٨ - باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة

95 paragraphs · vol. 7, p. 317

Page 2 of 3

  1. قَوْلُهُ: (الرَّحِيقُ: الْخَمْرُ) وَصَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ قَالَ: الْخَمْرُ خُتِمَ بِالْمِسْكِ، وَقِيلَ: الرَّحِيقُ هُوَ الْخَالِصُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ.

    vol. 7, p. 321
  2. قَوْلُهُ: (التَّسْنِيمُ يَعْلُو شَرَابَ أَهْلِ الْجَنَّةِ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: التَّسْنِيمُ يَعْلُو شَرَابَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَهُوَ صِرْفٌ لِلْمُقَرَّبِينَ، وَيُمْزَجُ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ.

  3. قَوْلُهُ: ﴿خِتَامُهُ﴾ طِينُهُ مِسْكٌ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ قَالَ: طِينُهُ مِسْكٌ. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي حَادِي الْأَرْوَاحِ تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ هَذَا يَحْتَاجُ إِلَى تَفْسِيرٍ، وَالْمُرَادُ مَا يَبْقَى آخِرَ الْإِنَاءِ مِنَ الدُّرْدِيِّ مَثَلًا. قَالَ: وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ مَعْنَاهُ آخِرَ

    vol. 7, p. 322شُرْبِهِمْ يُخْتَمُ بِرَائِحَةِ الْمِسْكِ. قُلْتُ: هَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ فِي قَوْلِهِ خِتَامُهُ مِسْكٌ قَالَ: هُوَ شَرَابٌ أَبْيَضُ مِثْلُ الْفِضَّةِ يَخْتِمُونَ بِهِ آخِرَ شَرَابِهِمْ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: خِتَامُهُ آخِرُ طَعْمِهِ.

  4. قَوْلُهُ: ﴿نَضَّاخَتَانِ﴾ فَيَّاضَتَانِ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

  5. قَوْلُهُ: (يُقَالُ ﴿مَوْضُونَةٍ﴾ مَنْسُوجَةٌ، مِنْهُ وَضِينُ النَّاقَةِ) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ، قَالَ فِي قَوْلِهِ: مَوْضُونَةٍ أَيْ مَنْسُوجَةٍ، وَإِنَّمَا سَمَّتِ الْعَرَبُ وَضِينَ النَّاقَةِ وَضِينًا لِأَنَّهُ مَنْسُوجٌ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي الْمَجَازِ فِي قَوْلِهِ: على ﴿سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ يُقَالُ: مُتَدَاخِلَةٌ كَمَا يُوصَلُ حَلَقُ الدِّرْعِ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ مُضَاعَفَةً. قَالَ: وَالْوَضِينُ الْبِطَانُ إِذَا نُسِجَ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ مُضَاعَفًا، وَهُوَ وَضِينٌ فِي مَوْضِعِ مَوْضُونٍ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ: مَوْضُونَةٍ قَالَ: التَّوْضِينُ التَّشْبِيكُ وَالنَّسْجُ، يَقُولُ وَسَطُهَا مُشَبَّكٌ مَنْسُوجٌ. وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ: مَوْضُونَةٍ قَالَ: مُشَبَّكَةٌ بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ.

  6. قَوْلُهُ: (وَالْكُوبُ مَا لَا أُذُنَ لَهُ وَلَا عُرْوَةَ، وَالْأَبَارِيقُ ذَوَاتُ الْآذَانِ وَالْعُرَى) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ سَوَاءٌ، وَروي عن عَبْد بْن حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: الْكُوبُ الَّذِي دُونَ الْإِبْرِيقِ لَيْسَ لَهُ عُرْوَةٌ.

  7. قَوْلُهُ: ﴿عُرُبًا﴾ مُثَقَّلَةٌ) أَيْ مَضْمُومَةُ الرَّاءِ (وَاحِدُهَا عَرُوبٌ مِثْلُ صَبُورٍ وَصُبُرٍ) أَيْ عَلَى وَزْنِهِ، وَهَذَا قَوْلُ الْفَرَّاءِ، وَحَكَى عَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ: كُنْتُ أَسْمَعُهُمْ يَقُولُونَ: عُرْبًا بِالتَّخْفِيفِ وَهُوَ كَالرُّسُلِ وَالرُّسْلِ بِالتَّخْفِيفِ فِي لُغَةِ تَمِيمٍ وَبَكْرٍ، قَالَ الْفَرَّاءُ وَالْوَجْهُ التَّثْقِيلُ؛ لِأَنَّ كُلَّ فَعُولٍ أَوْ فَعِيلٍ أَوْ فِعَالٍ جُمِعَ عَلَى هَذَا الْمِثَالِ فَهُوَ مُثَقَّلٌ مُذَكَّرًا أَوْ مُؤَنَّثًا، قُلْتُ: مُرَادُهُمْ بِالتَّثْقِيلِ الضَّمُّ وَبِالتَّخْفِيفِ الْإِسْكَانُ.

  8. قَوْلُهُ: (يُسَمِّيهَا أَهْلُ مَكَّةَ الْعَرِبَةُ إِلَخْ) جَزَمَ الْفَرَّاءُ بِأَنَّهَا الْغَنِجَةُ. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ وَمِنْ طَرِيقِ بُرَيْدَةَ قَالَ: هِيَ الشَّكِلَةُ بِلُغَةِ أَهْلِ مَكَّةَ وَالْمَغْنُوجَةُ بِلُغَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَمِثْلُهُ فِي كِتَابِ مَكَّةَ لِلْفَاكِهِيِّ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: هِيَ الْحَسَنَةُ الْكَلَامِ، وَمِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا: الْعُرُبُ كَلَامُهُنَّ عَرَبِيٌّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ مُنْقَطِعٌ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ تَمِيمِ بْنِ حِذَامٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿عُرُبًا﴾ قَالَ: الْعَرِبَةُ الْحَسَنَةُ التَّبَعُّلِ، كَانَتِ الْعَرَبُ تَقُولُ إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ حَسَنَةُ التَّبَعُّلِ: إِنَّهَا لَعَرِبَةٌ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ الْمَكِّيِّ قَالَ: الْعَرِبَةُ الَّتِي تَشْتَهِي زَوْجَهَا، أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ يَقُولُ لِلنَّاقَةِ إِنَّهَا لَعَرِبَةٌ.

  9. قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: رَوْحٌ جَنَّةٌ وَرَخَاءٌ، وَالرَّيْحَانُ الرِّزْقُ) يُرِيدُ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ قَالَ الْفِرْيَابِيُّ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: فَرَوْحٌ قَالَ جَنَّةٌ، وَرَيْحَانٌ قَالَ رِزْقٌ. وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ مِنْ طَرِيقِ آدَمَ، عَنْ وَرْقَاءَ بِسَنَدِهِ بِلَفْظِ: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ قَالَ: الرَّوْحُ جَنَّةٌ وَرَخَاءٌ، وَالرَّيْحَانُ رِزْقٌ.

  10. قَوْلُهُ: (وَالْمَنْضُودُ الْمَوْزُ، وَالْمَخْضُودُ الْمُوقَرُ حَمْلًا، وَيُقَالُ أَيْضًا الَّذِي لَا شَوْكَ لَهُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ قَالَ: الْمَوْزُ الْمُتَرَاكِمُ. وَالسِّدْرُ الْمَخْضُودُ الْمُوقَرُ حَمْلًا. وَيُقَالُ أَيْضًا الَّذِي لَا شَوْكَ فِيهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْجَبُونَ بِوَجٍّ وَظِلَالِهِ مِنْ طَلْحٍ وَسِدْرٍ. قُلْتُ: وَجٌّ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ بِالطَّائِفِ، وَكَأَنَّ عِيَاضًا لَمْ يَقِفْ عَلَى ذَلِكَ فَزَعَمَ فِي أَوَاخِرِ الْمَشَارِقِ أَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ تَخْلِيطٌ، قَالَ: وَالصَّوَابُ وَالطَّلْحُ الْمَوْزُ، وَالْمَنْضُودُ الْمُوقَرُ حَمْلًا الَّذِي نَضَدَ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ مِنْ كَثْرَةِ حَمْلِهِ. كَذَا قَالَ، وَقَدْ نَقَلَ الطَّبَرِيُّ الْقَوْلَيْنِ عَنْ جَمْعٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِأَسَانِيدِهِ إِلَيْهِمْ، فَنَقَلَ الْأَوَّلَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالضَّحَّاكِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَنَقَلَ الثَّانِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةَ، وَعِكْرِمَةَ، وَقَسَامَةَ بْنِ زُهَيْرٍ وَغَيْرِهِمْ، وَكَأَنَّ عِيَاضًا اسْتَبْعَدَ تَفْسِيرَ الْخَضَدِ بِالثِّقَلِ لِأَنَّ الْخَضَدَ فِي اللُّغَةِ الْقَطْعُ، وَقَدْ نَقَلَ أَهْلُ اللُّغَةِ أَيْضًا أَنَّ الْخَضَدَ التَّثَنِّي، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ التَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ، أَيْ أَنَّهُ مِنْ كَثْرَةِ حَمْلِهِ انْثَنَى، وَأَمَّا التَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ

    vol. 7, p. 323هُوَ فَقَدْ نَقَلَ الطَّبَرِيُّ اتِّفَاقَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالطَّلْحِ الْمَنْضُودِ الْمَوْزُ، وَأَسْنَدَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُهَا وَالطَّلْعِ بِالْعَيْنِ، قَالَ فَقِيلَ لَهُ: أَفَلَا تُغَيِّرُهَا؟ قَالَ: إِنَّ الْقُرْآنَ لَا يُهَاجُ الْيَوْمَ فَظَهَرَ بِذَلِكَ فَسَادُ الِاعْتِرَاضِ، وَأَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي الْأَصْلِ هُوَ الصَّوَابُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  11. قَوْلُهُ: (وَالْعُرُبُ الْمُحَبَّبَاتُ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ) كَذَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَالْفِرْيَابِيُّ، وَالطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِ، وَرَوَاهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: الْعُرُبُ الْعَوَاشِقُ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ نَحْوَهُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا.

  12. قَوْلُهُ: ﴿مَسْكُوبٍ﴾ جَارٍ) يُرِيدُ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، وَصَلَهُ وَالَّذِي قَبْلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا عَنْ مُجَاهِدٍ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي الْمَجَازِ: الْمَرْفُوعَةُ الْعَالِيَةُ، تَقُولُ بِنَاءٌ مُرْتَفِعٌ أَيْ عَالٍ. وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي قَوْلِهِ: وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ قَالَ: ارْتِفَاعُهَا مَسِيرَةُ خَمْسمِائَةِ عَامٍ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْفُرُشَ الدَّرَجَةُ وَهَذَا الْقَدْرُ ارْتِفَاعٌ، قَالَ: وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْفُرُشِ الْمَرْفُوعَةِ النِّسَاءُ الْمُرْتَفِعَاتُ الْقَدْرِ بِحُسْنِهِنَّ وَجَمَالِهِنَّ.

  13. قَوْلُهُ: (لَغْوًا بَاطِلًا، تَأْثِيمً كَذِبًا) يُرِيدُ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا﴾ وَقَدْ وَصَلَهُ أَيْضًا الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ كَذَلِكَ.

  14. قَوْلُهُ: (أَفْنَانٍ أَغْصَانٍ) يُرِيدُ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ مَا يُجْتَنَى مِنْ قَرِيبٍ، وَصَلَ ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعَنِ الضَّحَّاكِ يَعْنِي أَفْنَانَ أَلْوَانٍ مِنَ الْفَاكِهَةِ وَوَاحِدُهَا عَلَى هَذَا فَنٌّ وَعَلَى الْأَوَّلِ فَنَنٌ، وَقَوْلُهُ: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ سَوْدَاوَانِ مِنَ الرِّيِّ، وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ مُسْوَادَّتَانِ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: قَوْلُهُ: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ يَعْنِي: خَضْرَاوَانِ إِلَى السَّوَادِ مِنَ الرِّيِّ، وَعَنْ عَطِيَّةَ: كَادَتَا أَنْ تَكُونَا سَوْدَاوَيْنِ مِنْ شِدَّةِ الرِّيِّ وَهُمَا خَضْرَاوَانِ إِلَى السَّوَادِ.

  15. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ سِتَّةَ عَشَرَ حَدِيثًا: الْأَوَّلُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي عَرْضِ مَقْعَدِ الْمَيِّتِ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَاخِرِ الْجَنَائِزِ، وَهُوَ مِنْ أَوْضَحِ الْأَدِلَّةِ عَلَى مَقْصُودِ التَّرْجَمَةِ، وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ: فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ زَادَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ أَيْضًا وَالْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي الْجَنَائِزِ.

