٤ - باب ما أقطع النبي ﷺ من البحرين
8 paragraphs · vol. 7, p. 268
- vol. 7, p. 268
٤ - بَاب مَا أَقْطَعَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ الْبَحْرَيْنِ، وَمَا وَعَدَ مِنْ مَالِ الْبَحْرَيْنِ وَالْجِزْيَةِ، وَلِمَنْ يُقْسَمُ الْفَيْءُ وَالْجِزْيَةُ
٣١٦٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا رضي الله عنه قَالَ: دَعَا النَّبِيُّ ﷺ الْأَنْصَارَ لِيَكْتُبَ لَهُمْ بِالْبَحْرَيْنِ، فَقَالُوا: لَا وَاللَّهِ حَتَّى تَكْتُبَ لِإِخْوَانِنَا مِنْ قُرَيْشٍ بِمِثْلِهَا، فَقَالَ: ذَاكَ لَهُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ يَقُولُونَ لَهُ. قَالَ: فَإِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ
٣١٦٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنِي رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِي: لَوْ قَدْ جَاءَنَا مَالُ الْبَحْرَيْنِ قَدْ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا. فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَجَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَنْ كَانَتْ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِدَةٌ فَلْيَأْتِنِي فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ كَانَ قَالَ لِي: لَوْ قَدْ جَاءَنَا مَالُ الْبَحْرَيْنِ لَأَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، فَقَالَ لِي: احْثُهُ، فَحَثَوْتُ حَثْيَةً، فَقَالَ لِي: عُدَّهَا، فَعَدَدْتُهَا فَإِذَا هِيَ خَمْسُ مِائَةٍ، فَأَعْطَانِي أَلْفًا وَخَمْسَ مِائَةٍ.
-
٣١٦٥ - وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَالٍ مِنْ الْبَحْرَيْنِ فَقَالَ: انْثُرُوهُ فِي الْمَسْجِدِ، فَكَانَ أَكْثَرَ مَالٍ أُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذْ جَاءَهُ الْعَبَّاسُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطِنِي، فإِنِّي فَادَيْتُ نَفْسِي وَفَادَيْتُ عَقِيلًا، فقَالَ: خُذْ، فَحَثَا فِي ثَوْبِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ يُقِلُّهُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ فَقَالَ: أْمُرْ بَعْضَهُمْ يَرْفَعْهُ إِلَيَّ، قَالَ: لَا. قَالَ: فَارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَيَّ، قَالَ: لَا. فَنَثَرَ مِنْهُ ثُمَّ ذَهَبَ يُقِلُّهُ فَلَمْ يَرْفَعْهُ فَقَالَ: فَمُرْ بَعْضَهُمْ يَرْفَعْهُ عَلَيَّ، قَالَ: لَا. قَالَ: فَارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَيَّ، قَالَ: لَا. فَنَثَرَ مِنْهُ ثُمَّ احْتَمَلَهُ عَلَى كَاهِلِهِ ثُمَّ انْطَلَقَ، فَمَا زَالَ يُتْبِعُهُ بَصَرَهُ حَتَّى خَفِيَ عَلَيْنَا، عَجَبًا مِنْ حِرْصِهِ، فَمَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَثَمَّ مِنْهَا دِرْهَمٌ.
-
قَوْلُهُ: (بَابُ مَا أَقْطَعَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْبَحْرَيْنِ، وَمَا وَعَدَ مِنْ مَالِ الْبَحْرَيْنِ وَالْجِزْيَةِ وَلِمَنْ يُقْسَمُ الْفَيْءُ وَالْجِزْيَةُ) اشْتَمَلَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْكَامٍ، وَأَحَادِيثُ الْبَابِ ثَلَاثَةٌ مُوَزَّعَةٌ عَلَيْهَا عَلَى التَّرْتِيبِ.
