٣ - باب أداء الديون
19 paragraphs · vol. 6, p. 54
- vol. 6, p. 54
هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ.
-
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَوْ إِتْلَافَهَا)
-
حَذَفَ الْجَوَابَ اغْتِنَاءً بِمَا وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ. قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: هَذِهِ التَّرْجَمَةُ تُشْعِرُ بِأَنَّ الَّتِي قَبْلَهَا مُقَيَّدَةٌ بِالْعِلْمِ بِالْقُدْرَةِ عَلَى الْوَفَاءِ، قَالَ: لِأَنَّهُ إِذَا عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ الْعَجْزَ فَقَدْ أَخَذَ لَا يُرِيدُ الْوَفَاءَ إِلَّا بِطَرِيقِ التَّمَنِّي وَالتَّمَنِّي خِلَافُ الْإِرَادَةِ. قُلْتُ: وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ إِذَا نَوَى الْوَفَاءَ مِمَّا سَيَفْتَحُهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَقَدْ نَطَقَ الْحَدِيثُ بِأَنَّ اللَّهَ يُؤَدِّي عَنْهُ إِمَّا بِأَنْ يَفْتَحَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَإِمَّا بِأَنْ يَتَكَفَّلَ عَنْهُ فِي الْآخِرَةِ، فَلَمْ يَتَعَيَّنِ التَّقْيِيدُ بِالْقُدْرَةِ فِي الْحَدِيثِ، وَلَوْ سُلِّمَ مَا قَالَ: فَهُنَاكَ مَرْتَبَةٌ ثَالِثَةٌ وَهُوَ أَنْ لَا يَعْلَمَ هَلْ يَقْدِرُ أَوْ يَعْجِزُ.
-
قَوْلُهُ: (عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ) بِفَتْحِ الزَّايِ وَهُوَ الدِّيلِيُّ، وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنِي ثَوْرٌ.
-
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي الْغَيْثِ) بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ، زَادَ ابْنُ مَاجَهْ مَوْلَى ابْنِ مُطِيعٍ. قُلْتُ: وَاسْمُهُ سَالِمٌ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ.
-
قَوْلُهُ: (أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَدَّاهَا اللَّهُ عَنْهُ وَلِابْنِ مَاجَهْ، وَابْنِ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدَّانُ دَيْنًا يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَدَاءَهُ إِلَّا أَدَّاهُ اللَّهُ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا، وَظَاهِرُهُ يُحِيلُ الْمَسْأَلَةَ الْمَشْهُورَةَ فِيمَنْ مَاتَ قَبْلَ الْوَفَاءِ بِغَيْرِ تَقْصِيرٍ مِنْهُ كَأَنْ يَعْسُرَ مَثَلًا أَوْ يَفْجَأَهُ الْمَوْتُ وَلَهُ مَالٌ مَخْبُوءٌ وَكَانَتْ نِيَّتُهُ وَفَاءَ دَيْنِهِ وَلَمْ يُوَفَّ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا. وَيُمْكِنُ حَمْلُ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ عَلَى الْغَالِبِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا تَبِعَةَ عَلَيْهِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ فِي الْآخِرَةِ بِحَيْثُ يُؤْخَذُ مِنْ حَسَنَاتِهِ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ، بَلْ يَتَكَفَّلُ اللَّهُ عَنْهُ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْبَابِ وَإِنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