  16. الثَّانِي حَدِيثُ أَبِي رَجَاءٍ وَهُوَ الْعُطَارِدِيُّ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي أَكْثَرِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ مَعَ بَيَانِ الِاخْتِلَافِ فِيهِ عَلَى أَبِي رَجَاءٍ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ: اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مَوْجُودَةٌ حَالَةَ اطِّلَاعِهِ، وَهُوَ مَقْصُودُ التَّرْجَمَةِ. وَسَلْمٌ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَزَرِيرٍ بِوَزْنِ عَظِيمٍ أَوَّلُهُ زَايٌ بَعْدَهَا رَاءٌ وَآخِرُهُ رَاءٌ أَيْضًا.

  17. الثَّالِثُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الْقَصْرِ الَّذِي رَأَى لِعُمَرَ فِي الْجَنَّةِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي مَنَاقِبِهِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ: رَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مَنَامًا لَكِنَّ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ حَقٌّ، وَمِنْ ثَمَّ أَعْمَلَ حُكْمَ غَيْرَةِ عُمَرَ حَتَّى امْتَنَعَ مِنْ دُخُولِ الْقَصْرِ. وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ قَالَ: إِنَّ عُمَرَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ مَا يَرَى فِي يَقَظَتِهِ أَوْ نَوْمِهِ سَوَاءٌ، وَأَنَّهُ قَالَ: بَيْنَا أَنَا فِي الْجَنَّةِ إِذْ رَأَيْتُ فِيهَا جَارِيَةً، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذِهِ؟ فَقِيلَ: لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.

  18. الرَّابِعُ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى الْخَيْمَةُ دُرَّةٌ مُجَوَّفَةٌ طُولُهَا كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلسَّرَخْسِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي: دُرٌّ مُجَوَّفٌ طُولُهُ وَقَعَ عِنْدَهُمَا بِصِيغَةِ الْمُذَكَّرِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْمَقْصُودَ مَعْنَى الْخَيْمَةِ وَهُوَ الشَّيْءُ السَّاتِرُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الرَّحْمَنِ، وَقَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الصَّمَدِ، وَالْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ سِتُّونَ مِيلًا يَعْنِي: أَنَّهُمَا رَوَيَا هَذَا الْحَدِيثَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، فَقَالَا سِتُّونَ بَدَلَ قَوْلِ هَمَّامٍ ثَلَاثُونَ، وَطَرِيقُ أَبِي عَبْدِ الصَّمَدِ وَهُوَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ الْعَمِّيُّ وَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ هُنَاكَ، وَطَرِيقُ الْحَارِثِ بْنِ عُبَيْدٍ وَهُوَ ابْنُ قُدَامَةَ وَصَلَهَا مُسْلِمٌ وَلَفْظُهُ: إِنَّ

    vol. 7, p. 324لِلْعَبْدِ فِي الْجَنَّةِ لَخَيْمَةٌ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ مُجَوَّفَةٍ طُولُهَا سِتُّونَ مِيلًا.

  19. الْحَدِيثُ الْخَامِسُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيمَا أُعِدَّ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ سَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ السَّجْدَةِ.

  20. الْحَدِيثُ السَّادِسُ وَالسَّابِعُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي صِفَةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ مِنْ طَرِيقٍ ثَالِثَةٍ سَيَأْتِي فِي هَذَا الْبَابِ أَيْضًا، وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضَهُ فِي صِفَةِ آدَمَ مِنْ وَجْهٍ رَابِعٍ.

  21. قَوْلُهُ: (أَوَّلُ زُمْرَةٍ) أَيْ جَمَاعَةٍ.

  22. قَوْلُهُ: (صُورَتُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ) أَيْ فِي الْإِضَاءَةِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي الرِّقَاقِ بِلَفْظِ: يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا تُضِيءُ وُجُوهُهُمْ إِضَاءَةَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ هُنَا: وَالَّذِينَ عَلَى أَثَرِهِمْ كَأَشَدِّ كَوْكَبٍ إِضَاءَةً زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى ثُمَّ هُمْ بَعْدَ ذَلِكَ مَنَازِلُ.