-
فَأَمَّا إِقْطَاعُهُ ﷺ مِنَ الْبَحْرَيْنِ فَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ هَمَّ بِذَلِكَ وَأَشَارَ عَلَى الْأَنْصَارِ بِهِ مِرَارًا فَلَمَّا لَمْ يَقْبَلُوا تَرَكَهُ، فَنَزَّلَ الْمُصَنِّفُ مَا بِالْقُوَّةِ مَنْزِلَةَ مَا بِالْفِعْلِ، وَهُوَ فِي حَقِّهِ ﷺ وَاضِحٌ لِأَنَّهُ لَا يَأْمُرُ إِلَّا بِمَا يَجُوزُ فِعْلُهُ وَالْمُرَادُ بِالْبَحْرَيْنِ الْبَلَدُ الْمَشْهُورُ بِالْعِرَاقِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي فَرْضِ الْخُمُسِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ صَالَحَهُمْ وَضَرَبَ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةَ. وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الشُّرْبِ فِي الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُرَادَ بِإِقْطَاعِهَا لِلْأَنْصَارِ تَخْصِيصُهُمْ بِمَا يَتَحَصَّلُ مِنْ جِزْيَتِهَا وَخَرَاجِهَا لَا تَمْلِيكَ رَقَبَتِهَا لِأَنَّ أَرْضَ الصُّلْحِ
vol. 7, p. 269لَا تُقْسَمُ وَلَا تُقْطَعُ. وَأَمَّا مَا وَعَدَ مِنْ مَالِ الْبَحْرَيْنِ وَالْجِزْيَةِ فَحَدِيثُ جَابِرٍ دَالٌّ عَلَيْهِ وَقَدْ مَضَى فِي الْخُمُسِ مَشْرُوحًا.
-
وَأَمَّا مَصْرِفُ الْفَيْءِ وَالْجِزْيَةِ فَعَطْفُ الْجِزْيَةِ عَلَى الْفَيْءِ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الْفَيْءِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ: الْفَيْءُ كُلُّ مَا حَصَلَ لِلْمُسْلِمِينَ مِمَّا لَمْ يُوجِفُوا عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ الْمُعَلَّقُ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى نَظَرِ الْإِمَامِ يُفَضِّلُ مَنْ شَاءَ بِمَا شَاءَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ الْمُعَلَّقِ بِعَيْنِهِ فِي الْمَسَاجِدِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَذَكَرْتُ هُنَاكَ مَنْ وَصَلَهُ وَبَعْضَ فَوَائِدِهِ، وَأَعَادَهُ فِي الْجِهَادِ وَغَيْرِهِ بِأَخْصَرَ مِنْ هَذَا، وَتَقَدَّمَ فِي الْخُمُسِ أَنَّ الْمَالَ الَّذِي أَتَى بِهِ مِنَ الْبَحْرَيْنِ كَانَ مِنَ الْجِزْيَةِ وَأَنَّ مَصْرِفَ الْجِزْيَةِ مَصْرِفُ الْفَيْءِ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي مَصْرِفِ الْفَيْءِ، وَأَنَّ الْمُصَنِّفَ يَخْتَارُ أَنَّهُ إِلَى نَظَرِ الْإِمَامِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي حَدِيثِ عُمَرَ الطَّوِيلِ حِينَ دَخَلَ عَلَيْهِ الْعَبَّاسُ، وَعَلِيٌّ يَخْتَصِمَانِ قَالَ قَرَأَ عُمَرُ ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ الْآيَةَ، فَقَالُوا: اسْتَوْعَبَتْ هَذِهِ الْمُسْلِمِينَ وَرَوَاهُ أَبُو عُبَيْدَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَقَالَ فِيهِ فَاسْتَوْعَبَتْ هَذِهِ الْآيَةُ النَّاسَ، فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ إِلَّا لَهُ فِيهَا حَقٌّ، إِلَّا بَعْضُ مَنْ تَمْلِكُونَ مِنْ أَرِقَّائِكُمْ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حُكْمُ الْفَيْءِ وَالْخَرَاجِ وَالْجِزْيَةِ وَاحِدٌ، وَيَلْتَحِقُ بِهِ مَا يُؤْخَذُ مِنْ مَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنَ الْعُشْرِ إِذَا اتَّجَرُوا فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ حَقُّ الْمُسْلِمِينَ يُعَمُّ بِهِ الْفَقِيرُ وَالْغَنِيُّ وَتُصْرَفُ مِنْهُ أَعْطِيَةُ الْمُقَاتِلَةِ وَأَرْزَاقُ الذُّرِّيَّةِ وَمَا يَنُوبُ الْإِمَامُ مِنْ جَمِيعِ مَا فِيهِ صَلَاحُ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ. وَاخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فِي قَسْمِ الْفَيْءِ: فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى التَّسْوِيَةِ وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ، وَعَطَاءٍ وَاخْتِيَارُ الشَّافِعِيِّ، وَذَهَبَ عُمَرُ، وَعُثْمَانُ إِلَى التَّفْضِيلِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ إِنْ شَاءَ فَضَّلَ وَإِنْ شَاءَ سَوَّى، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَحَادِيثُ الْبَابِ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ بِالتَّفْضِيلِ، كَذَا قَالَ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مَنْ قَالَ بِالتَّفْضِيلِ يَشْتَرِطُ التَّعْمِيمَ بِخِلَافِ مَنْ قَالَ إِنَّهُ إِلَى نَظَرِ الْإِمَامِ وَهُوَ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ أَحَادِيثُ الْبَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا جَاءَهُ فِي قِسْمَةٍ مِنْ يَوْمِهِ، فَأَعْطَى الْآهِلَ حَظَّيْنِ وَأَعْطَى الْأَعْزَبَ حَظًّا وَاحِدًا. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: انْفَرَدَ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ إِنَّ فِي الْفَيْءِ الْخُمُسَ كَخُمُسِ الْغَنِيمَةِ، وَلَا يُحْفَظُ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا مَنْ بَعْدَهُمْ، لِأَنَّ الْآيَاتِ التَّالِيَاتِ لِآيَةِ الْفَيْءِ مَعْطُوفَاتٍ عَلَى آيَةِ الْفَيْءِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ إِلَى آخِرِهَا فَهِيَ مُفَسِّرَةٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾، وَالشَّافِعِيُّ حَمَلَ الْآيَةَ الْأُولَى عَلَى أَنَّ الْقِسْمَةَ إِنَّمَا وَقَعَتْ، لِمَنْ ذُكِرَ فِيهَا فَقَطْ، ثُمَّ لَمَّا رَأَى الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ أَعْطِيَةَ الْمُقَاتِلَةِ وَأَرْزَاقَ الذُّرِّيَّةِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ مَالِ الْفَيْءِ تَأَوَّلَ أَنَّ الَّذِي ذُكِرَ فِي الْآيَةِ هُوَ الْخُمُسُ فَجَعَلَ خُمُسَ الْفَيْءِ وَاجِبًا لَهُمْ، وَخَالَفَهُ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ اتِّبَاعًا لِعُمَرَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
وَفِي قِصَّةِ الْعَبَّاسِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ سَهْمَ ذَوِي الْقُرْبَى مِنَ الْفَيْءِ لَا يَخْتَصُّ بِفَقِيرِهِمْ لِأَنَّ الْعَبَّاسَ كَانَ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ، قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ فِي قَوْلِ عُمَرَ: مَا عَلَى الْأَرْضِ مُسْلِمٌ إِلَّا وَلَهُ مِنْ هَذَا الْفَيْءِ حَقٌّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ، قَالَ يَقُولُ: الْفَيْءُ لِلْغَنِيِّ وَلِلْفَقِيرِ، وَكَذَا قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ.