيئه من وجوه، بل ذلك يتفاوت: فمنه ضعف يزيله ذلك، بأن يكون ضعفه ناشئاً من ضعف حفظ راويه، مع كونه من أهل الصدق والديانة، فإذا رأينا مارواه قد جاء من وجهٍ آخر عرفنا أنه مما قد حفظه، ولم يختلَّ فيه ضبطه له. وكذلك إذا كان ضعْفه من حيث الإرسال، زال بنَحو ذلك، كما في المرسل الذي يُرسله إمامٌ حافظٌ، إذْ فيه ضعْفٌ قليلٌ يزول بروايته من وجهٍ آخر. ومن ذلك ضعْفٌ لا يزول بنحو ذلك؛ لقوَّة الضعف وتقاعد هذا الجابر عن جبْره ومُقاومته، وذلك كالضعف الذي ينشأ من كون الراوي مُتهماً بالكذب، أو كون الحديث شاذًّا ". (علوم الحديث، ص: ٣٤) .......
-
وعدم الاعتبار بما ثبت أنه كذب أو منكر، ظاهر، وإن تعددت له
vol. 1, p. 1083الطرق وكثرت، فلا تعني كثرتها في التحقيق شيئاً؛ لجواز التواطؤ من قبل الكذابين والمتهمين على تنويع الأسانيد للحديث الواحد، فربما نتج تعدد الطرق عن رواية رجل من الضعفاء، عرف بذلك الحديث، فسرقه المتهمون وتداولوه بينهم، يسرقه بعضهم من بعض.
-
وجائز أن يكون الضعيف الذي ترجع إليه جميع الطرق ممن يعتبر به، ولكن ليس في تلك الطرق ما يشده؛ لوهائها.
-
وهذا لا يتقى إلا بتمييز ما كان يصلح للاعتبار بحسب رواته من جهة حفظهم وأنهم لم يبلغوا الترك، والسلامة من العلة القادحة في الإسناد أو المتن.
-
وأمثلة ما لا تعتد به من تعدد الطرق كثيرة.
-
مثل حديث: " من حفظ على أمتي أربعين حديثاً من أمر ديناه، بعثه الله يوم القيامة فقيهاً " ، فهذا روي من حديث ثلاثة عشر رجلاً من الصحابة، بأسانيد كثيرة كلها واهية ساقطة (١) .
- (١)شَرحت علله في جزء " التبيين لطُرق حديث الأربعين ".
-
وحديث " زر غبا تزدد حبا " ، روي من حديث أبي هريرة وأبي ذر وحبيب بن سلمة وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن عمر بن الخطاب وجابر بن عبد الله وعائشة أم المؤمنين، وكلها واهية الأسانيد، وما كان فيه بعض النفس فإنه يفتقر إلى ما يشده.
وقال الزيلعي في شأن أحاديث الجهر بالبسملة في الصلاة: " وأحاديث الجهر وإن كثرت رواتها، لكنها كلها ضعيفه، وكم من حديث كثرت رواته وتعددت طرقه، وهو حديث ضعيف، كحديث الطير (٢) ، وحديث الحاجم
vol. 1, p. 1084والمحجوم، وحديث " من كنت مولاه فعلي مولاه " ، بل قد لا يزيد الحديث كثرة الطرق إلا ضعفاً (١) .
- (٢)هوَ ما رُوي أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بطيْرٍ، فقال: " اللهم ائْتني بأحبِّ خلْقك إليْك يأكل معي من هذا الطير "، فجاء عليٌّ، فأكل معه. الحديث. انظر طُرقه في " العلل المتناهية " لابن الجوزي (١/ ٢٢٥ _ ٢٣٤).
- (١)نصب الراية (١/ ٣٥٩ _ ٣٦٠) .......
- تنبيه:
-
الاعتبار بالطرق المرجوحة التي دل النظر على أنها خطأ، لا يصح كما تقدم، وهو مما يغفل عنه كثير من المشتغلين بهذا العلم، يغر أحدهم ظاهر ورود طريق أخرى للحديث، فيقوي بها، دون ملاحظة شذوذها في الإسناد مثلاً، أو رجوعها إلى نفس طريق الحديث الأولى التي أراد تقويتها.
- وإليك مثالين توضيحاً لذلك:
-
المثال الأول: روى منصور بن المعتمر، عن خيثمة بن عبد الرحمن، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا سمر إلا لأحد رجلين: لمصل أو مسافر " .
-
هذا الحديث رواه عن منصور الثقات من أصحابه: سفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، وجرير بن عبد الحميد، وأبو عوانة الوضاح اليشكري، وعمرو بن أبي قيس، جميعاً هكذا، لكن منهم من يذكر واسطة مبهمة بين خيثمة وابن مسعود، ومنهم من لا يذكر وعلى كلا الحالين فإنه منقطع، خيثمة لم يدرك ابن مسعود، والواسطة مبهمة.
-
خالف الجماعة عن منصور: إبراهيم بن يوسف الصيرفي، فرواه عن سفيان بن عيينة، عن حبيب بن أبي ثابت، عن زياد بن حدير، عن ابن مسعود.
-
فحسب بعض الناس هذه طريقاً أخرى للحديث، وما فطنوا إلى أن
vol. 1, p. 1085الصيرفي هذا وهم في إسناده على ابن عيينة، من أجل المحفوظ عن منصور، فمن يعتمد قوله في النقلة كالنسائي قال في (الصيرفي) : " ليس بالقوي " وهو من شيوخه، والرجل حسن الحديث ما أتى بما هو موافق لرواية الثقات، أما أن يأتي بمثل هذا الإسناد فهذا مقام إعمال قول الناقد (ليس بالقوي) .
-
فإذا تبين أن رواية الصيرفي وهم، والحديث كما رواه جماعة الثقات عن منصور، فيسقط الاعتداد بطريق الصيرفي لتقويته؛ لأنه رواية خطأ (١) .
- (١)خرَّجت الحديث وبيَّنتُ علَّته في تعليقي على كتاب " تَسمية ما انتهى إلينا من الرواة عن أبي نعيم الفضْل بن دُكين " لأبي نعيم الأصبهاني (رقم: ٥٥). كذلك انْظر ما بيَّنته لتطبيق ما يُشبه هذه الصورة في مثالٍ آخر، وهو بياني لعلَّة حديث " من حسْن إسلام المرءِ ترْكه ما لا يعنيه "، في تعليقي على كتاب " الرسالة المغنية في السكوت ولُزوم البيوت " لابن البنَّاء الحنبلي (رقم: ٣٥).
-
والمثال الثاني: ما رواه الضحاك بن نبراس، عن ثابت البناني، عن أنس من مالك، عن زيد بن ثابت، قال:
أقيمت الصلاة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي، وأنا معه، فقارب في الخطا، ثم قال لي: " أتدري لم فعلت هذا؟ لتكثر عدد خطانا في طلب الصلاة " (٢) .
- (٢)أخرجه ابن أبي شيبة في " مُسنده " (كما في " المطالب العالية " ٢/ ٣٩٠ رقم: ٥٦٦، و " إتحاف الخيرة " رقم: ١٤١٩) وعبْد بن حميد (رقم: ٢٥٦) وأبو يعلى (كما في " المطالب " رقم: ٥٦٧) والطبراني في " الكبير " (٥/ ١٢٦ رقم: ٤٧٩٨) وابنُ عدي في " الكامل " (٥/ ١٥٣) من طريق عبيْد الله بنُ موسى. والبخاري في " الأدب المفرد " (رقم: ٤٥٨) حدثنا موسى (وهوَ ابن إسماعيل). والطبراني أيضاً (رقم: ٤٧٩٩) من طريق حرَمي بن عمارة، والعُقيلي في " الضعفاء " (٢/ ٢١٩) من طريق مُسلم بن إبراهيم، أربعتهم قالوا: حدثنا الضَّحَّاك، به، ولفظ حرمَي مَعناه. وأخرجه الطبراني (رقم: ٤٧٩٧) من طريق مُسلمِ بن إبراهيم، أيضاً لكن من مُسند أنسٍ، لم يذْكر زيْداً.
- vol. 1, p. 1086
فهذا تابع الضحاك عليه: محمد بن ثابت البناني، عن أبيه، به مرفوعاً (١) .
- (١)أخرجه أبو داود الطيالسي في " مُسنده " (كما في " إتحاف الخِيرة " رقم: ١٤١٨) ومن طريقه: الطبراني في " الكبير " (٥/ ١٢٧ رقم: ٤٨٠٠) والبيهقي في " الشعب " (٣/ ٦٠ رقم: ٢٨٦٨) قال: حدثنا مُحمد بن ثابت، به. ووقعَ في رواية البيهقي فيما يَبدوا اختِصارٌ أوْهم أنَّ الرواية من هذا الوَجهِ موقوفةٌ.
-
والضحاك لين الحديث، ومحمد بن ثابت ليس بالقوي، وكلاهما يعتبر به، ولو سلم حديثهما هذا من المخالفة لكان حديثاً حسناً، غير أن حماد بن سلمة والسري بن يحيى وجعفر بن سليمان الضبعي رووه عن ثابت البناني عن أنس عن زيد موقوفاً من فعل زيد وقوله (٢) .
وقال العقيلي: " حديث حماد أولى "
قلت: كيف لا، وأثبت الناس في ثابت حماد بن سلمة؟ ومتابعة السري ثقة، وجعفر صدوق، ولا يقاوم الضحاك ومحمد بن ثابت مجتمعين جعفراً وحده فكيف بمن فوقه، كحماد؟ بل كيف بهم مجتمعين؟
- (٢)أخرجه العُقيلي (٢/ ٢١٩) والبيهقي في " الشعب " (٣/ ٦٠ رقم: ٢٨٦٩) من طريق حماد، والطبراني في " الكبير " (٥/ ١٢٦ رقم: ٤٧٩٦) من طريق السري. وعبد الرزاق في " المصنف " (١/ ٥١٧ رقم: ١٩٨٣) ولم يذكر البيهقي في روايته زيْداً .......
-
لذا قال أبو حاتم الرازي: " روى هذا الحديث جماعة عن ثابت البناني، فلم يوصله أحد إلا الضحاك بن نبراس، والضحاك لين الحديث، وهو ذا يتابعه محمد بن ثابت، ومحمد أيضاً ليس بقوي، والصحيح موقوف " (٣) .
- (٣)علل الحديث (رقم: ٥٤٨) .......
-
فهذا مما يبين لك أن ما يعتبر به من طرق الحديث: ما سلم من المعارض الراجح، إذ قيام المعارض الراجح خطأ، فيتعذر حينئذ دفع الضر عنه.