  23. قَوْلُهُ: (لَا يَبْصُقُونَ فِيهَا وَلَا يَمْتَخِطُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ) زَادَ فِي صِفَةِ آدَمَ وَلَا يَبُولُونَ وَلَا يَتْفُلُونَ، وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: لَا يَسْقَمُونَ، وَقَدِ اشْتَمَلَ ذَلِكَ عَلَى نَفْيِ جَمِيعِ صِفَاتِ النَّقْصِ عَنْهُمْ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: يَأْكُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ وَيَشْرَبُونَ ولا يبولون وَلَا يَتَغَوَّطُونَ طَعَامَهُمْ، ذَلِكَ جُشَاءٌ كَرِيحِ الْمِسْكِ وَكَأَنَّهُ مُخْتَصَرٌ مِمَّا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ تَزْعُمُ أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ، قَالَ: نَعَمْ، إِنَّ أَحَدَهُمْ لَيُعْطَى قُوَّةَ مِائَةِ رَجُلٍ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ، قَالَ: الَّذِي يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ تَكُونُ لَهُ الْحَاجَةُ وَلَيْسَ فِي الْجَنَّةِ أَذًى، قَالَ: تَكُونُ حَاجَةُ أَحَدِهِمْ رَشْحًا يَفِيضُ مِنْ جُلُودِهِمْ كَرَشْحِ الْمِسْكِ، وَسَمَّى الطَّبَرَانِيُّ فِي رِوَايَتِهِ هَذَا السَّائِلَ ثَعْلَبَةَ بْنَ الْحَارِثِ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: لَمَّا كَانَتْ أَغْذِيَةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي غَايَةِ اللَّطَافَةِ وَالِاعْتِدَالِ لَمْ يَكُنْ فِيهَا أَذًى وَلَا فَضْلَةً تُسْتَقْذَرُ، بَلْ يَتَوَلَّدُ عَنْ تِلْكَ الْأَغْذِيَةِ أَطْيَبُ رِيحٍ وَأَحْسَنُهُ.

  24. قَوْلُهُ: (آنِيَتُهُمْ فِيهَا الذَّهَبُ) زَادَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: وَالْفِضَّةُ، وَقَالَ فِي الْأَمْشَاطِ عَكْسَ ذَلِكَ، وَكَأَنَّهُ اكْتَفَى فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الصِّنْفَانِ لِكُلٍّ مِنْهُمْ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الصِّنْفَيْنِ لِبَعْضِهِمْ وَالْآخَرُ لِلْبَعْضِ الْآخَرِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا الْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا أنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ دَرَجَةً لَمَنْ يَقُومُ عَلَى رَأْسِهِ عَشَرَةُ آلَافِ خَادِمٍ بِيَدِ كُلِّ وَاحِدٍ صَحْفَتَانِ وَاحِدَةٌ مِنْ ذَهَبٍ وَالْأُخْرَى مِنْ فِضَّةٍ، الْحَدِيثَ.

  25. (تَنْبِيهٌ) :

    الْمُشْطُ بِتَثْلِيثِ الْمِيمِ وَالْأَفْصَحُ ضَمُّهَا.

  26. قَوْلُهُ: (وَمَجَامِرُهُمُ الْأَلُوَّةُ) الْأَلُوَّةُ الْعُودُ الَّذِي يُبَخَّرُ بِهِ، قِيلَ: جُعِلَتْ مَجَامِرُهُمْ نَفْسُ الْعُودِ، لَكِنْ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ وَوَقُودُ مَجَامِرِهِمُ الْأَلُوَّةُ فَعَلَى هَذَا فِي رِوَايَةِ الْبَابِ تَجَوُّزٌ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الصَّغَانِيِّ بَعْدَ قَوْلِهِ الْأَلُوَّةُ قَالَ أَبُو الْيَمَانِ يَعْنِي الْعُودَ وَالْمَجَامِرُ جَمْعُ مِجْمَرَةٍ وَهِيَ الْمِبْخَرَةُ سُمِّيَتْ مِجْمَرَةً لِأَنَّهَا يُوضَعُ فِيهَا الْجَمْرُ لِيَفُوحَ بِهِ مَا يُوضَعُ فِيهَا مِنَ الْبَخُورِ، وَالْأَلُوَّةُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا وَبِضَمِّ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ كَسْرَ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفَ الْوَاوِ وَالْهَمْزَةُ أَصْلِيَّةٌ وَقِيلَ زَائِدَةٌ، قَالَ الْأَصْمَعِيُّ أَرَاهَا فَارِسِيَّةً عُرِّبَتْ.

