٢٣ - باب صفة النبي ﷺ
172 paragraphs · vol. 7, p. 563
Page 3 of 5
- vol. 7, p. 571
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ) أَيِ ابْنُ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ.
-
قَوْلُهُ: (وَأَحْسَنُهُ خَلْقًا) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ لِلْأَكْثَرِ، وَضَبَطَهُ ابْنُ التِّينِ بِضَمِّ أَوَّلِهِ، وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ بِالشَّكِّ وَأَحْسَنُهُ خَلْقًا أَوْ خُلُقًا وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ قَبْلَهُ: أَحْسَنُ النَّاسِ وَجْهًا فَإِنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى الْحُسْنِ الْحِسِّيِّ، فَيَكُونُ فِي الثَّانِي إِشَارَةٌ إِلَى الْحُسْنِ الْمَعْنَوِيِّ. وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِفَرَسِ أَبِي طَلْحَةَ الَّذِي قَالَ فِيهِ: إِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا وَهُوَ عِنْدَهُ فِي مَوَاضِعَ، مِنْهَا أَنَّ فِي أَوَّلِهِ فِي بَابِ الشَّجَاعَةِ فِي الْحَرْبِ كَانَ أَحْسَنَ النَّاسِ وَأَشْجَعَ النَّاسِ وَأَجْوَدَ النَّاسِ فَجَمَعَ صِفَاتِ الْقُوَى الثَّلَاثِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْغَضَبِيَّةِ وَالشَّهْوَانِيَّةِ، فَالشَّجَاعَةُ تَدُلُّ عَلَى الْغَضَبِيَّةِ، وَالْجُودُ يَدُلُّ عَلَى الشَّهَوِيَّةِ، وَالْحُسْنُ تَابِعٌ لِاعْتِدَالِ الْمِزَاجِ الْمُسْتَتْبِعِ لِصَفَاءِ النَّفْسِ الَّذِي بِهِ جَوْدَةُ الْقَرِيحَةِ الدَّالِّ عَلَى الْعَقْلِ، فَوُصِفَ بِالْأَحْسَنِيَّةِ فِي الْجَمِيعِ.
-
وَمَضَى فِي الْجِهَادِ وَالْخُمُسِ حَدِيثُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلًا وَلَا كَذُوبًا وَلَا جَبَانًا. فَأَشَارَ بِعَدَمِ الْجُبْنِ إِلَى كَمَالِ الْقُوَّةِ الْغَضَبِيَّةِ وَهِيَ الشَّجَاعَةُ، وَبِعَدَمِ الْكَذِبِ إِلَى كَمَالِ الْقُوَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَهِيَ الْحِكْمَةُ، وَبِعَدَمِ الْبُخْلِ إِلَى كَمَالِ الْقُوَّةِ الشَّهْوَانِيَّةِ وَهُوَ الْجُودُ.
-
قَوْلُهُ: (لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ وَلَا بِالْقَصِيرِ) تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ رَبِيعَةَ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ كَانَ رَبْعَةً، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يُمَاشِيهِ مِنَ النَّاسِ يُنْسَبُ إِلَى الطُّولِ إِلَّا طَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَلَرُبَّمَا اكْتَنَفَهُ الرَّجُلَانِ الطَّوِيلَانِ فَيَطُولُهُمَا، فَإِذَا فَارَقَاهُ نُسِبَا إِلَى الطُّولِ، وَنُسِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الرَّبْعَةِ وَقَوْلُهُ: (الْبَائِنِ) بِالْمُوَحَّدَةِ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ بَانَ أَيْ ظَهَرَ عَلَى غَيْرِهِ أَوْ فَارَقَ مَنْ سِوَاهُ.
