المبحث الخامس: تفسير طبقة الصحابة

35 paragraphs · vol. 1, p. 113

  1. الصحابي مبتدأ الإسناد، وحلقة الوصول الضرورية فيه، وتحديد معناه وتوضيح المراد به أساس تمييز سائر الطبقات.

    vol. 1, p. 113
  2. وقد اختلف المتقدمون في تحديد المراد بـ (الصحابي) ، فمن المنقول فيه ما يلي:

    ١ _ روي عن سعيد بن المسيب: " الصحابة لا نعدهم إلا من أقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة أو سنتين، وغزا معه غزوة أو غزوتين " .

    قلت: وهذا لا يثبت عن ابن المسيب (١) .

    1. (١)أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ٩٩) بإسناده إلى محمد بن سعْد بكتاب " الطبقات " لكني لم أجد النص فيه، قال ابن سعد: عن الواقدي محمد بن عُمر، قال: أخبرني طلحة بن محمد بن سعيد بن المسيب، عن أبيه، قال: كان سعيد بن المسيب يقول، فذكره. قلت: الواقدي ليس بعُمدةٍ، وشيخه طلحة مجهول.
  3. ٢ _ وقال عاصم بن سليمان الأحول: عن عبد الله بن سرجس: أنه رأى الخاتم الذي بين كتفي النبي صلى الله عليه وسلم، وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم، ولم تكن له صحبة (٢) .

    1. (٢)أخرجه أحمد (٣٤/ ٣٧٢، ٣٧٥ رقم: ٢٠٧٧٤، ٢٠٧٧٩) ومن طريقه: الخطيب في " الكفاية " (ص: ٩٨) وإسناده صحيح.
  4. قلت ذهب عاصم إلى أن ابن سرجس وإن رأى النبي صلى الله عليه وسلم فليس بصحابي، من أجل أنه اعتبر في الصحبة الملازمة لبعض الوقت.

    vol. 1, p. 114
  5. ٣ _ وروي عن أحمد بن حنبل، قال: " كل من صحبه سنة أو شهراً أو يوماً أو ساعة أو رآه، فهو من أصحابه، له من الصحبة على قدر ما صحبه، وكانت سابقته معه، وسمع منه، ونظر إليه (١) .

    1. (١)هذا من قول أحمد في " رسالة عبدوس بن مالك العطار " عنه، ومنها أخرج الخطيب هذا النص في " الكفاية " (ص: ٩٩) وهذه الرسالة رُويت كذلك مُفردةً عن أحمد، كما أخرجها ابنُ أبي يعلى في " طبقات الحنابلة " (١/ ٢٤١ _ ٢٤٦)، وفي إسنادها من لم يُعرف بجرحٍ أو تعديل، ولا أجزم بصحتها عن أحمد، لكن لا بأس في الاعتبار بما فيها.
  6. ٤ _ وقال البخاري: " من صحب النبي صلى الله عليه وسلم، أو رآه من المسلمين، فهو من أصحابه " (٢) .

    قال ابن حجر: " هذا الذي ذكره البخاري هو الراجح "، وقال: " هو قول أحمد والجمهور من المحدثين " (٣) .

    قلت: ويشير قوله: (الراجح) إلى ما ذهب إله بعض السلف كالذي تقدم عن عاصم الأحول، إلى عدم إطلاق الصحبة إلا على الصحبة العرفية، وهي أن يرافقه مدة.

    وقال ابن حجر: " ويرد على التعريف: من صحبه أو رآه مؤمناً به ثم ارتد بعد ذلك ولم يعد إلى الإسلام، فإنه ليس صحابياً اتفقا، فينبغي أن يزاد فيه: ومات على ذلك " (٤) .

    وقال ابن حجر: " أصح ما وقفت عليه من ذلك أن الصحابي: من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به، ومات على الإسلام " (٥) .

    1. (٢)صحيح البخاري (٣/ ١٣٣٥)، وأخرجه من طريقه: الخطيب في " الكفاية " (ص: ٩٩).
    2. (٣)فتح الباري (٧/ ٣، ٤)، ومعناه في " الإصابة " (١/ ٨).
    3. (٤)فتح الباري (٧، ٤).
    4. (٥)الإصابة (١/ ٧).
  7. وفيمن يدخل في التعريف قال: " فيد خل فيمن لقيه من طالت مجالسته أو قصرت، ومن روى عنه أو لم يرو عنه، ومن غزا معه أو لم يغز، ومن رآه رؤية ولو لم يجالسه، ومن لم يراه لعارض كالعمى " (١) .

    قلت: ومن أهل العلم من ذهب إلى التوسع فيمن يدخل في جملة الصحابة، حتى قال: يدخل فيهم الجن الذين أسلموا ممن ينطبق عليه تعريف الصحابي.

    1. (١)الإصابة (١/ ٧).
    vol. 1, p. 115
  8. وهذا ليس مما له فائدة هنا، فإن تحديد المراد بالصحابي في هذا الموضع إنما هو فيمن روى العلم، وكان له شخصية محددة، أما: هل يدخل في الصحابة مسلمو الجن الذين استمعوا القرآن، أو بعض الملائكة، فهذا مما لا ينبغي عليه عمل، ولا يحقق مصلحة، ولا يُنْتهى فيه إلى شيء بين.

  9. نعم؛ رأيت الطبراني أخرج في " معجمه الكبير " حديثاً عن رجل من الجن، فقال: حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان الرقي، حدثنا أحمد بن سعد بن أبي مريم، حدثنا عثمان بن صالح، حدثني بن صالح، حدثني عمرو الجني، قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ سورة النجم، فسجد، فسجد، فسجت معه (٢) .

    قلت: وهذا خبر غريب جداً، بل منكر، وعثمان بن صالح هو المصري، من أصحاب عبد الله بن وهب، ومن شيوخ البخاري، وهو من طبقة تبع أتباع التابعين، ولو صححنا كونه من التابعين بمثل هذا لروايته عن جني له صحبة، لاضطرب عندنا مقياس الطبقات، ولصار به عامة من روى عنه من أتباع التابعين، وليس هذا محل إشكال إن ثبت، مع شدة غرابته، وإنما الشأن أن عثمان إن صح هذا إليه (٣) ، فإنه وإن كان صدوقاً انتقى له

    vol. 1, p. 116البخاري في صحيحه إلا أن أبا زرعة الرازي سئل عن بعض ما رواه عن عبد الله بن لهيعة، وفيه المنكر؟ فقال: " لم يكن عندي عثمان ممن يكذب، ولكنه كان يكتب الحديث مع خالد بن نجيح، وكان خالد إذا سمعوا من الشيخ، أملى عليهم مالم يسمعوا فبلوا به " (١) .

    قلت: وخالد هذا كذاب معروف.

    1. (٢)المعجم الكبير (١٧/ ٤٥)، ومن طريقه: أخرجه ابن نُقطة في " تكملة الإكمال " (٢/ ١٦٦).
    2. (٣)إذ شيخُ الطبراني لم أعرفه بجرْحِ ولا تعديل.
    3. (١)سؤالات البرذعي (٢/ ٤١٧ _ ٤١٨).
  10. وقد قال أبو نعيم الأصبهاني في رواية الجني هذه: " في إسناده نظر " (٢) ، وقال الهيثمي: " في إسناده من لا يعرف، وعثمان بن صالح لا أراه أدرك أحد من الصحابة " (٣) .

    1. (٢)معرفة الصحابة (٤/ ٢٠٤٥).
    2. (٣)مجمع الزوائد (٢/ ٢٨٥).
  11. [كيف تثبت الصحبة؟]

  12. تثبت الصحبة بطريق من الطرق التالية:
  13. ١ _ التواتر، كصحبة حمزة بن عبد المطلب، وأبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، رضي الله عنهم.

  14. ٢ _ الشهرة والاستفاضة، كصحبة كثيرين، علم كونهم من الصحابة بمجيء ذكرهم في الأخبار المعروفة، كياسر والد عمار، وخبيب بن عدي، أو بالرواية عنهم من وجوه عدة تحصل بمثلها الشهرة.

  15. ٣ _ صحة الإسناد إلى من قال: (سمعت رسول النبي صلى الله عليه وسلم) .

  16. ٤ _ الخبر الثابت إلى من هو معروف من الصحابة: أن فلاناً صحب النبي صلى الله عليه وسلم، أو يذكره في سياق ما يفيد صحبته. مثال: الحارث بن وقيش.

  17. ٥ _ أن يخبر عن نفسه أن له صحبة، ويثبت الإسناد عنه بذلك.

  18. ٦ _ معرفة قدم عهده، بحيث لا ينكر أن يكون أدرك زمان النبي صلى الله عليه وسلم.

    vol. 1, p. 117
  19. وجدير أن تعلم أن كثيراً من الأسماء تجده في جملة الصحابة، اعتمد ذاكروها على وجود رواية عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا تحققت من تلك الرواية وجدت كثير منها لا تثبت أسانيدها إلى ذلك المدعى صحبته.

  20. وكذلك فإن مجرد قول الرجل من الرواة: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم) ، لا يعني الصحبة، فالتابعي ومن دونه قد يقول ذلك، فيكون من قبيل المرسل أو المعضل.

  21. والتثبت في الصحبة وتحقق إثباتها شرط لصحة الحديث، فدونها ينتفي الاتصال.

  22. وكان النقاد الأولون يحققون ذلك، كما يحققون أحوال سائر النقلة، وبه كشفوا الخطأ في ظن الصحبة لطائفة.

  23. فمن أمثلة ذلك:

    قال أبو حاتم في (عبد الرحمن بن عئاش الحضرمي) : " أخطأ من قال: له صحبة، هو عندي تابعي، هو عبد الرحمن بن عائش عن مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل، عن النبي صلى الله عليه وسلم " يعني: الصواب في روايته كذلك، وقال أبو زرعة: " ليس بمعروف " (١) .

    وقال أبو حاتم في (عيسى بن يزداد) : لا يصح حديثه، وليس لأبيه صحبة، ومن الناس من يدخله في المسند على المجاز، وهو وأبوه مجهولان " (٢) .

    1. (١)الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ٢٦٢).
    2. (٢)الجرح والتعديل (٣/ ١ / ٢٩١).
  24. وسأل البرقاني الدارقطني: مسلم بن الحارث التميمي عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: " مسلم مجهول، لا يحدث عن أبيه إلا هو " (٣) .

    1. (٣)سؤالات البرقاني (النص: ٤٩٠).
  25. كما يجب أن تعلم أن النقاد ربما اختلفوا في إثبات الصحبة لشخص، والواجب حينئذ المصير إلى الترجيح بما ذكرنا من الطرق لإثبات الصحبة أو نفيها.

    vol. 1, p. 118
  26. من رأى النبي صلى الله عليه وسلم وهو صغير، هل تصح صحبته؟

  27. حدث شعبة بن الحجاج عن أبي إياس معاوية بن قرة بن إياس، قال: جاء أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غلام صغير، فمسح رأسه، واستغفر له.

    قال شعبة: فقلت: أله صحبة؟ فقال لا، ولكنه كان على عهده قد حلب وصر (١) .

    قلت: فهو قد ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، لكن لم يكن سنه سن من يحمل العلم؛ لعدم التمييز من أجل الصغر.

    1. (١)أخرجه عبد الله بن أحمد في " العلل ومعرفة الرجال " (النص: ٣٨١٩) وإسناده صحيح.
  28. واختلف أصحاب الزهري عنه على حديث رواه عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير عن جابر بن عبد الله في قتلى أحد، فمنهم من ذكر فيه جابراً ومنهم من لم يذكره، فسأل ابن أبي حاتم أباه عنه؟ فقال: " الصحيح مرسل " قال: قلت: عبد الله بن ثعلبة أليس قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: " نعم، وهو صغير " (٢) .

    قلت: فعد حديثه مرسلاً من أجل عدم السماع للصغر.

    1. (٢)علل الحديث، لابن أبي حاتم (رقم: ١٠١٥).
  29. والتحقيق: أن هذا الصنف يثبت لهم شرف الصحبة، لكن رواياتهم عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلة ملحقة بعموم مراسيل التابعين، لا بمراسيل الصحابة الذين لهم من النبي صلى الله عليه وسلم سماع، يروي أحدهم عنه صلى الله عليه وسلم ما لم يسمعه، وإنما سمعه من صحابي غيره، فأرسله، بل هؤلاء الذين لهم شرف الصحبة تابعيون في الحكم (٣) .

    1. (٣)وانظر: فتح الباري، لابن حجر (٧/ ٤).
  30. فمن أدخلهم في الصحابة في كتب تراجم الصحابة، فإنما فعل ذلك لثبوت معنى الصحبة لهم، لا لاتصال رواياتهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، فاحذر أن تعتمد على ذلك للقول باتصال الإسناد.

    vol. 1, p. 119
  31. فائدة هل للصحابة عدد محصور؟

  32. بالنظر إلى تاريخ المجتمع الإسلامي في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن المعلوم أنه صحبه خلق كثير، منهم من لقي ربه في حياته صلى الله عليه وسلم، ومنهم من بقي بعده، ومنهم من عرف اسمه، ومنهم من لم يعرف، ومنهم من حمل عنه العلم، ومنهم من لم يحمله، وممن حمل العلم كمن شهد معه حجة الوداع من روى وحفظ عنه الحديث، ومنهم من لم يحفظ عنه الحديث.

    قال محمد بن أحمد بن جامع الرازي: سمعت أبا زرعة (يعني الرازي) وقال له رجل: يا أبا زرعة، أليس يقال: حديث النبي صلى الله عليه وسلم أربعة آلاف حديث؟ قال: " ومن قال ذا؟! قلقل الله أنيابه، هذا قول الزنادقة، ومن يحصي حديث رسول الله؟ قُبِضَ رسول الله صلى الله عليه وسلم

    عن مئة ألف وأربعة عشر ألفاً من الصحابة ممن روى عنه وسمع منه "، فقال له الرجل: يا أبا زرعة، هؤلاء أين كانوا وسمعوا منه؟ قال: " أهل المدينة، وأهل مكة، ومن بينهما، والأعراب، ومن شهد حجة الوداع، كل رآه وسمع منه يعرفه " (١) .

    1. (١)أخرجه الخطيب في " الجامع " (رقم ١٨٩٤) وإسناده جيِّد إلى ابن جامع هذا راويه عن أبي زُرعة، ولم أقِف على ما يُبين حاله، وقد روى عن أبي حاتم الرازي كذلك، فهو مستورٌ على أقل الأحوال إن لم تثبت ثقته، ومثله في هذا الخبر يُحتمل.
  33. فرع:
  34. فإذا ميزت الصحابي تيسر لك تمييز التابعي، فإنه: من لقي رجلاً من الصحابة فأكثر، فيثبت له به شرف التابعية، ولا يتحصل حديثه بالصحابي حتى ينقل شيئاً سمعه من الصحابي أو رآه.

  35. وعلى معناه فقس تفسير كل طبقة تليه.