قَوْلُهُ: (أَتْلَفَهُ اللَّهُ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْإِتْلَافَ يَقَعُ لَهُ فِي الدُّنْيَا وَذَلِكَ فِي مَعَاشِهِ أَوْ فِي نَفْسِهِ. وَهُوَ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ لِمَا نَرَاهُ بِالْمُشَاهَدَةِ مِمَّنْ يَتَعَاطَى شَيْئًا مِنَ الْأَمْرَيْنِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْإِتْلَافِ عَذَابُ الْآخِرَةِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِيهِ الْحَضُّ عَلَى تَرْكِ اسْتِئْكَالِ أَمْوَالِ النَّاسِ، وَالتَّرْغِيبُ فِي حُسْنِ التَّأْدِيَةِ إِلَيْهِمْ عِنْدَ الْمُدَايَنَةِ وَأَنَّ الْجَزَاءَ قَدْ يَكُونُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: فِيهِ أَنَّ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا يَعْتِقُ وَلَا يَتَصَدَّقُ وَإِنْ فَعَلَ رُدَّ اهـ. وَفِي أَخْذِ هَذَا مِنْ هَذَا بُعْدٌ كَثِيرٌ. وَفِيهِ التَّرْغِيبُ فِي تَحْسِينِ النِّيَّةِ وَالتَّرْهِيبُ مِنْ ضِدِّ ذَلِكَ وَأَنَّ مَدَارَ الْأَعْمَالِ عَلَيْهَا. وَفِيهِ التَّرْغِيبُ فِي الدَّيْنِ لِمَنْ يَنْوِي الْوَفَاءَ، وَقَدْ أَخَذَ بِذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْهُ: أَنَّهُ كَانَ يَسْتَدِينُ، فَسُئِلَ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الدَّائِنِ حَتَّى يَقْضِيَ دَيْنَهُ إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، لَكِنِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ فَرَوَاهُ الْحَاكِمُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ الْفَضْلِ عَنْهُ عَنْ عَائِشَةَ بِلَفْظِ: مَا مِنْ عَبْدٍ كَانَتْ لَهُ نِيَّةٌ فِي وَفَاءِ دَيْنِهِ إِلَّا كَانَ لَهُ مِنَ اللَّهِ عَوْنٌ، قَالَتْ: فَأَنَا أَلْتَمِسُ ذَلِكَ الْعَوْنَ، وَسَاقَ لَهُ شَاهِدًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ.
-
وَفِيهِ: أَنَّ مَنِ اشْتَرَى شَيْئًا بِدَيْنٍ وَتَصَرَّفَ فِيهِ وَأَظْهَرَ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْوَفَاءِ ثُمَّ تَبَيَّنَ الْأَمْرُ بِخِلَافِهِ أَنَّ الْبَيْعَ لَا يُرَدُّ بَلْ يُنْتَظَرُ بِهِ حُلُولُ الْأَجَلِ لِاقْتِصَارِهِ ﷺ عَلَى الدُّعَاءِ عَلَيْهِ وَلَمْ يُلْزِمْهُ بِرَدِّ الْبَيْعِ قَالَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ.
-
٣ - بَاب أَدَاءِ الدَّيْون، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾
-
٢٣٨٨ - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ
vol. 6, p. 55اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا أَبْصَرَ - يَعْنِي أُحُدًا - قَالَ: مَا أُحِبُّ أَنَّهُ تَحَوَّلَ لِي ذَهَبًا يَمْكُثُ عِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا دِينَارًا أُرْصِدُهُ لِدَيْنٍ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الْأَكْثَرِينَ هُمْ الْأَقَلُّونَ، إِلَّا مَنْ قَالَ بِالْمَالِ هَكَذَا وَهَكَذَا - وَأَشَارَ أَبُو شِهَابٍ بَيْنَ يَدَيْهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ - وَقَلِيلٌ مَا هُمْ. وَقَالَ: مَكَانَكَ، وَتَقَدَّمَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَسَمِعْتُ صَوْتًا، فَأَرَدْتُ أَنْ آتِيَهُ، ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَهُ: مَكَانَكَ حَتَّى آتِيَكَ. فَلَمَّا جَاءَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الَّذِي سَمِعْتُ - أَوْ قَالَ: الصَّوْتُ الَّذِي سَمِعْتُ - قَالَ: وَهَلْ سَمِعْتَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: أَتَانِي جِبْرِيلُ عليه السلام فَقَالَ: مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، قُلْتُ: وَمَنْ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ.
-
٢٣٨٩ - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ يُونُسَ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: ، حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا يَسُرُّنِي أَنْ لَا يَمُرَّ عَلَيَّ ثَلَاثٌ وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٌ، إِلَّا شَيْءٌ أُرْصِدُهُ لِدَيْنٍ، رَوَاهُ صَالِحٌ وَعُقَيْلٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ.
-
[الحديث ٢٣٨٩ - طرفاه في: ٦٤٤٥، ٧٢٢٨]
-
قَوْلُهُ: (بَابُ أَدَاءِ الدَّيْنِ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ الدُّيُونُ بِالْجَمْعِ (وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ الْأَصِيلِيُّ وَغَيْرُهُ الْآيَةَ. قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: أُدْخِلَ الدَّيْنُ فِي الْأَمَانَةِ لِثُبُوتِ الْأَمْرِ بِأَدَائِهِ، إِذِ الْمُرَادُ بِالْأَمَانَةِ فِي الْآيَةِ هُوَ الْمُرَادُ بِهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ وَفُسِّرَتْ هُنَاكَ بِالْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي فَيَدْخُلُ فِيهَا جَمِيعُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ وَمَا لَا يَتَعَلَّقُ اهـ.
-
وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْأَمَانَةُ عَلَى ظَاهِرِهَا، وَإِذَا أَمَرَ اللَّهُ بِأَدَائِهَا وَمَدَحَ فَاعِلَهُ وَهِيَ لَا تَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ فَحَالُ مَا فِي الذِّمَّةِ أَوْلَى. وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي شَأْنِ عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ حَاجِبِ الْكَعْبَةِ، وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ نَزَلَتْ فِي الْوُلَاةِ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ هِيَ عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ الْأَمَانَاتِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ طَلْقِ بْنِ مُعَاوِيَةَ قَالَ: كَانَ لِي دَيْنٌ عَلَى رَجُلٍ فَخَاصَمْتُهُ إِلَى شُرَيْحٍ فَقَالَ لَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ وَأَمَرَ بِحَبْسِهِ ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي ذَرٍّ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا أَبْصَرَ أُحُدًا قَالَ: مَا أُحِبُّ أَنَّهُ يُحَوَّلُ لِي ذَهَبًا يَمْكُثُ عِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا دِينَارًا أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ الْحَدِيثَ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ.
-
وَغَرَضُهُ هُنَا هَذَا الْقَدْرُ الْمَذْكُورُ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى عَدَمِ الِاسْتِغْرَاقِ فِي كَثِيرِ الدَّيْنِ وَالِاقْتِصَارِ عَلَى الْيَسِيرِ مِنْهُ أَخْذًا مِنِ اقْتِصَارِهِ عَلَى ذِكْرِ الدِّينَارِ الْوَاحِدِ، وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ مِائَةُ دِينَارٍ مَثَلًا لَمْ يَرْصُدْ لِأَدَائِهَا دِينَارًا وَاحِدًا اهـ. وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. وَفِيهِ الِاهْتِمَامُ بِأَمْرِ وَفَاءِ الدَّيْنِ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ ﷺ مِنَ الزَّهَادَةِ فِي الدُّنْيَا.
-
قَوْلُهُ: (مَا أُحِبُّ أَنَّهُ تَحَوَّلَ لِي ذَهَبًا) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ تَحَوَّلَ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ، وَلِغَيْرِهِ بِضَمِّ التَّحْتَانِيَّةِ قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: فِيهِ حَوَّلَ بِمَعْنَى صَيَّرَ وَقَدْ خَفِيَ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النُّحَاةِ، وَعَابَ بَعْضُهُمُ اسْتِعْمَالَهُ عَلَى الْحَرِيرِيِّ. قَالَ: وَقَدْ جَاءَ هُنَا عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ جَارِيًا مَجْرَى صَارَ فِي رَفْعِ مَا كَانَ مُبْتَدَأً وَنَصْبِ مَا كَانَ خَبَرًا، وَكَذَلِكَ حُكْمُ مَا صِيغَ مِنْ حَوَّلَ مِثْلُ تَحَوَّلَ فَإِنَّهُ بِزِيَادَةِ الْمُثَنَّاةِ تَجَدَّدَ لَهُ حَذْفُ مَا كَانَ فَاعِلًا وَجُعِلَ أَوَّلُ الْمَفْعُولَيْنِ فَاعِلًا وَثَانِيهِمَا
vol. 6, p. 56خَبَرًا مَنْصُوبًا.