- الْحَدِيثُ السَّابِعُ حَدِيثُ قَتَادَةَ سَأَلْتُ أَنَسًا:
- vol. 7, p. 572
هَلْ خَضَبَ النَّبِيُّ ﷺ ؟ قَالَ: إِنَّمَا كَانَ شَيْءٌ فِي صُدْغَيْهِ الصُّدْغُ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الدَّالِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ مَا بَيْنَ الْأُذُنِ وَالْعَيْنِ، وَيُقَالُ ذَلِكَ أَيْضًا لِلشَّعْرِ الْمُتَدَلِّي مِنَ الرَّأْسِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَهَذَا مُغَايِرٌ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ أَنَّ الشَّعْرَ الْأَبْيَضَ كَانَ فِي عَنْفَقَتِهِ، وَوَجْهُ الْجَمْعِ مَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمْ يَخَضِبْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَإِنَّمَا كَانَ الْبَيَاضُ فِي عَنْفَقَتِهِ وَفِي الصُّدْغَيْنِ، وَفِي الرَّأْسِ نُبَذٌ أَيْ مُتَفَرِّقٌ.
-
وَعُرِفَ مِنْ مَجْمُوعِ ذَلِكَ أَنَّ الَّذِي شَابَ مِنْ عَنْفَقَتِهِ أَكْثَرُ مِمَّا شَابَ مِنْ غَيْرِهَا، وَمُرَادُ أَنَسٍ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي شَعْرِهِ مَا يَحْتَاجُ إِلَى الْخِضَابِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَضَبَ؟ قَالَ: لَمْ يَبْلُغِ الْخِضَابَ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ لَوْ شِئْتُ أَنْ أَعُدَّ شَمَطَاتٍ كُنَّ فِي رَأْسِهِ لَفَعَلْتُ زَادَ ابْنُ سَعْدٍ، وَالْحَاكِمُ مَا شَانَهُ بِالشَّيْبِ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ فَقَدْ شَمِطَ مُقَدَّمُ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ، وَكَانَ إِذَا ادَّهَنَ لَمْ يَتَبَيَّنْ، فَإِذَا لَمْ يَدَّهِنْ تَبَيَّنَ وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رِمْثَةَ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَعَلَيْهِ بُرْدَانِ أَخْضَرَانِ، وَلَهُ شَعْرٌ قَدْ عَلَاهُ الشَّيْبُ، وَشَيْبُهُ أَحْمَرُ مَخْضُوبٌ بِالْحِنَّاءِ فَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُخَضِّبُ بِالصُّفْرَةِ.
-
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَجِّ وَغَيْرِهِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنْ يُحْمَلَ نَفْيُ أَنَسٍ عَلَى غَلَبَةِ الشَّيْبِ حَتَّى يَحْتَاجَ إِلَى خِضَابِهِ، وَلَمْ يَتَّفِقْ أَنَّهُ رَآهُ وَهُوَ مُخَضِّبٌ، وَيُحْمَلُ حَدِيثُ مَنْ أَثْبَتَ الْخَضْبَ عَلَى أَنَّهُ فَعَلَهُ لِإِرَادَةِ بَيَانِ الْجَوَازِ وَلَمْ يُوَاظِبْ عَلَيْهِ.
-
وَأَمَّا مَا تَقَدَّمَ عَنْ أَنَسٍ وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا شَانَهُ اللَّهُ بِبَيْضَاءَ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الشَّعَرَاتِ الْبِيضِ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِهَا شَيْءٌ مِنْ حُسْنِهِ ﷺ ، وَقَدْ أَنْكَرَ أَحْمَدُ إِنْكَارَ أَنَسٍ أَنَّهُ خَضَبَ، وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَخَضِبُ بِالصُّفْرَةِ وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ، وَوَافَقَ مَالِكٌ، أَنَسًا فِي إِنْكَارِ الْخِضَابِ، وَتَأَوَّلَ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ.
-
الْحَدِيثُ الثَّامِنُ حَدِيثُ الْبَرَاءِ.
-
قَوْلُهُ: (بَعِيدٌ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ) أَيْ عَرِيضٌ أَعْلَى الظَّهْرِ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ رَحْبُ الصَّدْرِ.
