٤٨ - باب قول الله: ﴿واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها﴾

119 paragraphs · vol. 7, p. 476

Page 3 of 3

  1. قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ) يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ الْعُمَرِيَّ (عَنْ نَافِعٍ) أَيْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَرِوَايَتُهُ وَصَلَهَا أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي ذِكْرِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ فَقَطْ إِلَى قَوْلِهِ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ، وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ يُطْلِقُ الْمُتَابَعَةَ وَيُرِيدُ أَصْلَ الْحَدِيثِ لَا جَمِيعَ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ.

    vol. 7, p. 486
  2. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَكِّيُّ) هُوَ الْأَزْرَقِيُّ وَاسْمُ جَدِّهِ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ، وَوَهِمَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ الْقَوَّاسُ وَاسْمُ جَدِّ الْقَوَّاسِ، عَوْنٌ.

  3. قَوْلُهُ: (عَنْ سَالِمٍ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ.

  4. قَوْلُهُ: (لَا وَاللَّهِ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعِيسَى أَحْمَرَ) اللَّامُ فِي قَوْلِهِ لِعِيسَى بِمَعْنَى عَنْ وَهِيَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الْجَمْعِ بَيْنَ مَا أَنْكَرَهُ ابْنُ عُمَرَ وَأَثْبَتَهُ غَيْرُهُ، وَفِيهِ جَوَازُ الْيَمِينِ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ ظَنَّ أَنَّ الْوَصْفَ اشْتَبَهَ عَلَى الرَّاوِي، وَأَنَّ الْمَوْصُوفَ بِكَوْنِهِ أَحْمَرَ إِنَّمَا هُوَ الدَّجَّالُ لَا عِيسَى، وَقُرْبُ ذَلِكَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُقَالُ لَهُ الْمَسِيحُ وَهِيَ صِفَةُ مَدْحٍ لِعِيسَى وَصِفَةُ ذَمٍّ لِلدَّجَّالِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَدْ سَمِعَ سَمَاعًا جَزْمًا فِي وَصْفِ عِيسَى أَنَّهُ آدَمُ فَسَاغَ لَهُ الْحَلِفُ عَلَى ذَلِكَ لَمَّا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ مَنْ وَصَفَهُ بِأَنَّهُ أَحْمَرُ وَاهِمٌ. (بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ) هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رُؤْيَتَهُ لِلْأَنْبِيَاءِ فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ غَيْرُ الْمَرَّةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَإِنَّ تِلْكَ كَانَتْ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ قِيلَ فِي الْإِسْرَاءِ إِنَّ جَمِيعَهُ مَنَامٌ، لَكِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ كَانَ فِي الْيَقَظَةِ، وَقِيلَ: كَانَ مَرَّتَيْنِ أَوْ مِرَارًا كَمَا سَيَأْتِي فِي مَكَانِهِ، وَمِثْلُهُ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي وَضَعْتُ قَدَمِي حَيْثُ يَضَعُ الْأَنْبِيَاءُ أَقْدَامَهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَعُرِضَ عَلَيَّ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ الْحَدِيثَ، قَالَ عِيَاضٌ: رُؤْيَا النَّبِيِّ ﷺ لِلْأَنْبِيَاءِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ

    vol. 7, p. 487الْأَحَادِيثِ إِنْ كَانَ مَنَامًا فَلَا إِشْكَالَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْيَقِظَةِ فَفِيهِ إِشْكَالٌ.

  5. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَجِّ وَيَأْتِي فِي اللِّبَاسِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنَ الزِّيَادَةِ وَأَمَّا مُوسَى فَرَجُلٌ آدَمُ جَعْدٌ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ مَخْطُومٍ بِخُلْبَةٍ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ إِذَا انْحَدَرَ فِي الْوَادِي وَهَذَا مِمَّا يَزِيدُ الْإِشْكَالَ. وَقَدْ قِيلَ عَنْ ذَلِكَ أَجْوِبَةٌ: أَحَدُهَا أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ أَفْضَلُ مِنَ الشُّهَدَاءِ وَالشُّهَدَاءُ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ فَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُصَلُّوا وَيَحُجُّوا وَيَتَقَرَّبُوا إِلَى اللَّهِ بِمَا اسْتَطَاعُوا مَا دَامَتِ الدُّنْيَا وَهِيَ دَارُ تَكْلِيفٍ بَاقِيَةٌ.

  6. ثَانِيهَا: أَنَّهُ ﷺ أُرِيَ حَالَهُمُ الَّتِي كَانُوا فِي حِيَاتِهِمْ عَلَيْهَا فَمَثَلُوا لَهُ كَيْفَ كَانُوا وَكَيْفَ كَانَ حَجُّهُمْ وَتَلْبِيَتُهُمْ، وَلِهَذَا قَالَ أَيْضًا فِي رِوَايَةِ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ.

  7. ثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ أَخْبَرَ عَمَّا أُوحِيَ إِلَيْهِ ﷺ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَا كَانَ مِنْهُمْ. فَلِهَذَا أَدْخَلَ حَرْفَ التَّشْبِيهِ فِي الرِّوَايَةِ، وَحَيْثُ أَطْلَقَهَا فَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ جَمَعَ الْبَيْهَقِيُّ كِتَابًا لَطِيفًا فِي حَيَاةِ الْأَنْبِيَاءِ فِي قُبُورِهِمْ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَنَسٍ: الْأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ يُصَلُّونَ. أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ وَهُوَ مِنْ رِجَالِ الصَّحِيحِ عَنِ الْمُسْتَلِمِ بْنِ سَعِيدٍ، وَقَدْ وَثَّقَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ، عَنِ الْحَجَّاجِ الْأَسْوَدِ وَهُوَ ابْنُ أَبِي زِيَادٍ الْبَصْرِيُّ، وَقَدْ وَثَّقَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مُعِينٍ، عَنْ ثَابِتٍ عَنْهُ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَهُ عَنْ حَجَّاجٍ الصَّوَّافِ وَهُوَ وَهْمٌ وَالصَّوَابُ الْحَجَّاجُ الْأَسْوَدُ كَمَا وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ وَصَحَّحَهُ الْبَيْهَقِيُّ. وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ، عَنِ الْمُسْتَلِمِ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَابْنُ عَدِيٍّ، وَالْحَسَنُ بْنُ قُتَيْبَةَ ضَعِيفٌ. وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى أَحَدِ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ عَنْ ثَابِتٍ بِلَفْظٍ آخَرَ قَالَ: إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يُتْرَكُونَ فِي قُبُورِهِمْ بَعْدَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَلَكِنَّهُمْ يُصَلُّونَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ حَتَّى يُنْفَخَ فِي الصُّورِ وَمُحَمَّدٌ سَيِّئُ الْحِفْظِ.

  8. وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ ثُمَّ الرَّافِعِيُّ حَدِيثًا مَرْفُوعًا: أَنَا أَكْرَمُ عَلَى رَبِّي مِنْ أَنْ يَتْرُكَنِي فِي قَبْرِي بَعْدَ ثَلَاثٍ وَلَا أُصَلِّي لَهُ إِلَّا إِنْ أُخِذَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى هَذِهِ وَلَيْسَ الْأَخْذُ بِجَيِّدٍ لِأَنَّ رِوَايَةَ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَابِلَةٌ لِلتَّأْوِيلِ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: إِنْ صَحَّ فَالْمُرَادُ أَنَّهُمْ لَا يُتْرَكُونَ يُصَلُّونَ إِلَّا هَذَا الْمِقْدَارَ ثُمَّ يَكُونُونَ مُصَلِّينَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَشَاهِدُ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ: مَرَرْتُ بِمُوسَى لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ. وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَسٍ، فَإِنْ قِيلَ هَذَا خَاصٌّ بِمُوسَى قُلْنَا قَدْ وَجَدْنَا لَهُ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ لَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي الْحِجْرِ وَقُرَيْشٌ تَسْأَلُنِي عَنْ مَسْرَايَ. الْحَدِيثَ. وَفِيهِ وَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلِّي، فَإِذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ جعد كَأَنَّهُ وَفِيهِ: وَإِذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَائِمٌ يُصَلِّي أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَإِذَا إِبْرَاهِيمُ قَائِمٌ يُصَلِّي أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُكُمْ، فَحَانَتِ الصَّلَاةُ فَأَمَمْتُهُمْ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَفِي حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ لَقِيَهُمْ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَأَمَّهُمْ نَبِيُّنَا ﷺ ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ.

  9. وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ، وَمَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ فِي قِصَّةِ الْإِسْرَاءِ أَنَّهُ لَقِيَهُمْ بِالسَّمَوَاتِ، وَطُرُقُ ذَلِكَ صَحِيحَةٌ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ رَأَى مُوسَى قَائِمًا يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ هُوَ وَمِنْ ذُكِرَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَى السَّمَوَاتِ فَلَقِيَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَأَمَّهُمْ نَبِيُّنَا ﷺ . قَالَ: وَصَلَاتُهُمْ فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ

    vol. 7, p. 488وَفِي أَمَاكِنَ مُخْتَلِفَةٍ لَا يَرُدُّهُ الْعَقْلُ، وَقَدْ ثَبَتَ بِهِ النَّقْلُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى حَيَاتِهِمْ. قُلْتُ: وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ مِنْ حَيْثُ النَّقْلِ فَإِنَّهُ يُقَوِّيهِ مِنْ حَيْثُ النَّظَرِ كَوْنُ الشُّهَدَاءِ أَحْيَاءٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَالْأَنْبِيَاءُ أَفْضَلُ مِنَ الشُّهَدَاءِ. وَمِنْ شَوَاهِدِ الْحَدِيثِ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ وَقَالَ فِيهِ: وَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ. سَنَدُهُ صَحِيحٌ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ فِي كِتَابِ الثَّوَابِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ بِلَفْظِ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ عِنْدَ قَبْرِي سَمِعْتُهُ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيَّ نَائِيًا بُلِّغْتُهُ. وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ عَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ رَفَعَهُ فِي فَضْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ. قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرَّمْتَ؟ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ.

  10. وَمِمَّا يُشْكِلُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عليه السلام . وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ. وَوَجْهُ الْإِشْكَالِ فِيهِ أَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ عَوْدَ الرُّوحِ إِلَى الْجَسَدِ يَقْتَضِي انْفِصَالَهَا عَنْهُ وَهُوَ الْمَوْتُ، وَقَدْ أَجَابَ الْعُلَمَاءُ عَنْ ذَلِكَ بِأَجْوِبَةٍ:

    أَحَدِهَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي أَنَّ رَدَّ رُوحِهِ كَانَتْ سَابِقَةً عَقِبَ دَفْنِهِ لَا أَنَّهَا تُعَادُ ثُمَّ تُنْزَعُ ثُمَّ تُعَادُ.

  11. الثَّانِي: سَلَّمْنَا، لَكِنْ لَيْسَ هُوَ نَزْعَ مَوْتٍ بَلْ لَا مَشَقَّةَ فِيهِ.

  12. الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالرُّوحِ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِذَلِكَ.

  13. الرَّابِعُ: الْمُرَادُ بِالرُّوحِ النُّطْقُ فَتَجُوزُ فِيهِ مِنْ جِهَةِ خِطَابِنَا بِمَا نَفْهَمُهُ.

  14. الْخَامِسُ: أَنَّهُ يَسْتَغْرِقُ فِي أُمُورِ الْمَلَإِ الْأَعْلَى، فَإِذَا سَلَّمَ عَلَيْهِ رَجَعَ إِلَيْهِ فَهْمُهُ لِيُجِيبَ مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ. وَقَدِ اسْتُشْكِلَ ذَلِكَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَهُوَ أَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ اسْتِغْرَاقَ الزَّمَانِ كُلِّهِ فِي ذَلِكَ لِاتِّصَالِ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ مِمَّنْ لَا يُحْصَى كَثْرَةً، وَأُجِيبَ بِأَنَّ أُمُورَ الْآخِرَةِ لَا تُدْرَكُ بِالْعَقْلِ، وَأَحْوَالُ الْبَرْزَخِ أَشْبَهُ بِأَحْوَالِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  15. قَوْلُهُ: (سَبِطَ الشَّعْرِ) تَقَدَّمَ مَا فِيهِ.

  16. قَوْلُهُ: (يُهَادَى) أَيْ يَمْشِي مُتَمَايِلًا بَيْنَهُمَا.

  17. قَوْلُهُ: (يَنْطِفُ) بِكَسْرِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ يَقْطُرُ وَمِنْهُ النُّطْفَةُ ; كَذَا قَالَ الدَّاودِيُّ، وَقَالَ غَيْرُهُ: النُّطْفَةُ: الْمَاءُ الصَّافِي. وَقَوْلُهُ: أَوْ يُهَرَاقُ هُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي.

  18. قَوْلُهُ: (أَعْوَرُ عَيْنِهِ الْيُمْنَى) كَذَا هُوَ بِالْإِضَافَةِ وَعَيْنِهِ بِالْجَرِّ لِلْأَكْثَرِ وَهُوَ مِنْ إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى صِفَتِهِ وَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ وَتَقْدِيرُهُ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ عَيْنُ صَفْحَةِ وَجْهِهِ الْيُمْنَى، وَرَوَاهُ الْأَصِيلِيُّ عَيْنُهُ بِالرَّفْعِ كَأَنَّهُ وَقَفَ عَلَى وَصْفِهِ إنَّهُ أَعْوَرُ وَابْتَدَأَ الْخَبَرَ عَنْ صِفَةِ عَيْنِهِ فَقَالَ: عَيْنُهُ كَأَنَّهَا كَذَا وَأَبْرَزَ الضَّمِيرَ. وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ عَيْنُهُ كَأَنَّ عَيْنَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رُفِعَ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي أَعْوَرَ الرَّاجِعِ عَلَى الْمَوْصُوفِ وَهُوَ بَدَلُ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ، وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَرْتَفِعَ بِالصِّفَةِ كَمَا تُرْفَعُ الصِّفَةُ الْمُشَبَّهَةُ بِاسْمِ الْفَاعِلِ لِأَنَّ أَعْوَرَ لَا يَكُونُ نَعْتًا إِلَّا لِمُذَكَّرٍ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عَيْنُهُ مُرْتَفِعَةٌ بِالِابْتِدَاءِ وَمَا بَعْدَهَا الْخَبَرُ، وَقَوْلُهُ: كَأَنَّ عِنَبَةً طَافِيَةً بِالنَّصْبِ عَلَى اسْمِ كَأَنَّ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ كَأَنَّ فِي وَجْهِهِ، وَشَاهِدُهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ

    إِنْ مَحِلًّا وَإِنْ مُرْتَحَلًا

    أَيْ إِنَّ لَنَا مَحِلًّا وَإِنَّ لَنَا مُرْتَحَلًا.

  19. قَوْلُهُ: (كَأَنَّ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ) كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَلِغَيْرِهِ كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ قَبْلُ.

  20. قَوْلُهُ: (وَأَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا ابْنُ قَطَنٍ، قَالَ الزُّهْرِيُّ) أَيْ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ (رَجُلٌ) أَيِ ابْنُ قَطَنٍ (مِنْ خُزَاعَةَ هَلَكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ) . قُلْتُ: اسْمُهُ عَبْدُ الْعُزَّى بْنُ قَطَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ جُنْدُبِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَائِد بْنِ مَالِكِ بْنِ الْمُصْطَلِقِ، وَأُمُّهُ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، أَفَادَهُ الدِّمْيَاطِيُّ قَالَ: وَقَالَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ أَكْثَمَ بْنِ أَبِي الْجَوْنِ وَأَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ يَضُرُّنِي شَبَهُهُ؟ قَالَ: لَا، أَنْتَ مُسْلِمٌ وَهُوَ كَافِرٌ. حَكَاهُ عَنِ ابْنِ سَعْدٍ، وَالْمَعْرُوفُ فِي الَّذِي شَبَّهَ بِهِ ﷺ أَكْثَمُ بْنُ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ جَدُّ خُزَاعَةَ لَا الدَّجَّالُ ; كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ

    vol. 7, p. 489إِنَّ الدَّجَّالَ لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ وَلَا مَكَّةَ أَيْ فِي زَمَنِ خُرُوجِهِ، وَلَمْ يَرِدْ بِذَلِكَ نَفْيُ دُخُولِهِ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  21. الْحَدِيثُ الْخَامِسُ حَدَيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي ذِكْرِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، أَوْرَدَهُ مِنْ ثَلَاث طُرُقٍ: طَرِيقَيْنِ مَوْصُولَيْنِ وَطَرِيقَةٌ مُعَلَّقَةٌ.

  22. قَوْلُهُ: (أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِابْنِ مَرْيَمَ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَيْ أَخَصُّ النَّاسِ بِهِ وَأَقْرَبُهُمْ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ بَشَّرَ بِأَنَّهُ يَأْتِي مِنْ بَعْدِهِ. قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: التَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ أنَّ الْحَدِيثَ وَارِدٌ فِي كَوْنِهِ ﷺ مَتْبُوعًا وَالْآيَةُ وَارِدَةٌ فِي كَوْنِهِ تَابِعًا، كَذَا قَالَ. وَمَسَاقُ الْحَدِيثِ كَمَسَاقِ الْآيَةِ فَلَا دَلِيلَ عَلَى هَذِهِ التَّفْرِقَةِ. وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ لِيُحْتَاجَ إِلَى الْجَمْعِ، فَكَمَا أَنَّهُ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ كَذَلِكَ هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى، ذَاكَ مِنْ جِهَةِ قُوَّةِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ وَهَذَا مِنْ جِهَةِ قُوَّةِ قُرْبِ الْعَهْدِ بِهِ

    قَوْلُهُ: (وَالْأَنْبِيَاءُ أَوْلَادُ عَلَّاتٍ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَذْكُورَةِ وَالْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ وَالْعَلَّاتُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ الضَّرَائِرُ، وَأَصْلُهُ أَنَّ مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ثُمَّ تَزَوَّجَ أُخْرَى كَأَنَّهُ عَلَّ مِنْهَا، وَالْعَلَلُ الشُّرْبُ بَعْدَ الشُّرْبِ، وَأَوْلَادُ الْعَلَّاتِ الْإِخْوَةُ مِنَ الْأَبِ وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَقَدْ بَيَّنَهُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ: أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ وَهُوَ مِنْ بَابِ التَّفْسِيرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ أَصْلَ دِينِهِمْ وَاحِدٌ وَهُوَ التَّوْحِيدُ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ فُرُوعُ الشَّرَائِعِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ أَنَّ أَزْمِنَتَهُمْ مُخْتَلِفَةٌ.

  23. قَوْلُهُ: (لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ) هَذَا أَوْرَدَهُ كَالشَّاهِدِ لِقَوْلِهِ إِنَّهُ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيْهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ آدَمَ وَأَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ بَعْدَ عِيسَى أَحَدٌ إِلَّا نَبِيُّنَا ﷺ ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ وَرَدَ أَنَّ الرُّسُلَ الثَّلَاثَةَ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إِلَى أَصْحَابِ الْقَرْيَةِ الْمَذْكُورَةِ قِصَّتُهُمْ فِي سُورَةِ يس كَانُوا مِنْ أَتْبَاعِ عِيسَى، وَأَنَّ جرجيس وَخَالِدَ بْنَ سِنَانٍ كَانَا نَبِيَّيْنِ وَكَانَا بَعْدَ عِيسَى، وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يُضَعِّفُ مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ بِلَا تَرَدُّدٍ وَفِي غَيْرِهِ مَقَالٌ، أَوِ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ بَعْدَ عِيسَى نَبِيٌّ بِشَرِيعَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، وَإِنَّمَا بُعِثَ بَعْدَهُ مَنْ بُعِثَ بِتَقْرِيرِ شَرِيعَةِ عِيسَى، وَقِصَّةِ خَالِدِ بْنِ سِنَانٍ أَخْرَجَهَا الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَهَا طُرُقٌ جَمَعْتُهَا فِي تَرْجَمَتِهِ فِي كِتَابِي فِي الصَّحَابَةِ.

  24. الْحَدِيثُ السَّادِسُ حَدَيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَأَى عِيسَى رَجُلًا يَسْرِقُ. الْحَدِيثُ أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ مَوْصُولَةٍ وَمُعَلَّقَةٍ.

  25. قَوْلُهُ: (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ إِلَخْ) وَصَلَهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَأَحْمَدُ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ.

  26. قَوْلُهُ: (كَلَّا وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ إِلَّا هُوَ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ طَهْمَانَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ: فَقَالَ لَا وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.

  27. قَوْلُهُ: (وَكَذَّبْتُ عَيْنَيَّ) بِالتَّشْدِيدِ عَلَى التَّثْنِيَةِ، وَلِبَعْضِهِمْ بِالْإِفْرَادِ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي كَذَبَتْ بِالتَّخْفِيفِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَعَيْنِي بِالْإِفْرَادِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ، ووَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَكَذَّبْتُ نَفْسِي وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ طَهْمَانَ وَكَذَّبْتُ بَصَرِي قَالَ ابْنُ التِّينِ: قَالَ عِيسَى ذَلِكَ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي تَصْدِيقِ الْحَالِفِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ وَكَذَّبْتُ عَيْنِي فَلَمْ يُرِدْ حَقِيقَةَ التَّكْذِيبِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ كَذَّبْتُ عَيْنِي فِي غَيْرِ هَذَا، قَالَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَفِيهِ بُعْدٌ. وَقِيلَ: إِنَّهُ أَرَادَ بِالتَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيبِ ظَاهِرَ الْحُكْمِ لَا بَاطِنَ الْأَمْرِ وَإِلَّا فَالْمُشَاهَدَةُ أَعْلَى الْيَقِينِ فَكَيْفَ يُكَذِّبُ عَيْنَهُ وَيُصَدِّقُ قَوْلَ الْمُدَّعِي؟ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رَآهُ مَدَّ يَدَهُ إِلَى الشَّيْءِ فَظَنَّ أَنَّهُ تَنَاوَلَهُ، فَلَمَّا حَلَفَ لَهُ رَجَعَ عَنْ ظَنِّهِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: ظَاهِرُ قَوْلِ عِيسَى لِلرَّجُلِ سَرَقْتَ أَنَّهُ خَبَرٌ جَازِمٌ عَمَّا فَعَلَ الرَّجُلُ مِنَ السَّرِقَةِ لِكَوْنِهِ رَآهُ أَخَذَ مَالًا مِنْ حِرْزٍ فِي خُفْيَةٍ. وَقَوْلُ الرَّجُلِ كَلَّا نَفْيٌ لِذَلِكَ ثُمَّ أَكَّدَهُ بِالْيَمِينِ، وَقَوْلُ عِيسَى: آمَنْتُ بِاللَّهِ وَكَذَّبْتُ عَيْنَيَّ أَيْ صَدَّقْتُ مَنْ حَلَفَ بِاللَّهِ وَكَذَّبْتُ مَا ظَهَرَ لِي مِنْ كَوْنِ الْأَخْذِ الْمَذْكُورِ سَرِقَةً

    vol. 7, p. 490فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ أَخَذَ مَا لَهُ فِيهِ حَقٌّ، أَوْ مَا أَذِنَ لَهُ صَاحِبُهُ فِي أَخْذِهِ، أَوْ أَخَذَهُ لِيُقَلِّبَهُ وَيَنْظُرَ فِيهِ وَلَمْ يَقْصِدَ الْغَصْبَ وَالِاسْتِيلَاءَ. قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عِيسَى كَانَ غَيْرَ جَازِمٍ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ اسْتِفْهَامَهُ بِقَوْلِهِ سَرَقْتَ؟ وَتَكُونُ أَدَاةُ الِاسْتِفْهَامِ مَحْذُوفَةً وَهُوَ سَائِغٌ كَثِيرٌ انْتَهَى.

  28. وَاحْتِمَالُ الِاسْتِفْهَامِ بَعِيدٌ مَعَ جَزْمِهِ ﷺ بِأَنَّ عِيسَى رَأَى رَجُلًا يَسْرِقُ، وَاحْتِمَالُ كَوْنِهِ يَحِلُّ لَهُ الْأَخْذُ بَعِيدٌ أَيْضًا بِهَذَا الْجَزْمِ بِعَيْنِهِ، وَالْأَوَّلُ مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِ الْقَاضِي عِيَاضٍ، وَقَدْ تَعَقَّبَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ إِغَاثَةُ اللَّهْفَانِ فَقَالَ: هَذَا تَأْوِيلٌ مُتَكَلَّفٌ، وَالْحَقُّ أَنَّ اللَّهَ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَجَلَّ مِنْ أَنْ يَحْلِفَ بِهِ أَحَدٌ كَاذِبًا، فَدَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ تُهْمَةِ الْحَالِفِ وَتُهْمَةِ بَصَرِهِ فَرَدَّ التُّهْمَةَ إِلَى بَصَرِهِ، كَمَا ظَنَّ آدَمُ صِدْقَ إِبْلِيسَ لَمَّا حَلَفَ لَهُ أَنَّهُ لَهُ نَاصِحٌ. قُلْتُ: وَلَيْسَ بِدُونِ تَأْوِيلِ الْقَاضِي فِي التَّكَلُّفِ، وَالتَّشْبِيهُ غَيْرُ مُطَابِقٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى دَرْءِ الْحَدِّ بِالشُّبْهَةِ، وَعَلَى مَنْعِ الْقَضَاءِ بِالْعِلْمِ، وَالرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ مَنْعُهُ مُطْلَقًا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ جَوَازُهُ إِلَّا فِي الْحُدُودِ وَهَذِهِ الصُّورَةُ مِنْ ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي بَسْطُهُ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

  29. الْحَدِيثُ السَّابِعُ حَدَيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ، هُوَ مِنْ رِوَايَةِ الصَّحَابِيِّ عَنِ الصَّحَابِيِّ.

  30. قَوْلُهُ: (لَا تُطْرُونِي) بِضَمِّ أَوَّلِهِ، وَالْإِطْرَاءُ الْمَدْحُ بِالْبَاطِلِ تَقُولُ: أَطْرَيْتُ فُلَانًا مَدَحْتُهُ فَأَفْرَطْتُ فِي مَدْحِهِ.

  31. قَوْلُهُ: (كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ) أَيْ فِي دَعْوَاهُمْ فِيهِ الْإِلَهِيَّةَ وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَهَذَا الْحَدِيثُ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ السَّقِيفَةِ، وَقَدْ سَاقَهُ الْمُصَنِّفُ مُطَوَّلًا فِي كِتَابِ الْمُحَارِبِينَ، وَذَكَرَ مِنْهُ قِطَعًا مُتَفَرِّقَةً فِيمَا مَضَى وَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهَا فِي مَكَانِهَا.

  32. الْحَدِيثُ الثَّامِنُ.

  33. قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ.

  34. قَوْلُهُ: (إِنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ قَالَ لِلشَّعْبِيِّ، فَقَالَ الشَّعْبِيُّ) حَذَفَ السُّؤَالَ وَقَدْ بَيَّنَهُ فِي رِوَايَةِ حِبَّانَ بْنِ مُوسَى، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ فَقَالَ: إِنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ قَالَ لِلشَّعْبِيِّ: إِنَّا نَقُولُ عِنْدَنَا إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَعْتَقَ أُمَّ وَلَدِهِ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فَهُوَ كَالرَّاكِبِ بَدَنَتَهُ، فَقَالَ الشَّعْبِيُّ فَذَكَرَهُ، أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ عَنْهُ.

  35. قَوْلُهُ: (إِذَا أَدَّبَ الرَّجُلُ أَمَتَهُ) يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي النِّكَاحِ.

  36. قَوْلُهُ: (وَإِذَا آمَنَ الرَّجُلُ بِعِيسَى ثُمَّ آمَنَ بِي فَلَهُ أَجْرَانِ) تَقَدَّمَ مَبَاحِثُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ مُسْتَوْفَاةٌ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ عِيسَى وَبَيْنَ نَبِيِّنَا ﷺ نَبِيٌّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ.

  37. قَوْلُهُ: (وَالْعَبْدُ إِذَا اتَّقَى رَبَّهُ إِلَخْ) تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ.

    قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفَرَبْرِيُّ: ذُكِرَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ قَبِيصَةَ قَالَ: هُمْ الْمُرْتَدُّونَ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ، فَقَاتَلَهُمْ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه .

  38. الْحَدِيثُ التَّاسِعُ حَدَيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّهِ حُفَاةً (١) . الْحَدِيثَ. وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي أَوَاخِرِ الرِّقَاقِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ ذِكْرُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾.

  39. قَوْلُهُ: (قَالَ الْفَرَبْرِيُّ ذُكِرَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ الْبُخَارِيُّ (عَنْ قَبِيصَةَ) هُوَ ابْنُ عُقْبَةَ أَحَدِ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، أَيْ إِنَّهُ حَمَلَ قَوْلَهُ: مِنْ أَصْحَابِي أَيْ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ قَبْلَ الرِّدَّةِ لَا أَنَّهُمْ مَاتُوا عَلَى ذَلِكَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنِ ارْتَدَّ سُلِبَ اسْمَ الصُّحْبَةِ لِأَنَّهَا نِسْبَةٌ شَرِيفَةٌ إِسْلَامِيَّةٌ فَلَا يَسْتَحِقُّهَا مَنِ ارْتَدَّ بَعْدَ أَنِ اتَّصَفَ بِهَا، وَقَدْ أَخْرَجَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى، عَنْ إِسْحَاقَ، عَنْ قَبِيصَةَ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ بِهِ.