-
قَوْلُهُ: (أَرْصُدُهُ) ثَبَتَ فِي رِوَايَتِنَا بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنَ الرُّبَاعِيِّ وَحَكَى ابْنُ التِّينِ عَنْ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ مِنْ رَصَدَ، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ تَقُولُ: أَرْصَدْتُهُ أَيْ هَيَّأْتُهُ وَأَعْدَدْتُهُ وَرَصَدْتُهُ أَيْ رَقَبْتُهُ، وَقَوْلُهُ: الْأَكْثَرُونَ؛ أَيْ: مَالًا وَالْأَقَلُّونَ أَيْ: ثَوَابًا إِلَّا مَنْ ذَكَرَ، وَقَوْلُهُ: وَقَلِيلٌ مَا هُمْ مَا زَائِدَةٌ أَوْ صِفَةٌ، وَقَوْلُهُ: مَكَانَكَ بِالنَّصْبِ مَحْذُوفُ الْعَامِلِ أَيِ الْزَمْ مَكَانَكَ، وَقَوْلُهُ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الَّذِي سَمِعْتُ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ مَا هُوَ، وَقَوْلُهُ: وَمَنْ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا فُسِّرَ فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ فِي الرِّقَاقِ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي هُنَا وَإِنْ بَدَلَ وَمَنْ.
-
قَوْلُهُ عَقِبَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي مَعْنَى حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ (وَرَوَاهُ صَالِحٌ، وَعُقَيْلٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ) يَعْنِي عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَطَرِيقُهُمَا مَوْصُولٌ فِي الزُّهْرِيَّاتِ لِمُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ.
-
قَوْلُهُ: (لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا) قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: فِيهِ وُقُوعُ التَّمْيِيزِ بَعْدَ مِثْلٍ وَهُوَ قَلِيلٌ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ قَوْلُهُ: (مَا يَسُرُّنِي أَنْ لَا يَمُرَّ) قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: فِيهِ وُقُوعُ جَوَابِ لَوْ مُضَارِعًا مَنْفِيًّا بِمَا، وَالْأَصْلُ أَنْ يَكُونَ مَاضِيًا مُثْبَتًا، وَكَأَنَّهُ أَوْقَعَ الْمُضَارِعَ مَوْقِعَ الْمَاضِي، أَوْ يَكُونَ الْأَصْلُ مَا كَانَ يَسُرُّنِي فَحَذَفَ كَانَ وَهُوَ جَوَابُ لَوْ، وَفِيهِ ضَمِيرٌ هُوَ الِاسْمُ وَيَسُرُّنِي الْخَبَرُ، وَحَذْفُ كَانَ مَعَ اسْمِهَا وَبَقَاءُ خَبَرِهَا كَثِيرٌ وَهَذَا أَوْلَى اهـ. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَا يَسُرُّنِي أَنْ يَمْكُثَ عِنْدِي وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَسُرُّنِي أَنْ لَا يَمْكُثَ وَمَفْهُومُ كُلٍّ مِنْهُمَا مُطَابِقٌ لِمَنْطُوقِ الْآخَرَ، وَوَقَعَ لِلْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ فِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَا يَسُرُّنِي أَنْ لَا يَمْكُثَ وَعَلَى هَذَا فَلَا زَائِدَةٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.