-
قَوْلُهُ: (لَهُ شَعْرٌ يَبْلُغُ شَحْمَةَ أُذُنِهِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أُذُنَيْهِ بِالتَّثْنِيَةِ. وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ تَكَادُ جُمَّتُهُ تُصِيبُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ.
-
قَوْلُهُ: (وَقَالَ يُوسُفُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ) هُوَ يُوسُفُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ نَسَبَهُ إِلَى جَدِّهِ.
-
قَوْلُهُ: (إِلَى مَنْكِبَيْهِ) أَيْ زَادَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ جَدِّهِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَهُ شَعْرٌ يَبْلُغُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ إِلَى مَنْكِبَيْهِ، وَطَرِيقُ يُوسُفَ هَذِهِ أَوْرَدَهَا الْمُصَنِّفُ قَبْلَ هَذَا بِحَدِيثٍ لَكِنَّهُ اخْتَصَرَهَا، قَالَ ابْنُ التِّينِ تَبَعًا لِلدَّاوُدِيِّ: قَوْلُهُ: يَبْلُغُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ مُغَايِرٌ لِقَوْلِهِ: إِلَى مَنْكِبَيْهِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ مُعْظَمَ شَعْرِهِ كَانَ عِنْدَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ، وَمَا اسْتَرْسَلَ مِنْهُ مُتَّصِلٌ إِلَى الْمَنْكِبِ. أَوْ يُحْمَلُ عَلَى حَالَتَيْنِ. وَقَدْ وَقَعَ نَظِيرُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ قَتَادَةَ عَنْهُ أَنَّ شَعْرَهُ كَانَ بَيْنَ أُذُنَيْهِ وَعَاتِقِهِ وَفِي حَدِيثِ حُمَيْدٍ عَنْهُ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ وَمِثْلُهُ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ رِوَايَةِ ثَابِتٍ عَنْهُ، وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادٍ، عَنْ ثَابِتٍ عَنْهُ لَا يُجَاوِزُ شَعْرُهُ أُذُنَيْهِ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا قَدَّمْتُهُ، أَوْ عَلَى أَحْوَالٍ مُتَغَايِرَةٍ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ شَعْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوْقَ الْوَفْرَةِ وَدُونَ الْجُمَّةِ.
-
وَفِي حَدِيثِ هِنْدِ بْنِ أَبِي هَالَةَ فِي صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ فَلَا يُجَاوِزُ شَعْرُهُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ إِذَا هُوَ وَفْرَةٌ أَيْ جَعَلَهُ وَفْرَةً، فَهَذَا الْقَيْدُ يُؤَيِّدُ الْجَمْعَ الْمُتَقَدِّمَ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَلَهُ أَرْبَعُ غَدَائِرَ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
-
الْحَدِيثُ التَّاسِعُ حَدِيثُ الْبَرَاءِ أَيْضًا.
-
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) هُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ وَأَبُو إِسْحَاقَ هُوَ السَّبِيعِيُّ.
-
قَوْلُهُ: (سُئِلَ الْبَرَاءُ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، عَنْ زُهَيْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ لَهُ رَجُلٌ.
- قَوْلُهُ:
- vol. 7, p. 573
(مِثْلَ السَّيْفِ؟ قَالَ: لَا، بَلْ مِثْلُ الْقَمَرِ) كَأَنَّ السَّائِلَ أَرَادَ أَنَّهُ مِثْلُ السَّيْفِ فِي الطُّولِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ الْبَرَاءُ فَقَالَ: بَلْ مِثْلُ الْقَمَرِ أَيْ فِي التَّدْوِيرِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ مِثْلَ السَّيْفِ فِي اللَّمَعَانِ وَالصِّقَالِ؟ فَقَالَ: بَلْ فَوْقَ ذَلِكَ، وَعَدَلَ إِلَى الْقَمَرِ لِجَمْعِهِ الصِّفَتَيْنِ مِنَ التَّدْوِيرِ وَاللَّمَعَانِ: وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ الْمَذْكُورَةِ أَكَانَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيدًا مِثْلَ السَّيْفِ؟ وَهُوَ يُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ.
