٣ - باب في النجوم

8 paragraphs · vol. 7, p. 295

  1. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ خَلَقَ هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلَاثٍ: جَعَلَهَا زِينَةً لِلسَّمَاءِ، وَرُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ، وَعَلَامَاتٍ يُهْتَدَى بِهَا، فَمَنْ تَأَوَّلَ فِيهَا بِغَيْرِ ذَلِكَ أَخْطَأَ وَأَضَاعَ نَصِيبَهُ وَتَكَلَّفَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿هَشِيمًا﴾ مُتَغَيِّرًا، وَالْأَبُّ: مَا يَأْكُلُ الْأَنْعَامُ، وَالْأَنَامُ الْخَلْقُ، ﴿بَرْزَخٌ﴾ حَاجِبٌ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أَلْفَافًا﴾ مُلْتَفَّةً، وَالْغُلْبُ: الْمُلْتَفَّةُ، ﴿فِرَاشًا﴾ مِهَادًا، كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾، ﴿نَكِدًا﴾ قَلِيلًا.

    vol. 7, p. 295
  2. قَوْلُهُ: (بَابٌ فِي النُّجُومِ وَقَالَ قَتَادَةُ إِلَخْ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ شَيْبَانَ عَنْهُ بِهِ وَزَادَ فِي آخِرِهِ: وَأَنَّ نَاسًا جَهَلَةً بِأَمْرِ اللَّهِ قَدْ أَحْدَثُوا فِي هَذِهِ النُّجُومِ كِهَانَةً: مَنْ غَرَسَ بِنَجْمِ كَذَا كَانَ كَذَا وَمَنْ سَافَرَ بِنَجْمِ كَذَا كَانَ كَذَا وَلَعَمْرِي مَا مِنَ النُّجُومِ نَجْمٌ إِلَّا وَيُولَدُ بِهِ الطَّوِيلُ وَالْقَصِيرُ وَالْأَحْمَرُ وَالْأَبْيَضُ وَالْحَسَنُ وَالدَّمِيمُ، وَمَا عِلْمُ هَذِهِ النُّجُومِ وَهَذِهِ الدَّابَّةِ وَهَذَا الطَّائِرِ شَيْء مِنْ هَذَا الْغَيْبِ، انْتَهَى. وَبِهَذِهِ الزِّيَادَةِ تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ إِيرَادِ الْمُصَنِّفِ مَا أَوْرَدَهُ مِنْ تَفْسِيرِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي ذَكَرَهَا مِنَ الْقُرْآنِ وَإِنْ كَانَ ذِكْرُ بَعْضِهَا وَقَعَ اسْتِطْرَادًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

    قَالَ الدَّاوُدِيُّ: قَوْلُ قَتَادَةَ فِي النُّجُومِ حَسَنٌ، إِلَّا قَوْلَهُ: أَخْطَأَ وَأَضَاعَ نَفْسَهُ فَإِنَّهُ قَصَّرَ فِي ذَلِكَ، بَلْ قَائِلُ ذَلِكَ كَافِرٌ انْتَهَى. وَلَمْ يَتَعَيَّنِ الْكُفْرُ فِي حَقِّ مَنْ قَالَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَكْفُرُ مَنْ نَسَبَ الِاخْتِرَاعَ إِلَيْهَا، وَأَمَّا مَنْ جَعَلَهَا عَلَامَةً عَلَى حُدُوثِ أَمْرٍ فِي الْأَرْضِ فَلَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ وَتَفْصِيلُهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ فِيمَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا فِي بَابِ الِاسْتِسْقَاءِ، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا﴾ الضَّمِيرُ لِلسَّمَاءِ؛ أَيْ وَجَعَلْنَا شُهُبَهَا رُجُومًا عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، فَصَارَ الضَّمِيرُ لِلْمُضَافِ إِلَيْهِ. وَذَكَرَ ابْنُ دِحْيَةَ فِي التَّنْوِيرِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: النُّجُومُ كُلُّهَا مُعَلَّقَةٌ كَالْقَنَادِيلِ مِنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا كَتَعْلِيقِ الْقَنَادِيلِ فِي الْمَسَاجِدِ.

  3. قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، ﴿هَشِيمًا﴾ مُتَغَيِّرًا) لَمْ أَرَهُ عَنْهُ مِنْ طَرِيقٍ مَوْصُولَةٍ. لَكِنْ ذَكَرَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: قَوْلُهُ: ﴿هَشِيمًا﴾ أَيْ يَابِسًا مُتَفَتِّتًا، وَ ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ أَيْ تُفَرِّقُهُ.

  4. قَوْلُهُ: (وَالْأَبُّ مَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ) هُوَ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا، وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ قَالَ: الْأَبُّ

    vol. 7, p. 296مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ مِمَّا تَأْكُلُهُ الدَّوَابُّ وَلَا تَأْكُلُهُ النَّاسُ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْأَبُّ الْحَشِيشُ، وَمِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ، وَالضَّحَّاكِ: الْأَبُّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ يَنْبُتُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، زَادَ الضَّحَّاكُ: إِلَّا الْفَاكِهَةَ، وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ سُئِلَ عَنِ الْأَبِّ، فَقَالَ: أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي، وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إِذَا قُلْتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَهَذَا مُنْقَطِعٌ. وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: عَرَفْنَا الْفَاكِهَةَ فَمَا الْأَبُّ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذَا لَهُوَ التَّكَلُّفُ فَهُوَ صَحِيحٌ عَنْهُ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ عَنْ أَنَسٍ، عَنْ عُمَرَ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

  5. قَوْلُهُ: (وَالْأَنَامُ الْخَلْقُ) هُوَ تَفْسِيرُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ﴾ قَالَ: لِلْخَلْقِ، وَالْمُرَادُ بِالْخَلْقِ الْمَخْلُوقُ، وَمِنْ طَرِيقِ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْأَنَامُ النَّاسُ، وَهَذَا أَخَصُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ قَالَ: الْجِنُّ وَالْإِنْسُ. وَعَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: هُوَ كُلُّ ذِي رُوحٍ.

  6. قَوْلُهُ: ﴿بَرْزَخٌ﴾ حَاجِبٌ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ حَاجِزٌ بِالزَّايِ، وَهَذَا تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنَ الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ إِلَّا قَوْلَهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أَلْفَافًا﴾ مُلْتَفَّةً، وَالْغُلْبُ: الْمُلْتَفَّةُ) وَصَلَهُمَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ قَالَ: مُلْتَفَّةٌ. وَمِنْ طَرِيقِهِ قَالَ: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ أَيْ مُلْتَفَّةً، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْحَدَائِقُ: مَا الْتَفَّتْ، وَالْغُلْبُ: مَا غَلُظَ. وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنْهُ: الْغُلْبُ: شَجَرٌ بِالْجَبَلِ لَا يَحْمِلُ يُسْتَظَلُّ بِهِ. وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبَى طَلْحَةَ عَنْهُ قَالَ: ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ أَيْ مُجْتَمِعَةً. وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْأَلْفَافُ جَمْعُ لَفٍّ أَوْ لَفِيفٍ. وَعَنِ الْكِسَائِيِّ: هُوَ جَمْعُ الْجَمْعِ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: اللِّفَافُ جَمْعُ لَفِيفَةٍ وَهِيَ الْغَلِيظَةُ، وَلَيْسَ الِالْتِفَافُ مِنَ الْغِلَظِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ يُرَادَ أَنَّهُ غَلُظَ بِالِالْتِفَافِ.

  7. قَوْلُهُ: (فِرَاشًا: مِهَادًا كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ هُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْهُمَا، وَمِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ بِأَسَانِيدِهِ: فِرَاشًا: هِيَ فِرَاشٌ يُمْشَى عَلَيْهَا وَهِيَ الْمِهَادُ وَالْقَرَارُ.

  8. قَوْلُهُ: ﴿نَكِدًا﴾ قَلِيلًا) أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: ﴿لا يَخْرُجُ إِلا نَكِدًا﴾ قَالَ: النَّكِدُ: الشَّيْءُ الْقَلِيلُ الَّذِي لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هَذَا مَثَلٌ ضُرِبَ لِلْكُفَّارِ كَالْبَلَدِ السَّبِخَةِ الْمَالِحَةِ الَّتِي لَا تَخْرُجُ مِنْهَا الْبَرَكَةُ.