المبحث الثاني: الصيغة الصريحة بالاتصال بغير لفظ السماع وما في معناه
193 paragraphs · vol. 1, p. 144
Page 2 of 5
- vol. 1, p. 152
والعيب في هذه الإجازات أن الطالب يجاز بمجرد أسماء لكتب، لا يجاز بمضمون، بل من هؤلاء المجازين من لم يطلع على مضمون، ولم ير الكتاب الذي أجيزت له روايته عمره، خصوصاً بعض الأجزاء الحديثية التي هي في عداد المفقود، فعجبا لأحدهم يقول بعد ذلك: (لدي برواية صحيح البخاري إجازة) و: (أنا أروي جامع الترمذي عن مسند العصر فلان) ، ما
vol. 1, p. 153أراه _ والله _ إلا يكذب في دعواه، فإنه لو قرأ البخاري أو الترمذي وحفظهما، فإنه إنما تلقاهما بالطريق الذي تلقاهما به سائر الناس، وهو هذه الوجادات عن الأصول الخطية والنسخ المنتهية أصولها إلى قرون عدة، فأي فضل في هذا لإسناد هذا المسكين، وأي صدق في دعواه: (أروي هذا عن فلان؟ ) ، ما هذا إلا من تشبع الإنسان بما لم يعط، ولا عجب، فكثير من هؤلاء المجيزين والمجازين ممن لا حظ لهم في هذا العلم.
-
[القسم الثالث: الوجادة]
-
صيغتها: (وجدت، أو: وجدنا في كتاب فلان) ، وقد يقول الراوي: (قرأت في كتاب فلان) .
قال عياض: " لا أعلم من يقتدى به أجاز النقل فيها بـ (حدثنا) و (أخبرنا) ، ولا من يعده معد المسند " (١) .
- (١)الإلماع (ص: ١١٧).
-
وأمثلتها في استعمال السلف كثيرة.
-
وربما زاد المحدث التصريح بكون تلك الوجادة بخط من وجدت عنه، وكثيراٍ ما يستعمل ذلك عبد الله بن أحمد بن حنبل في " المسند " عن أبيه، فيقول: " وجدت في كتاب أبي بخط يده " ، ويسوق الحديث.
قلت: وهذا التصريح زيادة توكيد، فإن اكتفى بالقول: (وجدت في كتاب فلان) فالأصل حمل تلك الإضافة على أنَّ ذلك الكتاب صحيح النسبة إليه.
-
فمثل قول محمد بن المثنى: " نسخت هذا الحديث (٢) من كتاب غندرٍ
vol. 1, p. 154عن شعبة عن عطاء عن أبي البختري عن عبيدة عن ابن الزبير، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم أسمعه منه " (١) فهذا وجادة متصلة، وإن لم يسمعها محمد بن المثنى.
- (٢)يعني حديثه أن رجلين تداعيا عنْد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحلف المدَّعى عليه بالله الذي لا إله إلا هو، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله قد غفر لك بإخلاصك ".
- (١)مُسند البزار (٦/ ١٣٧) وفي الإسناد اختلاف على عطاء، وهو ابن السائب.
-
أما إن وجد في كتاب، ولم ينسبه لأحد، فتلك رواية منقطعة؛ لجهالة صاحب ذلك الكتاب.
-
وذلك مثل قول أحمد بن صالح المصري: " وجدت في كتاب بالمدينة: عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، وإبراهيم بن محمد بن عبد العزيز .. " فذكر الإسناد والحديث من حديث جبير بن مطعم في بعض خبر النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، وذكر أسمائه.
-
والإسناد لولا هذه العلة إسناد جيد، من أجل ذلك قال أحمد بن صالح في آخره: " أرجو أن يكون صحيحاً (٢) .
- (٢)أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " (٢/ ١٢٦ _ ١٢٧ رقم: ١٥٣٢).
-
[حكم التحديث وجادة في الصحة والضعف]
-
ذهب جماعة من السلف إلى جواز الرواية وجادة، وحدثوا بهذا الطريق، منهم الحسن البصري، وعامر الشعبي، وعطاء بن أبي رباح، وأبو الزبير المكي، وأبو سفيان طلحة بن نافع، وقتادة بن دعامة السدوسي، والحكم بن عتيبة، والليث بن سعد، وغيرهم.
-
وعن جماعة من أئمة الحديث تليين الرواية بها، ووصفها بالانقطاع؛ لكون الراوي لم يسمع من الشيخ، وربما لم يره، ولم يكاتبه الشيخ بحديثه، بل ربما لم يتعاصرا وكان بينهما زمان.
-
وممن روى عنه المنع من الرواية بها: محمد بن سيرين، وذلك في التحقيق من أجل مذهبه في النهي عن الكتب جملة.
- vol. 1, p. 155
وممن وصفها بالانقطاع: سفيان بن عيينة، وشعبة بن الحجاج.
-
والتحرير: أن قبول والعمل بها صحيح معتبر، بشرط حصول الثقة بالموجود.
-
ومذهب السلف في الرواية بها مشهورة، ولم يكد ينقل المنع من ذلك عن أحد، إلا ما تقدم عن ابن سيرين.
قال الخطيب: " لا فرق بين أن يوصي العالم لرجل بكتبه، وبين أن يشتريها ذلك الرجل بعد موته، في أنه لا يجوز له الرواية منها، إلا على سبيل الوجادة، وعلى ذلك أدركنا كافة أهل العلم، اللهم إلا أن يكون تقدمت من العالم إجازة لهذا الذي صارت الكتب له، بأن يروي عنه ما يصح عنده من
سماعاته، فيجوز أن يقول فيما يرويه من الكتب: (أخبرنا) أو (حدثنا) ، على مذهب من أجاز أن يقال ذلك في أحاديث الإجازة " (١) .
- (١)الكفاية (ص: ٥٠٤).
-
وفي حكم الوجادة: الوصية بالكتب، يوصي الشيخ بكتبه لشخص معين، فعلها أبو قلابة الجرمي من التابعين أوصى بكتبه لأيوب السختياني (٢) .
- (٢)ذكرت الرواية بذلك، وعامة ما لم أعزه من النقل في بيان طُرق التحمل إلى الجزء المفرد في ذلك.
- وهذان مثالان محرران من أمثلة الرواية بالوجادة:
-
المثال الأول: رواية الحسن البصري عن سمرة بن جندب.
قال العلائي: " قد روى عنه نسخة كبيرة، غالبها في السنن الأربعة " (٣) .
- (٣)جامع التحصيل، للعلائي (ص: ١٩٨ _ ١٩٩).
-
وقد اختلفوا فيها على أربعة أقوال:
الأول: أنه لم يسمع من سمرة.
- vol. 1, p. 156
وهذا حكي عن علي بن زيد بن جدعان (١) ، وهو قول شعبة بن الحجاج، قال: " لم يسمع الحسن من سمرة " (٢) .
- (١)ذكره يحيى بن معين في " تاريخه " (النص: ٤٠٥٤) دون إسناد.
- (٢)رواه يحيى بن معين في " تاريخه " (النص: ٤٠٥٣) وإسناده صحيح.
-
وجرى على إطلاقه بعض من جاء من بعد، كابن حبان (٣) وغيره.
- (٣)صحيحه (٥/ ١١٣ بعد رقم: ١٨٠٧).
-
والثاني: أنه لم يسمع من سمرة، إنما حديثه عنه من كتاب سمرة.
-
قال يحيى بن سعيد القطان في أحاديث سمرة التي يرويها الحسن: " سمعنا أنها من كتاب " (٤) .
- (٤)أخرجه يعقوب بن سفيان في " المعرفة والتاريخ " (٣/ ١١) وإسناده صحيح.
-
وهو ظاهر ما حكي عن بهز بن أسد، فقد سأله جرير بن عبد الحميد عن الحسن: على من اعتماده؟ قال: " كتب سمرة " (٥) .