-
وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ: أَكَانَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ السَّيْفِ؟ قَالَ: لَا بَلْ مِثْلُ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ مُسْتَدِيرًا وَإِنَّمَا قَالَ: مُسْتَدِيرًا لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُ جَمَعَ الصِّفَتَيْنِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: مِثْلَ السَّيْفِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الطُّولَ أَوِ اللَّمَعَانَ، فَرَدَّهُ الْمَسْئُولُ رَدًّا بَلِيغًا. وَلَمَّا جَرَى التَّعَارُفُ فِي أَنَّ التَّشْبِيهَ بِالشَّمْسِ إِنَّمَا يُرَادُ بِهِ غَالِبًا الْإِشْرَاقُ، وَالتَّشْبِيهُ بِالْقَمَرِ إِنَّمَا يُرَادُ بِهِ الْمَلَاحَةُ دُونَ غَيْرِهِمَا، أَتَى بِقَوْلِهِ: وَكَانَ مُسْتَدِيرًا إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ أَرَادَ التَّشْبِيهَ بِالصِّفَتَيْنِ مَعًا: الْحُسْنِ وَالِاسْتِدَارَةِ.
-
وَلِأَحْمَدَ، وَابْنِ سَعْدٍ، وَابْنِ حِبَّانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، كَأَنَّ الشَّمْسَ تَجْرِي فِي جَبْهَتِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: شَبَّهَ جَرَيَانَ الشَّمْسِ فِي فَلَكِهَا بِجَرَيَانِ الْحُسْنِ فِي وَجْهِهِ ﷺ ، وَفِيهِ عَكْسُ التَّشْبِيهِ لِلْمُبَالَغَةِ، قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ تَنَاهِي التَّشْبِيهِ جَعْلُ وَجْهِهِ مَقَرًّا وَمَكَانًا لِلشَّمْسِ. وَرَوَى يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ فِي تَارِيخِهِ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ أَبِي يَعْفُورَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ هَمْدَانَ قَالَتْ: حَجَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ لَهَا: شَبِّهِيهِ. قَالَتْ: كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَفِي حَدِيثِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ لَوْ رَأَيْتَهُ لَرَأَيْتَ الشَّمْسَ طَالِعَةً أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ، وَفِي حَدِيثِ يَزِيدَ الرَّقَّاشِيِّ الْمُتَقَدِّمِ قَرِيبًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ جَمِيلُ دَوَائِرِ الْوَجْهِ، قَدْ مَلَأَتْ لِحْيَتُهُ مِنْ هَذِهِ إِلَى هَذِهِ حَتَّى كَادَتْ تَمْلَأُ نَحْرَهُ. وَرَوَى الذُّهْلِيُّ فِي الزُّهْرِيَّاتِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي صِفَتِهِ ﷺ كَانَ أَسِيلَ الْخَدَّيْنِ، شَدِيدَ سَوَادِ الشَّعْرِ، أَكْحَلَ الْعَيْنَيْنِ، أَهْدَبَ الْأَشْفَارِ الْحَدِيثَ.
-
وَكَأَنَّ قَوْلَهُ: أَسِيلَ الْخَدَّيْنِ هُوَ الْحَامِلُ عَلَى مَنْ سَأَلَ: أَكَانَ وَجْهُهُ مِثْلَ السَّيْفِ؟ وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ عِنْدَ أَبِي عُبَيْدٍ فِي الْغَرِيبِ وَكَانَ فِي وَجْهِهِ تَدْوِيرٌ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي شَرْحِهِ: يُرِيدُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي غَايَةٍ مِنَ التَّدْوِيرِ، بَلْ كَانَ فِيهِ سُهُولَةٌ، وَهِيَ أَحْلَى عِنْدَ الْعَرَبِ.
-
الْحَدِيثُ الْعَاشِرُ قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ) هُوَ أَبُو عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيُّ الشَّطَوِيُّ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ، ثُمَّ الْمُهْمَلَةِ، لَمْ يُخَرِّجْ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ.