  27. وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ رَائِحَةَ الْعُودِ إِنَّمَا تَفُوحُ بِوَضْعِهِ فِي النَّارِ، وَالْجَنَّةُ لَا نَارَ فِيهَا، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بَعْدَ تَخْرِيجِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ: يُنْظَرُ هَلْ فِي الْجَنَّةِ نَارٌ؟ وَيُجَابُ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَشْتَعِلَ بِغَيْرِ نَارٍ بَلْ بِقَوْلِهِ: كُنْ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ مِجْمَرَةً بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ فِي الْأَصْلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَشْتَعِلَ بِنَارٍ لَا ضَرَرَ فِيهَا وَلَا إِحْرَاقَ، أَوْ يَفُوحُ بِغَيْرِ اشْتِعَالٍ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا إِنَّ الرَّجُلَ فِي الْجَنَّةِ لَيَشْتَهِي الطَّيْرَ فَيَخِرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ مَشْوِيًّا وَفِيهِ الِاحْتِمَالَاتُ الْمَذْكُورَةُ، وَقَدْ ذَكَرَ نَحْوَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْبَابِ الثَّانِي وَالْأَرْبَعِينَ مِنْ حَادِي الْأَرْوَاحِ، وَزَادَ فِي الطَّيْرِ أَوْ يُشْوَى خَارِجَ الْجَنَّةِ أَوْ بِأَسْبَابٍ قُدِّرَتْ لِإِنْضَاجِهِ وَلَا تَتَعَيَّنُ النَّارُ، قَالَ: وَقَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ﴾، ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ وَهِيَ لَا شَمْسَ فِيهَا، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَدْ يُقَالُ أَيُّ حَاجَةٍ لَهُمْ إِلَى الْمُشْطِ وَهُمْ مُرْدٌ

    vol. 7, p. 325وَشُعُورُهُمْ لَا تَتَّسِخُ؟ وَأَيُّ حَاجَةٍ لَهُمْ إِلَى الْبَخُورِ وَرِيحُهُمْ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ؟ قَالَ: وَيُجَابُ بِأَنَّ نَعِيمَ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَكِسْوَةٍ وَطِيبٍ وَلَيْسَ عَنْ أَلَمِ جُوعٍ أَوْ ظَمَإٍ أَوْ عُرْيٍ أَوْ نَتْنٍ، وَإِنَّمَا هِيَ لَذَّاتٌ مُتَتَالِيَةٌ وَنِعَمٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمْ يُنَعَّمُونَ بِنَوْعِ مَا كَانُوا يَتَنَعَّمُونَ بِهِ فِي الدُّنْيَا.

    وَقَالَ النَّوَوِيُّ: مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ تَنَعُّمَ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَلَى هَيْئَةِ تَنَعُّمِ أَهْلِ الدُّنْيَا إِلَّا مَا بَيْنَهُمَا مِنَ التَّفَاضُلِ فِي اللَّذَّةِ، وَدَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى أَنَّ نَعِيمَهُمْ لَا انْقِطَاعَ لَهُ.

  28. قَوْلُهُ: (وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ) أَيْ مِنْ نِسَاءِ الدُّنْيَا، فَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا فِي صِفَةِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً: وَإِنَّ لَهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ لَاثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً سِوَى أَزْوَاجِهِ مِنَ الدُّنْيَا وَفِي سَنَدِهِ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ وَفِيهِ مَقَالٌ، وَلِأَبِي يَعْلَى فِي حَدِيثِ الصُّوَرِ الطَّوِيلِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ فَيَدْخُلُ الرَّجُلُ عَلَى اثنتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِمَّا يُنْشِئُ اللَّهُ وَزَوْجَتَيْنِ مِنْ وَلَدِ آدَمَ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ رَفَعَهُ إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ الَّذِي لَهُ ثَمَانُونَ أَلْفَ خَادِمٍ وَثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ زَوْجَةً وَقَالَ غَرِيبٌ، وَمِنْ حَدِيثِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ عِنْدَهُ: لِلشَّهِيدِ سِتُّ خِصَالٍ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: وَيَتَزَوَّجُ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيِّ رَفَعَهُ مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا زَوَّجَهُ اللَّهُ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ وَسَبْعِينَ وَثِنْتَيْنِ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ جِدًّا، وَأَكْثَرُ مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ فِي الْعَظَمَةِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْثِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رَفَعَهُ: إِنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَيُزَوَّجُ خَمْسَمِائَةِ حَوْرَاءَ أَوْ إِنَّهُ لَيُفْضِي إِلَى أَرْبَعَةِ آلَافِ بِكْرٍ وَثَمَانِيَةِ آلَافِ

    ثَيِّبٍ، وَفِيهِ رَاوٍ لَمْ يُسَمَّ، وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَيُفْضِي إِلَى مِائَةِ عَذْرَاءَ، وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: لَيْسَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ زِيَادَةٌ عَلَى زَوْجَتَيْنِ سِوَى مَا فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لِلْمُؤْمِنِ لَخَيْمَةٌ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ لَهُ فِيهَا أَهْلُونَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ. قُلْتُ: الْحَدِيثُ الْأَخِيرُ صَحَّحَهُ الضِّيَاءُ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي صِفَةِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ ثُمَّ يَدْخُلُ عَلَيْهِ زَوْجَتَاهُ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ أَقَلَّ مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ، وَقَدْ أَجَابَ بَعْضُهُمْ بِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ التَّثْنِيَةُ تَنْظِيرًا لِقَوْلِهِ جَنَّتَانِ وَعَيْنَانِ وَنَحْوُ ذَلِكَ، أَوِ الْمُرَادُ تَثْنِيَةُ التَّكْثِيرِ وَالتَّعْظِيمِ نَحْوُ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ.

  29. وَاسْتَدَلَّ أَبُو هُرَيْرَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ النِّسَاءَ فِي الْجَنَّةِ أَكْثَرُ مِنَ الرِّجَالِ كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْهُ، وَهُوَ وَاضِحٌ لَكِنْ يُعَارِضُهُ قَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ الْكُسُوفِ الْمُتَقَدِّمِ: رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ وَيُجَابُ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ أَكْثَرِيَّتِهِنَّ فِي النَّارِ نَفْيُ أَكْثَرِيَّتِهِنَّ فِي الْجَنَّةِ، لَكِنْ يُشْكِلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَقَلَّ سَاكِنِهَا النِّسَاءَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي رَوَاهُ بِالْمَعْنَى الَّذِي فَهِمَهُ مِنْ أَنَّ كَوْنَهُنَّ أَكْثَرُ سَاكِنِي النَّارِ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُنَّ أَقَلَّ سَاكِنِي الْجَنَّةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِمٍ لِمَا قَدَّمْتُهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ قَبْلَ خُرُوجِ الْعُصَاةِ مِنَ النَّارِ بِالشَّفَاعَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  30. (تَنْبِيهٌ) :
  31. قَالَ النَّوَوِيُّ: كَذَا وَقَعَ زَوْجَتَانِ بِتَاءِ التَّأْنِيثِ، وَهِيَ لُغَةٌ تَكَرَّرَتْ فِي الْحَدِيثِ، وَالْأَكْثَرُ خِلَافُهَا وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآنُ، وَذَكَرَ أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ أَنَّ الْأَصْمَعِيَّ كَانَ يُنَكِّرُ زَوْجَةً وَيَقُولُ: إِنَّمَا هِيَ زَوْجٌ، قَالَ: فَأَنْشَدْنَاهُ قَوْلَ الْفَرَزْدَقِ:

    وَأنَّ الَّذِي يَسْعَى لِيُفْسِدَ زَوْجَتِي … لَسَاعٍ إِلَى أَسَدِ الشَّرَى يَسْتَنِيلُهَا

    قَالَ: فَسَكَتَ. ثُمَّ ذَكَرَ لَهُ شَوَاهِدَ أُخْرَى.

  32. قَوْلُهُ: (مُخُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ) فِي الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ وَالْعَظْمِ، وَالْمُخُّ بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمُعْجَمَةِ مَا فِي دَاخِلِ الْعَظْمِ، وَالْمُرَادُ بِهِ وَصْفُهَا بِالصَّفَاءِ الْبَالِغِ وَأَنَّ مَا فِي دَاخِلِ الْعَظْمِ لَا يَسْتَتِرُ

    vol. 7, p. 326بِالْعَظْمِ وَاللَّحْمِ وَالْجِلْدِ. وَوَقَعَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ: لَيُرَى بَيَاضُ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ سَبْعِينَ حُلَّةً حَتَّى يُرَى مُخُّهَا، وَنَحْوُهُ لِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَزَادَ: يَنْظُرُ وَجْهَهُ فِي خَدِّهَا أَصْفَى مِنَ الْمِرْآةِ.

  33. قَوْلُهُ: (قَلْبُ وَاحِدٍ) فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ بِالْإِضَافَةِ، وَلِلْمُسْتَمْلِي بِالتَّنْوِينِ قَلْبٌ وَاحِدٌ وَهُوَ مِنَ التَّشْبِيهِ الَّذِي حُذِفَتْ أَدَاتُهُ أَيْ كَقَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: لَا تَحَاسُدَ بَيْنَهُمْ وَلَا اخْتِلَافَ أَيْ: أَنَّ قُلُوبَهُمْ طَهُرَتْ عَنْ مَذْمُومِ الْأَخْلَاقِ.

  34. قَوْلُهُ: (يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا) أَيْ قَدْرَهُمَا، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هَذَا التَّسْبِيحُ لَيْسَ عَنْ تَكْلِيفٍ وَإِلْزَامٍ، وَقَدْ فَسَّرَهُ جَابِرٌ فِي حَدِيثِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِقَوْلِهِ: يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَّكْبِيرَ كَمَا يُلْهَمُونَ النَّفَسَ، وَوَجْهُ التَّشْبِيهِ أَنَّ تَنَفُّسَ الْإِنْسَانِ لَا كُلْفَةَ عَلَيْهِ فِيهِ وَلَابُدَّ لَهُ مِنْهُ، فَجَعَلَ تَنَفُّسَهُمْ تَسْبِيحًا، وَسَبَبُهُ أَنَّ قُلُوبَهُمْ تَنَوَّرَتْ بِمَعْرِفَةِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَامْتَلَأَتْ بِحُبِّهِ، وَمَنْ أَحَبَّ شَيْئًا أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِهِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي خَبَرٍ ضَعِيفٍ: أَنَّ تَحْتَ الْعَرْشِ سِتَارَةً مُعَلَّقَةٌ فِيهِ ثُمَّ تُطْوَى، فَإِذَا نُشِرَتْ كَانَتْ عَلَامَةَ الْبُكُورِ، وَإِذَا طُوِيَتْ كَانَتْ عَلَامَةَ الْعَشِيِّ.

  35. قَوْلُهُ فِي آخِرِ الرِّوَايَةِ الثانية: (قَالَ مُجَاهِدٌ: الْإِبْكَارُ أَوَّلُ الْفَجْرِ، وَالْعَشِيُّ مَيْلُ الشَّمْسِ إِلَى أَنْ - أُرَاهُ - تَغْرُبَ) كَذَا فِي الْأَصْلِ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ شَكَّ فِي لَفْظِ تَغْرُبَ فَأَدْخَلَ قَبْلَهَا أُرَاهُ، وَهُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ أَظُنُّهُ، فَهِيَ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ أَنْ وَالْفِعْلِ، وَقَدْ وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَالطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: إِلَى أَنْ تَغِيبَ، وَهُوَ بِالْمَعْنَى الَّذِي ظَنَّهُ الْمُصَنِّفُ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: الْإِبْكَارُ مَصْدَرٌ، تَقُولُ أَبْكَرَ فُلَانٌ فِي حَاجَتِهِ يُبَكِّرُ إِبْكَارًا إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْنِ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى وَقْتِ الضُّحَى، وَأَمَّا الْعَشِيُّ فَمِنْ بَعْدِ الزَّوَالِ قَالَ الشَّاعِرُ:

    فَلَا الظِّلُّ مِنْ بَرْدِ الضُّحَى يَسْتَطِيعُهُ … وَلَا الْفَيْءُ مِنْ بَرْدِ الْعَشِيِّ يَذُوقُ

    قَالَ: وَالْفَيْءُ يَكُونُ مِنْ عِنْدِ زَوَالِ الشَّمْسِ وَيَتَنَاهَى بِمَغِيبِهَا.

  36. الْحَدِيثُ الثَّامِنُ حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي عَدَدِ مَنْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الرِّقَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

  37. الْحَدِيثُ التَّاسِعُ حَدِيثُ أَنَسٍ: أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ ﷺ جُبَّةُ سُنْدُسٍ الْحَدِيثَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ، وَمَضَى مُعْظَمُهُ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا ذِكْرُ مَنَادِيلِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ.

  38. الحديث العاشر حَدِيثُ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ فِي ذَلِكَ، وَذَكَرَهُ عَقِبَ حَدِيثِ أَنَسٍ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ تَعَجَّبَ النَّاسُ مِنْهَا، وَبَيَّنَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ حَيْثُ وَقَعَ فِيهِ: فَجَعَلُوا يَعْجَبُونَ مِنْ حُسْنِهِ وَلِينِهِ وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ أَيْضًا فِي اللِّبَاسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

  39. الْحَدِيثُ الْحَادِي عَشَرَ حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَّلِ الْجِهَادِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ.

  40. الْحَدِيثُ الثَّانِي عَشَرَ حَدِيثُ أَنَسٍ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً.