٥٤ - باب

115 paragraphs · vol. 7, p. 511

Page 3 of 3

  1. الْحَدِيثُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: حَدَيثُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فِي الطَّاعُونِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الطِّبِّ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: الطَّاعُونُ رِجْزٌ أُرْسِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَوَقَعَ هُنَا رِجْسٌ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ بَدَلَ الزَّايِ وَالْمَحْفُوظُ بِالزَّايِ، وَوَجَّهَهُ الْقَاضِي بِأَنَّ الرِّجْسَ يَقَعُ عَلَى الْعُقُوبَةِ أَيْضًا، وَقَدْ قَالَ الْفَارَابِيُّ، وَالْجَوْهَرِيُّ: الرِّجْسُ الْعَذَابُ.

    vol. 7, p. 520
  2. قَوْلُهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ (فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ، قَالَ أَبُو النَّضْرِ: لَا يُخْرِجْكُمْ إِلَّا فِرَارًا مِنْهُ) يُرِيدُ أَنَّ الْأُولَى رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ وَالثَّانِيَةُ رِوَايَةُ أَبِي النَّضْرِ، فَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ فَلَا إِشْكَالَ فِيهَا، وَأَمَّا رِوَايَةُ أَبِي النَّضْرِ فَرِوَايَتُهَا بِالنَّصْبِ كَالَّذِي هُنَا مُشْكِلَةٌ، وَرَوَاهَا جَمَاعَةٌ بِالرَّفْعِ وَلَا إِشْكَالَ فِيهَا، قَالَ عِيَاضٌ فِي الشَّرْحِ: وَقَعَ لِأَكْثَرِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأ بِالرَّفْعِ وَهُوَ بَيِّنٌ أَنَّ السَّبَبَ الَّذِي يُخْرِجُكُمُ الْفِرَارُ وَمُجَرَّدُ قَصْدِهِ لَا غَيْرَ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْخُرُوجَ إِلَى الْأَسْفَارِ وَالْحَوَائِجِ مُبَاحٌ، وَيُطَابِقُ الرِّوَايَةَ الْأُخْرَى: فَلَا يخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ قَالَ: رَوَاهُ بَعْضُهُمْ إِلَّا فِرَارًا مِنْهُ قَالَ: وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: جَاءَ بِالْوَجْهَيْنِ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ كانَ مِنْ مَالِكٍ، وَأَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ يَقُولُونَ دُخُولُ إِلَّا هُنَا بَعْدَ النَّفْيِ لِإِيجَابِ بَعْضِ مَا نُفِيَ قَبْلُ مِنَ الْخُرُوجِ، فَكَأَنَّهُ نَهَى عَنِ الْخُرُوجِ إِلَّا لِلْفِرَارِ خَاصَّةً، وَهُوَ ضِدُّ الْمَقْصُودِ، فَإِنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ إِنَّمَا هُوَ الْخُرُوجُ لِلْفِرَارِ خَاصَّةً لَا لِغَيْرِهِ، قَالَ: وَجَوَّزَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ وَجَعَلَ قَوْلَهُ إِلَّا حَالًا مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ، أَيْ لَا تَخْرُجُوا إِذَا لَمْ يَكُنْ خُرُوجُكُمْ إِلَّا لِلْفِرَارِ، قَالَ عِيَاضٌ: وَوَقَعَ لِبَعْضِ رُوَاةِ الْمُوَطَّإِ: لَا يُخْرِجْكُمُ الْإِفْرَارُ، بِأَدَاةِ التَّعْرِيفِ وَبَعْدَهَا إِفْرَارٌ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَهُوَ وَهْمٌ وَلَحْنٌ.

    وَقَالَ فِي الْمَشَارِقِ مَا حَاصِلُهُ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ، يُقَالُ: أَفَرَّهُ كَذَا مِنْ كَذَا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: إِنْ كَانَ لَا يُفِرُّكَ مِنْ هَذَا إِلَّا مَا تَرَى، فَيَكُونُ الْمَعْنَى لَا يُخْرِجْكُمْ إِفْرَارُهُ إِيَّاكُمْ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ غَلَطٌ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ أَفَرَّ وَإِنَّمَا يُقَالُ فَرَّرَ، قَالَ: وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: إِدْخَالُ إِلَّا فِيهِ غَلَطٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ زَائِدَةٌ وَتَجُوزُ زِيَادَتُهُ كَمَا تُزَادُ لَا، وَخَرَّجَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهَا لِلْإِيجَابِ، فَذَكَرَ نَحْوَ مَا مَضَى، قَالَ: وَالْأَقْرَبُ أَنْ تَكُونَ زَائِدَةً، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الْجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ: لَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ، وَبَيْنَ قَوْلِ أَبِي النَّضْرِ: لَا يُخْرِجْكُمْ إِلَّا فِرَارًا مِنْهُ مُشْكِلٌ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ التَّنَاقُضُ، ثُمَّ أَجَابَ بِأَجْوِبَةٍ: أَحَدِهَا أَنَّ غَرَضَ الرَّاوِي أَنَّ أَبَا النَّضْرِ فَسَّرَ لَا تَخْرُجُوا بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْحَصْرُ يَعْنِي الْخُرُوجَ الْمَنْهِيَّ هُوَ الَّذِي يَكُونُ لِمُجَرَّدِ الْفِرَارِ لَا لِغَرَضٍ آخَرَ، فَهُوَ تَفْسِيرٌ لِلْمُعَلَّلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لَا لِلنَّهْيِ. قُلْتُ: وَهُوَ بَعِيدٌ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ مِنْ كَلَامِ أَبِي النَّضْرِ زَادَهُ بَعْدَ الْخَبَرِ وَأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِابْنِ الْمُنْكَدِرِ عَلَى اللَّفْظِ الْأَوَّلِ رِوَايَةً، وَالْمُتَبَادَرُ خِلَافُ ذَلِكَ. وَالْجَوَابُ الثَّانِي كَالْأَوَّلِ وَالزِّيَادَةُ مَرْفُوعَةٌ أَيْضًا فَيَكُونُ رَوَى اللَّفْظَيْنِ وَيَكُونُ التَّفْسِيرُ مَرْفُوعًا أَيْضًا. الثَّالِثُ إِلَّا زَائِدَةٌ بِشَرْطِ أَنْ تَثْبُتَ زِيَادَتُهَا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ.

  3. الْحَدِيثُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: حَدَيثُ عَائِشَةَ فِي ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الطِّبِّ أَيْضًا.

  4. الْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ، وَأَوْرَدَهُ هُنَا بِلَفْظِ: إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ: إِنَّ

    vol. 7, p. 521بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا وَهُوَ الْمُطَابِقُ لِلتَّرْجَمَةِ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

  5. الْحَدِيثُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: حَدَيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي النَّهْيِ عَنْ الِاخْتِلَافِ فِي الْقِرَاءَةِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ.

  6. الْحَدِيثُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: حَدَيثُ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَشَقِيقٌ هُوَ أَبُو وَائِلٍ.

  7. قَوْلُهُ: (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ هَذَا النَّبِيِّ صَرِيحًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ نُوحٌ عليه السلام ، فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمُبْتَدَأ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِ الشُّعَرَاءِ مِنْ طَرِيقِ ابنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيِّ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ قَوْمَ نُوحٍ كَانُوا يَبْطِشُونَ بِهِ فَيَخْنُقُونَهُ حَتَّى يُغْشَى عَلَيْهِ، فَإِذَا أَفَاقَ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ. قُلْتُ: وَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ فَكَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ، ثُمَّ لَمَّا يَئِسَ مِنْهُمْ قَالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ بَعْدَ تَخْرِيجِ هَذَا الْحَدِيثِ حَدِيثَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ فِي قِصَّةِ أُحُدٍ: كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ دَمَّوْا وَجْهَ نَبِيِّهِمْ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ هُوَ الْحَاكِي وَالْمَحْكِيُّ كمَا سَيَأْتِي. وَأَمَّا النَّوَوِيُّ فَقَالَ: هَذَا النَّبِيُّ الَّذِي جَرَى لَهُ مَا حَكَاهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَقَدْ جَرَى لِنَبِيِّنَا نَحْوُ ذَلِكَ يَوْمَ أُحُدٍ.

  8. قَوْلُهُ: (وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ) يَحْتَمِلُ أَنَّ ذَلِكَ لَمَّا وَقَعَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ذَكَرَ لِأَصْحَابِهِ أَنَّهُ وَقَعَ لِنَبِيٍّ آخَرَ قَبْلَهُ، وَذَلِكَ فِيمَا وَقَعَ لَهُ يَوْمَ أُحُدٍ لَمَّا شُجَّ وَجْهُهُ وَجَرَى الدَّمُ مِنْهُ. فَاسْتَحْضَرَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ قِصَّةَ ذَلِكَ النَّبِيِّ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ فَذَكَرَ قِصَّتَهُ لِأَصْحَابِهِ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ. وَأَغْرَبَ الْقُرْطُبِيُّ فَقَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ هُوَ الْحَاكِي وَهُوَ الْمَحْكِيُّ عَنْهُ، قَالَ: وَكَأَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ قَبْلَ وُقُوعِ الْقِصَّةِ، وَلَمْ يُسَمِّ ذَلِكَ النَّبِيَّ، فَلَمَّا وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ تَعَيَّنَ أَنَّهُ هُوَ الْمَعْنِيُّ بِذَلِكَ. قُلْتُ: وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ أَنَّ التَّرْجَمَةَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فَيَتَعَيَّنَ الْحَمْلُ عَلَى بَعْضِ أَنْبِيَائِهِمْ، وَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: إن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.

    قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: مَعْنَى هَذَا الدُّعَاءِ الَّذِي قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ لَمَّا شُجَّ وَجْهُهُ، أَيِ: اغْفِرْ لَهُمْ ذَنْبَهُمْ فِي شَجِّ وَجْهِي، لَا أَنَّهُ أَرَادَ الدُّعَاءَ لَهُمْ بِالْمَغْفِرَةِ مُطْلَقًا، إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَأُجِيبَ وَلَوْ أُجِيبَ لَأَسْلَمُوا كُلُّهُمْ، كَذَا قَالَ، وَكَأَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَخَلَّفَ بَعْضُ دُعَائِهِ عَلَى بَعْضٍ أَوْ عَنْ بَعْضٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِثُبُوتِ: أَعْطَانِي اثْنَتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً، وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَنْعَامِ، ثُمَّ وَجَدْتُ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ مَا يَمْنَعُ تَأْوِيلَ الْقُرْطُبِيِّ، وَيُعَيِّنُ الْغَزْوَةَ الَّتِي قَالَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ وَلَفْظُهُ: قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ بِالْجِعِرَّانَةِ، قَالَ: فَازْدَحَمُوا عَلَيْهِ فَقَالَ: إِنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى قَوْمِهِ فَكَذَّبُوهُ وَشَجُّوهُ، فَجَعَلَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ جَبِينِهِ وَيَقُولُ: رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ جَبْهَتَهُ يَحْكِي الرَّجُلَ. قُلْتُ: وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا الَّذِي قَالَهُ عَبْدُ اللَّهِ أَنَّ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ مَسَحَ أَيْضًا، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ حَكَى صِفَةَ مَسْحِ جَبْهَتِهِ خَاصَّةً كَمَا مَسَحَهَا ذَلِكَ النَّبِيُّ، وَظَهَرَ بِذَلِكَ فَسَادُ مَا زَعَمَهُ الْقُرْطُبِيُّ.

