٧ - باب ما يقتل المحرم من الدواب

52 paragraphs · vol. 5, p. 34

Page 2 of 2

  1. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ كَمَا تَقَدَّمَ إِلَى إِلْحَاقِ غَيْرِ الْخَمْسِ بِهَا فِي هَذَا الْحُكْمِ، إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الْمَعْنَى فَقِيلَ: لِكَوْنِهَا مُؤْذِيَةً فَيَجُوزُ قَتْلُ كُلِّ مُؤْذٍ، وَهَذَا قَضِيَّةُ مَذْهَبِ مَالِكٍ. وَقِيلَ: لِكَوْنِهَا مِمَّا لَا يُؤْكَلُ، فَعَلَى هَذَا كُلُّ مَا يَجُوزُ قَتْلُهُ لَا فِدْيَةَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِيهِ، وَهَذَا قَضِيَّةُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. وَقَدْ قَسَّمَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ الْحَيَوَانَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُحْرِمِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ يُسْتَحَبُّ كَالْخَمْسِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِمَّا يُؤْذِي، وَقِسْمٌ يَجُوزُ كَسَائِرِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَهُوَ قِسْمَانِ: مَا يَحْصُلُ مِنْهُ نَفْعٌ وَضَرَرٌ فَيُبَاحُ لِمَا فِيهِ مِنْ مَنْفَعَةِ الِاصْطِيَادِ وَلَا يُكْرَهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْعُدْوَانِ، وَقِسْمٌ لَيْسَ فِيهِ نَفْعٌ وَلَا ضَرَرٌ فَيُكْرَهُ قَتْلُهُ وَلَا يَحْرُمُ. وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ مَا أُبِيحَ أَكْلُهُ أَوْ نُهِيَ عَنْ قَتْلِهِ فَلَا يَجُوزُ، فَفِيهِ الْجَزَاءُ إِذَا قَتَلَهُ الْمُحْرِمُ.

    vol. 5, p. 40
  2. وَخَالَفَ الْحَنَفِيَّةُ فَاقْتَصَرُوا عَلَى الْخَمْسِ إِلَّا أَنَّهُمْ أَلْحَقُوا بِهَا الْحَيَّةَ لِثُبُوتِ الْخَبَرِ، وَالذِّئْبَ لِمُشَارَكَتِهِ لِلْكَلْبِ فِي الْكَلْبِيَّةِ، وَأَلْحَقُوا بِذَلِكَ مَنِ ابْتَدَأَ بِالْعُدْوَانِ وَالْأَذَى مِنْ غَيْرِهَا، وَتُعُقِّبَ بِظُهُورِ الْمَعْنَى فِي الْخَمْسِ وَهُوَ الْأَذَى الطَّبِيعِيُّ وَالْعُدْوَانُ الْمُرَكَّبُ، وَالْمَعْنَى إِذَا ظَهَرَ فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ تَعَدَّى الْحُكْمُ إِلَى كُلِّ مَا وُجِدَ فِيهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى، كَمَا وَافَقُوا عَلَيْهِ فِي مَسَائِلِ الرِّبَا.

    قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَالتَّعْدِيَةُ بِمَعْنَى الْأَذَى إِلَى كُلِّ مُؤْذٍ قَوِيٍّ بِالْإِضَافَةِ إِلَى تَصَرُّفِ أَهْلِ الْقِيَاسِ، فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ مِنْ جِهَةِ الْإِيمَاءِ بِالتَّعْلِيلِ بِالْفِسْقِ وَهُوَ الْخُرُوجُ عَنِ الْحَدِّ، وَأَمَّا التَّعْلِيلُ بِحُرْمَةِ الْأَكْلِ فَفِيهِ إِبْطَالٌ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ إِيمَاءُ النَّصِّ مِنَ التَّعْلِيلِ بِالْفِسْقِ. انْتَهَى. وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ رَاجِعٌ إِلَى تَفْسِيرِ الْفِسْقِ، فَمَنْ فَسَرَّهُ بِأَنَّهُ الْخُرُوجُ عَنْ بَقِيَّةِ الْحَيَوَانِ بِالْأَذَى عَلَّلَ بِهِ، وَمَنْ قَالَ بِجَوَازِ الْقَتْلِ وَتَحْرِيمِ الْأَكْلِ عَلَّلَ بِهِ، وَقَالَ مَنْ عَلَّلَ بِالْأَذَى: أَنْوَاعُ الْأَذَى مُخْتَلِفَةٌ، وَكَأَنَّهُ نَبَّهَ بِالْعَقْرَبِ عَلَى مَا يُشَارِكُهَا فِي الْأَذَى بِاللَّسْعِ وَنَحْوِهِ مِنْ ذَوَاتِ السُّمُومِ كَالْحَيَّةِ وَالزُّنْبُورِ، وَبِالْفَأْرَةِ عَلَى مَا يُشَارِكُهَا فِي الْأَذَى بِالنَّقْبِ وَالْقَرْضِ كَابْنِ عُرْسٍ، وَبِالْغُرَابِ وَالْحِدَأِ عَلَى مَا يُشَارِكُهُمَا بِالِاخْتِطَافِ كَالصَّقْرِ، وَبِالْكَلْبِ الْعَقُورِ عَلَى مَا يُشَارِكُهُ فِي الْأَذَى بِالْعُدْوَانِ وَالْعَقْرِ كَالْأَسَدِ وَالْفَهْدِ. وَقَالَ مَنْ عَلَّلَ بِتَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَجَوَازِ الْقَتْلِ: إِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى الْخَمْسِ لِكَثْرَةِ مُلَابَسَتِهَا لِلنَّاسِ بِحَيْثُ يَعُمُّ أَذَاهَا، وَالتَّخْصِيصُ بِالْغَلَبَةِ لَا مَفْهُومَ لَهُ.

  3. (تَكْمِلَةٌ) : نَقَلَ الرَّافِعِيُّ عَنِ الْإِمَامِ أَنَّ هَذِهِ الْفَوَاسِقَ لَا مِلْكَ فِيهَا لِأَحَدٍ وَلَا اخْتِصَاصَ، وَلَا يَجِبُ رَدُّهَا عَلَى صَاحِبِهَا، وَلَمْ يَذْكُرْ مِثْلَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْخَمْسِ مِمَّا يَلْتَحِقُ بِهَا فِي الْمَعْنَى، فَلْيُتَأَمَّلْ.

  4. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ قَتْلِ مَنْ لَجَأَ إِلَى الْحَرَمِ مِمَّنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ؛ لِأَنَّ إِبَاحَةَ قَتْلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مُعَلَّلٌ بِالْفِسْقِ وَالْقَاتِلُ فَاسِقٌ فَيُقْتَلُ، بَلْ هُوَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ فِسْقَ الْمَذْكُورَاتِ طَبِيعِيٌّ، وَالْمُكَلَّفُ إِذَا ارْتَكَبَ الْفِسْقَ هَاتِكًا لِحُرْمَةِ نَفْسِهِ فَهُوَ أَوْلَى بِإِقَامَةِ مُقْتَضَى الْفِسْقِ عَلَيْهِ. وَأَشَارَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ إِلَى أَنَّهُ بَحْثٌ قَابِلٌ لِلنِّزَاعِ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ الْقَوْلِ فِيهِ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

  5. (الحَدِيثُ الثَّالِثُ) حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ.

  6. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ) هُوَ ابْنُ يَزِيدَ النَّخَعِيُّ، وَالْأَسْوَدُ هُوَ النَّخَعِيُّ خَالُهُ، وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ. وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَى الْأَعْمَشِ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.

  7. قَوْلُهُ: (فِي غَارٍ بِمِنًى) وَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لَيْلَةَ عَرَفَةَ، وَبِذَلِكَ يَتِمُّ

    vol. 5, p. 41الِاحْتِجَاجُ بِهِ عَلَى مَقْصُودِ الْبَابِ مِنْ جَوَازِ قَتْلِ الْحَيَّةِ لِلْمُحْرِمِ، كَمَا دل قَوْلُهُ: بِمِنًى عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْحَرَمِ، وَعُرِفَ بِذَلِكَ الرَّدُّ عَلَى مَنْ قَالَ لَيْسَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَمَرَ بِقَتْلِ الْحَيَّةِ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَعْدَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ، وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ، عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ مُخْتَصَرًا، وَلَفْظُهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ مُحْرِمًا بِقَتْلِ حَيَّةٍ فِي الْحَرَمِ بِمِنًى وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَقْتِ عَقِبَ حَدِيثِ الْبَابِ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ الْمُصَنِّفُ: إِنَّمَا أَرَدْنَا بِهَذَا أَنَّ مِنًى مِنَ الْحَرَمِ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا بِقَتْلِ الْحَيَّةِ - يَعْنِي فِيهِ - بَأْسًا، وَوَقَعَ هَذَا الْكَلَامُ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ فِي آخِرِ الْبَابِ، وَمَحَلُّهُ عَقِبَ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

  8. قَوْلُهُ: (رَطْبٌ) أَيْ: لَمْ يَجِفَّ رِيقُهُ بِهَا.

  9. قَوْلُهُ: (كَمَا وُقِيتُمْ شَرَّهَا) بِالنَّصْبِ؛ لِأَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: وُقِيَتْ شَرَّكُمْ أَيْ أَنَّ اللَّهَ سَلَّمَهَا مِنْكُمْ كَمَا سَلَّمَكُمْ مِنْهَا، وَهُوَ مِنْ مَجَازِ الْمُقَابَلَةِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ لِلْمُحْرِمِ قَتْلَ الْحَيَّةِ، وَتُعُقِّبَ بِمَا تَقَدَّمَ عَنِ الْحَكَمِ، وَحَمَّادٍ وَبِمَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ مِنِ اسْتِثْنَاءِ مَا صَغُرَ مِنْهَا بِحَيْثُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنَ الْأَذَى.

  10. (الحديث الرابع) قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ.

  11. قَوْلُهُ: (قَالَ لِلْوَزَغِ: فُوَيْسِقٌ) اللَّامُ بِمَعْنَى عَنْ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ سَمَّاهُ فُوَيْسِقًا، وَهُوَ تَصْغِيرُ تَحْقِيرٍ مُبَالَغَةً فِي الذَّمِّ.

  12. قَوْلُهُ: (وَلَمْ أَسْمَعْهُ أَمَرَ بِقَتْلِهِ) هُوَ مَقُولٌ عَنْ عَائِشَةَ وَالضَّمِيرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، وَقَضِيَّةُ تَسْمِيَتِهِ إِيَّاهُ فُوَيْسِقًا أَنْ يَكُونَ قَتْلُهُ مُبَاحًا، وَكَوْنُهَا لَمْ تَسْمَعْهُ لَا يَدُلُّ عَلَى مَنْعِ ذَلِكَ فَقَدْ سَمِعَهُ غَيْرُهَا كَمَا سَيَأْتِي فِي بَدْءِ الْخَلْقِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَغَيْرِهِ، وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الِاتِّفَاقَ عَلَى جَوَازِ قَتْلِهِ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، لَكِنْ نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَغَيْرُهُ، عَنْ مَالِكٍ: لَا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ الْوَزَغَ، زَادَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ قَتَلَهُ يَتَصَدَّقْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْخَمْسِ الْمَأْمُورِ بِقَتْلِهَا. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّ عَطَاءً سُئِلَ عَنْ قَتْلِ الْوَزَغِ فِي الْحَرَمِ فَقَالَ: إِذَا آذَاكَ فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِ. وَهَذَا يُفْهِمُ تَوَقُّفَ قَتْلِهِ عَلَى أَذَاهُ.