قال يحيى بن معين: " لم يسمع من سمرة حرفاً قط " (٦) .
- (٥)أخرجه ابن أبي حاتم في " المراسيل " (ص: ٣٢) عن شيخه محمد بن سعيد بن بلج الرازي، ولم أقف له على ترجمة.
- (٦)معرفة الرجال، رواة ابن مُحرز (١/ ١٣٠)، وروى الدقاق عنه: " الحسن لم يَسمع من سمُرة " (من كلام أبي زكريا، النص: ٣٩٠).
-
وسأله عثمان الدارمي: الحسن لقي سمرة؟ قال: " لا " (٧) .
- (٧)تاريخ الدارمي (النص: ٢٧٧)، المراسيل، لابن أبي حاتم (ص: ٩٦).
-
وبين في رواية الدوري أكثر من ذلك، فقال: " لم يسمع الحسن من سمرة شيئاً، هو كتاب " (٨) .
- (٨)تاريخ يحيى بن معين (النص: ٤٠٩٤).
-
والثاني: أنه لم يسمع من سمرة إلا حديث العقيقة (٩) ، وسائر حديثه عنه من كتاب سمرة.
- (٩)يعني حديث: " الغلام مُرْتهنٌ بعقيقته. . " ساق لفظه الترمذي (رقم ١٥٢٢) وغيره.
- vol. 1, p. 157
وهو قول النسائي، قال: " الحسن عن سمرة كتاب، ولم يسمع الحسن من سمرة إلا حديث العقيقة " (١) .
- (١)السنن، للنسائي (بعد رقم: ١٣٨٠).
-
وهذا يستند إلى ما رواه قريش بن أنس، عن حبيب بن الشهيد، قال: أمرني ابن سيرين أن أسأل الحسن: ممن سمع حديث العقيقة. فسألته؟ فقال: من سمرة بن جندب (٢) .
- (٢)أخرجه البُخاري (رقم: ٥١٥٥) قال: حدثنا عبد الله بنُ أبي الأسود، وفي " التاريخ الكبير " (١/ ٢ / ٢٩٠) _ وعنه: الترمذي في " جامعه " (عقب رقم: ١٨٢) _ قال: قال لي عليٌّ (يعني ابن المديني)، والترمذي كذلك قال: حدثنا محمد بن المثنى، والنسائي (رقم: ٤٢٢١) قال: أخبرنا هارون بن عبد الله، وعبد الله بن أحمد في " العلل " (النص: ٤٠٤٤) قال: حدثني أبو خيثمة، والبيهقي في " الكبرى " (٩/ ٢٩٩) والمزيُّ في " التهذيب " (٢٣/ ٥٨٧ _ ٥٨٨) من طريق أبي قلابة الرقاشي، قالوا جميعاً: حدثنا قريشُ بن أنس به، وفي رواية أبي خيثمة وأبي قلابة عنه قال: حدثنا حَبيب بن الشهيد. وقد ذكروا أن قريشاً اختلط وتغير قبل موته بستِّ سنين، وذكر الحافظ ابن حجر في " الفتح " (٩/ ٥٩٣) أن الأثرم حكى أن الإمام أحمد بن حنبل ضعَّف حديث قريش هذا، وقال: " ما أراه بشيء "، وردَّه ابنُ حجر أنَّ لحديثه المذكور في العقيقة طريقاً آخر، وقال: " وأيضاً فسماع علي بن المديني وأقرانه من قريش كان قبل اختلاطه، فلعل أحمد إنما ضعفه؛ لأنه ظنَّ أنه إنما حدث به بعد الاختلاط ". قلت: ويؤيد صحة رواية ابن المديني عنه، أنه قال في رواية البُخاري لحديث العقيقة عنه في " التاريخ ": " حدثنا قريش بن أنس وكان ثقة ".
-
والثالث: أنه سمع من سمرة.
قال علي بن المديني: " سماع الحسن من سمرة صحيح " (٣) .
وقال وقد ذكر رواية الحسن: " أما أحاديث سمرة فهي صحاح " (٤) .
وقال: " وقد روى سمرة أكثر من ثلاثين حديثاً مرفوعاً وغيرهما،
vol. 1, p. 158والحسن قد سمع من سمرة؛ لأنه كان في عهد عثمان ابن أربع عشرة وأشهر، ومات سمرة في عهد زياد " (١) .
- (٣)نقله عنه البخاري في " التاريخ الأوسط " (١/ ٣٩٣)، و " التاريخ الكبير " (١/ ٢ / ٢٩٠)، وحكاه الترمذي عن البُخاري عنه في " الجامع " (بعد حديث رقم: ١٨٢)، وفي " العلل الكبير " (٢/ ٩٦٣ _ بترتيب أبي طالب القاضي).
- (٤)رواه عنه يعقوب بن سفيان في " المعرفة والتاريخ " (٢/ ٥٢).
- (١)العلل، لابن المديني (ص: ٥٣).
-
وتبعه على ذلك الترمذي، فصحح أحاديثه عنه في " الجامع " (٢) ، وكذلك صنع ابن خزيمة في " صحيحه " (٣) ، والحاكم في " المستدرك " (٤) .
- (٢)انظر الأحاديث: (رقم: ١٨٢، ١٢٣٧، ١٢٩٦).
- (٣)انظر الحديثين: (رقم: ١٧١٠، ١٧٥٧).
- (٤)انظر " المستدرك " (١/ ٢١٤ بعد رقم: ٧٨٠).
-
والقول الأول أشد هذه الأقوال، فإن تسليم ظاهره يقضي بأن حديث الحسن عن سمرة منقطع، لكن أصحاب القول الثاني جاءوا بزيادة علم عليه، لا يجوز إهمالها، وهي أن ما رواه الحسن عن سمرة فإنما أخذه من كتاب سمرة.
قال العلائي: " وذلك لا يقتضي الانقطاع " (٥) .
- (٥)جامع التحصيل (ص: ١٩٩).
-
وقد جاء في بعض ما رواه الحسن عن سمرة قوله: " قرأت في كتاب سمرة " (٦) .
- (٦)العلل، لابن المديني (ص: ٥٣) وذكر أنه وقع في حديث واحد رواه الحسن عن سمُرة.
-
بل صح عن عبد الله بن عون، قال: " دخلنا على الحسن، فأخرج إلينا كتاباً من سمرة، فإذا فيه: أنه يجزئ من الاضطرار صبوح أو غبوق " (٧) .
- (٧)أخرجه أحمد في " العلل " (النص: ٢١٨٧) وإسناده صحيح.
-
فهذا دليل شاهد أن الحسن كان عنده عن سمرة كتاب.
-
على أن القول بإثبات سماعه من سمرة أصح وأقوى، وذلك لوجوه ثلاثة:
الأول: تصريحه حين سئل عن حديث العقيقة بكونه سمعه من سمرة.
- vol. 1, p. 159
والرواية بذلك صحيحة، ولذا احتج بها البخاري وغيره، وهذا يحيى بن معين حين أوردت عليه هذه الرواية سكت مع ما تقدم عنه أن الحسن لم يسمع من سمرة، بل لم يلقه.
-
فقد قال أبو قلابة الرقاشي، وقد روى قصة حديث العقيقة عن قريش: فسمعت يحيى بن معين يقول: لم يسمع الحسن من سمرة، قال: فقلت: على من تطعن؟ على قريش بن أنس؟ على الحبيب بن الشهيد؟ فسكت (١) .
- (١)أورد ذلك المزِّي في " التهذيب " (٢٣/ ٥٨٨) بعد رواية قصِّة حديث العقيقة، وإسناده إلى أبي قلابة صحيح.
-
فهذا الذي حدث به قريش حجة أن الحسن سمع من سمرة في الجملة.