  9. الْحَدِيثُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ، وَالسَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ، وَالثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: أَحَادِيثُ أَبِي سَعِيدٍ، وَحُذَيْفَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الَّذِي أَوْصَى بِأَنْ يُحْرَقَ إِذَا مَاتَ، أَوْرَدَهُ مِنْ طُرُقٍ، وَتَقَدَّمَ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَسَأَذْكُرُ جَمِيعَ فَوَائِدِهِ هُنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

  10. قَوْلُهُ: (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَبْدِ الْغَافِرِ) بَيَّنَ فِي الرِّوَايَةِ الْمُعَلَّقَةِ تِلْوَ هَذِهِ سَمَاعَ قَتَادَةَ مِنْ عُقْبَةَ، وَعُقْبَةُ الْمَذْكُورُ أَزْدِيٌّ بَصْرِيٌّ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَحَدِيثٌ آخَرُ تَقَدَّمَ فِي الْوَكَالَةِ. وَطَرِيقُ مُعَاذٍ هَذِهِ وَصَلَهَا مُسْلِمٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ بِهِ.

  11. قَوْلُهُ: (رَغَسَهُ اللَّهُ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا سِينٌ مُهْمَلَةٌ، أَيْ كَثَّرَ مَالَهُ، وَقِيلَ رَغْسُ كُلِّ شَيْءٍ أَصْلُهُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: جَعَلَ لَهُ أَصْلًا مِنْ مَالٍ. وَوَقَعَ فِي مُسْلِمٍ

    vol. 7, p. 522رَأَسَهُ اللَّهُ بِهَمْزٍ بَدَلَ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَهُوَ غَلَطٌ، فَإِنْ صَحَّ - أَيْ مِنْ جِهَةِ الرِّوَايَةِ - فَكَأَنَّهُ كَانَ فِيهِ رَاشَهُ يَعْنِي بِأَلِفٍ سَاكِنَةٍ بِغَيْرِ هَمْزٍ وَبِشِينٍ مُعْجَمَةٍ، وَالرِّيشُ وَالرِّيَاشُ الْمَالُ، انْتَهَى. وَيَحْتَمِلُ فِي تَوْجِيهِ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَنْ يُقَالَ: مَعْنَى رَأَّسَهُ جَعَلَهُ رَأْسًا وَيَكُونُ بِتَشْدِيدِ الْهَمْزَةِ، وَقَوْلُهُ مَالًا، أَيْ بِسَبَبِ الْمَالِ.

  12. قَوْلُهُ: (قَالَ عُقْبَةُ، لِحُذَيْفَةَ) هُوَ عُقْبَةُ بْنُ عُمَرَ أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ الْبَدْرِيُّ.

  13. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُوسَى) هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّبُوذَكِيُّ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَصَوَّبَ أَبُو ذَرٍّ رِوَايَةَ الْأَكْثَرِ وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ أَنَّهُ عَنْ مُوسَى ; وَمُوسَى، وَمُسَدَّدٌ جَمِيعًا قَدْ سَمِعَا مِنْ أَبِي عَوَانَةَ، لَكِنَّ الصَّوَابَ هُنَا مُوسَى لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ سَاقَ الْحَدِيثَ عَنْ مُسَدَّدٍ، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ مُوسَى خَالَفَهُ فِي لَفْظَةٍ مِنْهُ وَهِيَ قَوْلُهُ: فِي يَوْمِ رَاحٍ، فَإِنَّ فِي رِوَايَةِ مُسَدَّدٍ يَوْمٌ حَارٌّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ سِيَاقُ مُوسَى فِي أَوَّلِ بَابِ ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقَالَ فِيهِ: انْظُرُوا يَوْمًا رَاحًا وَقَوْلُهُ: رَاحًا أَيْ كَثِيرَ الرِّيحِ، وَيُقَالُ ذَلِكَ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي تَخْتَرِقُهُ الرِّيَاحُ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: يَوْمٌ رَاحٌ، أَيْ شَدِيدُ الرِّيحِ، وَإِذَا كَانَ طَيِّبَ الرِّيحِ يُقَالُ الرَّيِّحُ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: يَوْمٌ رَاحٌ أَيْ ذُو رِيحٍ كَمَا يُقَالُ رَجُلٌ مَالٌ أَيْ ذُو مَالٍ، وَأَمَّا رِوَايَةُ الْبَابِ فَقَوْلُهُ فِي يَوْمٍ حَارٍ فَهُوَ بِتَخْفِيفِ الرَّاءِ، قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: الْحَوَرُ رِيحٌ تَحِنُّ كَحَنِينِ الْإِبِلِ، وَقَدْ نَبَّهَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ عَلَى مَا وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ. وَظَنَّ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ عَنَى بِذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي أَوَّلِ ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ إِلَّا رِوَايَتُهُ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ وَهُوَ صَحِيحٌ، لَكِنَّ مُرَادَ الْجَيَّانِيِّ مَا وَقَعَ هُنَا، وَهُوَ بَيِّنٌ لِمَنْ تَأَمَّلَ ذَلِكَ.

  14. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ) هُوَ ابْنُ عُمَيْرٍ الْمَذْكُورُ فِي الْإِسْنَادِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَمُرَادُهُ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ رَوَاهُ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ مِثْلَ الرِّوَايَةِ الَّتِي قَبْلَهُ إِلَّا فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ ; وَهَذَا يَقْتَضِي خَطَأَ مَنْ أَوْرَدَهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى بِلَفْظِ رَاحٍ وَهِيَ رِوَايَةُ السَّرَخْسِيِّ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو الْوَلِيدِ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، فَقَالَ فِيهِ: فِي رِيحٍ عَاصِفٍ، أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الرِّقَاقِ.

  15. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هُوَ ابْنُ يُوسُفَ.

  16. قَوْلُهُ: (كَانَ رَجُلٌ يُسْرِفُ عَلَى نَفْسِهِ) تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ كَانَ نَبَّاشًا، وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الرِّقَاقِ أَنَّهُ كَانَ يُسِيءُ الظَّنَّ بِعَمَلِهِ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَبْتَئِرْ خَيْرًا، وَسَيَأْتِي نَقْلُ الْخِلَافِ فِي تَحْرِيرِهَا هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ إن رَجُلًا كَانَ قَبْلَكُمْ.

  17. قَوْلُهُ: (أَوْرُوا) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَضَمِّ الرَّاءِ، أَيِ اقْدَحُوا وَأَشْعِلُوا.

  18. قَوْلُهُ: (إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي ثُمَّ اطْحَنُونِي ثُمَّ ذُرُّونِي) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ، فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فَقَالَ لِبَنِيهِ لَمَّا حُضِرَ - بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ - أَيُّ أَبٍ كُنْتُ لَكُمْ؟ قَالُوا: خَيْرُ أَبٍ، قَالَ: فَإِنِّي لَمْ أَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، فَإِذَا مُتُّ اسْحَقُونِي ثُمَّ ذَرُونِي بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالتَّخْفِيفِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ ثُمَّ أَذْرُونِي بِزِيَادَةِ هَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ فِي أَوَّلِهِ، فَالْأُولَى بِمَعْنَى دَعُونِي أَيِ اتْرُكُونِي، وَالثَّانِي مِنْ قَوْلِهِ أَذْرَتِ الرِّيحُ الشَّيْءَ إِذَا فَرَّقَتْهُ بِهُبُوبِهَا، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ.

  19. قَوْلُهُ: (فِي الرِّيحِ) تَقَدَّمَ مَا فِي رِوَايَةِ حُذَيْفَةَ مِنَ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ أَيْ عَاصِفٌ رِيحُهُ، وَفِي حَدِيثِ مُعَاذٍ، عَنْ شُعْبَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي رِيحٍ عَاصِفٍ وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ حَتَّى إِذَا أَكَلَتْ لَحْمِي وَخَلَصَتْ إِلَى عَظْمِي وَامْتُحِشْتُ، وَهُوَ بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا شِينٌ مُعْجَمَةٌ، أَيْ وَصَلَ الْحَرْقُ الْعِظَامَ، وَالْمَحْشُ إِحْرَاقُ النَّارِ الْجِلْدَ.

  20. قَوْلُهُ: (فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي قَالَ الْخَطَّابِيُّ: قَدْ يُسْتَشْكَلُ هَذَا فَيُقَالُ: كَيْفَ يُغْفَرُ لَهُ وَهُوَ مُنْكِرٌ لِلْبَعْثِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى إِحْيَاءِ الْمَوْتَى؟ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَمْ يُنْكِرِ الْبَعْثَ وَإِنَّمَا جَهِلَ فَظَنَّ أَنَّهُ إِذَا فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ لَا يُعَادُ فَلَا يُعَذَّبُ، وَقَدْ ظَهَرَ إِيمَانُهُ بِاعْتِرَافِهِ بِأَنَّهُ إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ

    vol. 7, p. 523قُتَيْبَةَ: قَدْ يَغْلَطُ فِي بَعْضِ الصِّفَاتِ قَوْمٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَكْفُرُونَ بِذَلِكَ ; وَرَدَّهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَقَالَ: جَحْدُهُ صِفَةَ الْقُدْرَةِ كُفْرٌ اتِّفَاقًا، وَإِنَّمَا قِيلَ إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ أَيْ ضَيَّقَ، وَهِيَ كقوله: وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ أَيْ ضُيِّقَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَعَلِّي أُضِلُّ اللَّهَ فَمَعْنَاهُ: لَعَلِّي أَفُوتَهُ، يُقَالُ: ضَلَّ الشَّيْءُ إِذَا فَاتَ وَذَهَبَ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ وَلَعَلَّ هَذَا الرَّجُلُ قَالَ ذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ جَزَعِهِ وَخَوْفِهِ كَمَا غَلِطَ ذَلِكَ الْآخَرُ فَقَالَ: أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَوْ يَكُونُ قَوْلُهُ: لَئِنْ قَدَّرَ عَلَيَّ بِتَشْدِيدِ الدَّالِ، أَيْ: قَدَّرَ عَلَيَّ أَنْ يُعَذِّبَنِي لَيُعَذِّبَنِي، أَوْ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُثْبِتًا لِلصَّانِعِ وَكَانَ فِي زَمَنِ الْفَتْرَةِ فَلَمْ تَبْلَغْهُ شَرَائِطُ الْإِيمَانِ، وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي حَالِ دَهْشَتِهِ وَغَلَبَةِ الْخَوْفِ عَلَيْهِ حَتَّى ذُهِبَ بِعَقْلِهِ لِمَا يَقُولُ، وَلَمْ يَقُلْهُ قَاصِدًا لِحَقِيقَةِ مَعْنَاهُ بَلْ فِي حَالَةٍ كَانَ فِيهَا كَالْغَافِلِ وَالذَّاهِلِ وَالنَّاسِي الَّذِي لَا يُؤَاخَذُ بِمَا يَصْدُرُ مِنْهُ، وَأَبْعَدُ الْأَقْوَالِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ فِي شَرْعِهِمْ جَوَازُ الْمَغْفِرَةِ لِلْكَافِرِ.

  21. قَوْلُهُ: (فَأَمَرَ اللَّهُ الْأَرْضَ فَقَالَ: اجْمَعِي مَا فِيكِ مِنْهُ فَفَعَلَتْ) وَفِي حَدِيثِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ فَقَالَ اللَّهُ لَهُ: كُنْ، فَكَانَ كَأَسْرَعِ مِنْ طَرْفَةِ الْعَيْنِ، وَهَذَا جَمِيعُهُ كَمَا قَالَ ابْنُ عُقَيْلٍ إِخْبَارٌ عَمَّا سَيَقَعُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ خَاطَبَ رُوحَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُنَاسِبُ قَوْلَهُ: فَجَمَعَهُ اللَّهُ، لِأَنَّ التَّحْرِيقَ وَالتَّفْرِيقَ إِنَّمَا وَقَعَ عَلَى الْجَسَدِ وَهُوَ الَّذِي يُجْمَعُ وَيُعَادُ عِنْدَ الْبَعْثِ.

  22. قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ خَشْيَتُكَ) الْغَيْرُ الْمَذْكُورُ هُوَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، كَذَا رَوَاهُ عَنْ مَعْمَرٍ بِلَفْظِ خَشْيَتُكَ بَدَلَ مَخَافَتُكَ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِهَذَا، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبَى سَعِيدٍ مَخَافَتُكَ، وَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ خَشْيَتُكَ.

  23. قَوْلُهُ فِي آخِرِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ (فَتَلْقَاهُ رَحْمَتُهُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَتَلَافَاهُ قَالَ ابْنُ التِّينِ: أَمَّا تَلَقَّاهُ بِالْقَافِ فَوَاضِحٌ. لَكِنَّ الْمَشْهُورَ تَعْدِيَتُهُ بِالْبَاءِ وَقَدْ جَاءَ هُنَا بِغَيْرِ تَعْدِيَةٍ، وَعَلَى هَذَا فَالرَّحْمَةُ مَنْصُوبَةٌ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُ الرَّحْمَةِ وَهِيَ عَلَى هَذَا بِالرَّفْعِ، قَالَ: وَأَمَّا تَلَافَاهُ بِالْفَاءِ فَلَا أَعْرِفُ لَهُ وَجْهًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ فَتَلَفَّفَهُ أَيْ غَشَّاهُ، فَلَمَّا اجْتَمَعَتْ ثَلَاثُ فَاءَاتٍ أُبْدِلَتِ الْأَخِيرَةُ أَلِفًا مِثْلُ دَسَّاهَا كَذَا قَالَ وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ مِنَ الثُّلَاثِيِّ، وَالْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي التَّلَقِّي. وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ سَلْمَانَ مِمَّا تَلَافَاهُ عِنْدَهَا أَنْ غُفِرَ لَهُ.

  24. الْحَدِيثُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ: حَدَيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الَّذِي كَانَ يُدَايِنُ النَّاسَ، قَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبُيُوعِ.

  25. الْحَدِيثُ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ: قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) هَذَا هُوَ الْمَحْفُوظُ، وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَقَالَ: عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ حَكَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ قَالَ: وَرَوَاهُ أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ أَيْضًا، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قُلْتُ: رِوَايَتُهُ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ أَنْ يَكُونَ رِبْعِيٌّ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي مَسْعُودٍ وَمِنْ حُذَيْفَةَ جَمِيعًا.

  26. قَوْلُهُ: (إِنْ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ) النَّاسُ بِالرَّفْعِ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ، وَيَجُوزُ النَّصْبُ، أَيْ: مِمَّا بَلَغَ النَّاسَ، وَقَوْلُهُ: مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ أَيْ: مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَنْبِيَاءُ، أَيْ: إِنَّهُ مِمَّا نَدَبَ إِلَيْهِ الْأَنْبِيَاءُ وَلَمْ يُنْسَخْ فِيمَا نُسِخَ مِنْ شَرَائِعِهِمْ، لِأَنَّهُ أَمْرٌ أَطْبَقَتْ عَلَيْهِ الْعُقُولُ، وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ، وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا النُّبُوَّةُ الْأُولَى أَيِ الَّتِي قَبْلَ نَبِيِّنَا ﷺ .

  27. قَوْلُهُ: (فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ) هُوَ أَمْرٌ بِمَعْنَى الْخَبَرِ، أَوْ هُوَ لِلتَّهْدِيدِ، أَيِ: اصْنَعْ مَا شِئْتَ فَإِنَّ اللَّهَ يَجْزِيكَ، أَوْ مَعْنَاهُ انْظُرْ إِلَى مَا تُرِيدُ أَنْ تَفْعَلَهُ فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يستحى مِنْهُ فَافْعَلْهُ وَإِنْ كَانَ مِمَّا يستحى مِنْهُ فَدَعْهُ، أَوِ الْمَعْنَى أَنَّكَ إِذَا لَمْ تَسْتَحِ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ يَجِبُ أَنْ لَا تَسْتَحْيِيَ مِنْهُ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ فَافْعَلْهُ وَلَا تُبَالِ بِالْخَلْقِ، أَوِ الْمُرَادُ الْحَثُّ عَلَى الْحَيَاءِ وَالتَّنْوِيهُ بِفَضْلِهِ، أَيْ لَمَّا لَمْ يَجُزْ صُنْعُ جَمِيعِ مَا شِئْتَ لَمْ يَجُزْ تَرْكُ الِاسْتِحْيَاءِ.

  28. الْحَدِيثُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ:
  29. حَدَيثُ ابْنِ عُمَرَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ يَجُرُّ إِزَارَهُ مِنَ الْخُيَلَاءِ خُسِفَ بِهِ سَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ، وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ يُونُسَ أَيْضًا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَأَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ.

    vol. 7, p. 524
  30. قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ) أَيِ ابْنُ مُسَافِرٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) أَيْ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَطَرِيقُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هَذِهِ وَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ.

  31. الْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ: حَدَيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي فَضْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ.

  32. الْحَدِيثُ الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ فِي النَّهْيِ عَنِ الْوَصْلِ فِي الشِّعْرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَتَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى مَكَانِ شَرْحِهِ.

  33. قَوْلُهُ (تَابَعَهُ غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ) وَصَلَهُ مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ غُنْدَرٍ - وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ - بِهِ.

  34. (خَاتِمَةٌ) :
  35. اشْتَمَلَ كِتَابُ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى مِائَتَيْ حَدِيثٍ وَتِسْعَةِ أَحَادِيثَ، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى مِائَةٌ وَسَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ حَدِيثًا، وَالْخَالِصُ اثْنَانِ وَثَمَانُونَ حَدِيثًا، الْمُعَلَّقُ مِنْهَا ثَلَاثُونَ طَرِيقًا وَسَائِرُهَا مَوْصُولٌ، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ عَائِشَةَ الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ وَحَدِيثِ قَالَ رَجُلٌ رَأَيْتُ السَّدَّ، وَهَذَانَ مُعَلَّقَانِ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ زَمْزَمَ وَبِنَاءِ الْبَيْتِ بِطُولِهِ، وَحَدِيثِهِ فِي تَعْوِيذِ الْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنِ، وَحَدِيثِ سَبْرَةَ ابْنِ مَعْبَدٍ، وَحَدِيثِ أَبِي الشُّمُوسِ، وَحَدِيثِ أَبِي ذَرٍ وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ مُعَلَّقَاتٌ، وَحَدِيثِ أُمِّ رُومَانَ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنَّمَا سُمِّيَ الْخَضِرُ وَحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي يُونُسَ عليه السلام ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ خُفِّفَ عَلَى دَاوُدَ الْقُرْآنُ وَحَدِيثِ عُمْرَ لَا تُطْرُونِي، وَحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي كَرَاهِيَةِ الِاتِّكَاءِ عَلَى الْخَاصِرَةِ، وَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بَلِّغُوا عَنِّي وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنَّ الْيَهُودَ لَا يَصْبُغُونَ، وَحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الطَّاعُونِ، وَحَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ فِي الْحَيَاءِ. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ سِتَّةٌ وَثَمَانُونَ أَثَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحِبَهُ وَسَلَّمَ.