-
قَوْلُهُ: (قَالَ شُعْبَةُ) هُوَ مُتَّصِلٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ.
-
قَوْلُهُ: (وَزَادَ فِيهِ عَوْنٌ عَنْ أَبِيهِ أَبِي جُحَيْفَةَ) سَيَأْتِي هَذَا الْحَدِيثُ بِزِيَادَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي آخِرِ الْبَابِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ.
-
قَوْلُهُ: (فَإِذَا هِيَ أَبْرَدُ مِنَ الثَّلْجِ وَأَطْيَبُ رَائِحَةً مِنَ الْمِسْكِ) وَقَعَ مِثْلُهُ فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ قَالَ: فَمَسَحَ صَدْرِي فَوَجَدْتُ لِيَدِهِ بَرْدًا - أَوْ رِيحًا - كَأَنَّمَا أَخْرَجَهَا مِنْ جُونَةِ عَطَّارٍ وَفِي حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، وَالْبَيْهَقِيِّ: لَقَدْ كُنْتُ أُصَافِحُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوْ يَمَسُّ جِلْدِي جِلْدَهُ - فَأَتَعَرَّفُهُ بَعْدُ فِي يَدِي وَإِنَّهُ لَأَطْيَبَ رَائِحَةً مِنَ الْمِسْكِ.
-
وَفِي حَدِيثِهِ عِنْدَ أَحْمَدَ أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ، فَشَرِبَ مِنْهُ ثُمَّ مَجَّ فِي الدَّلْوِ، ثُمَّ فِي الْبِئْرِ فَفَاحَ مِنْهُ مِثْلُ رِيحِ الْمِسْكِ. وَرَوَى مُسْلِمٌ حَدِيثَ أَنَسٍ فِي جَمْعِ أُمِّ سُلَيْمٍ عَرَقَهُ ﷺ وَجَعْلِهَا إِيَّاهُ فِي الطِّيبِ، وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ وَهُوَ أَطْيَبُ الطِّيبِ. وَأَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الَّذِي اسْتَعَانَ بِهِ ﷺ عَلَى تَجْهِيزِ ابْنَتِهِ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ، فَاسْتَدْعَى بِقَارُورَةٍ فَسَلَتْ لَهُ فِيهَا مِنْ عَرَقِهِ، وَقَالَ لَهُ: مُرْهَا فَلْتَطَّيَّبْ بِهِ، فَكَانَتْ إِذَا تَطَيَّبَتْ بِهِ شَمَّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ رَائِحَةَ ذَلِكَ الطِّيبِ فَسُمُّوا بَيْتَ الْمُطَيَّبِينَ.
-
وَرَوَى أَبُو
vol. 7, p. 574يَعْلَى، وَالْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا مَرَّ فِي طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْمَدِينَةِ وُجِدَ مِنْهُ رَائِحَةُ الْمِسْكِ، فَيُقَالُ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
-
الْحَدِيثُ الْحَادِي عَشَرَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الصِّيَامِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ وَصْفُهُ عليه الصلاة والسلام بِالْجُودِ.
-
الْحَدِيثُ الثَّانِي عَشَرَ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الْقَائِفِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهَا: تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ وَالْأَسَارِيرُ جَمْعُ أَسْرَارٍ وَهِيَ جَمْعُ سُرُرٍ وَهِيَ الْخُطُوطُ الَّتِي تَكُونَ فِي الْجَبْهَةِ.
-
الْحَدِيثُ الثَّالِثَ عَشَرَ حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَهُوَ طَرَفٌ مِنْ قِصَّةِ تَوْبَتِهِ، وَسَيَأْتِي بِطُولِهِ فِي الْمَغَازِي مُسْتَوْفًى شَرْحُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
قَوْلُهُ: (اسْتَنَارَ وَجْهُهُ كَأَنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ) أَيِ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَبِينُ فِيهِ السُّرُورُ، وَهُوَ جَبِينُهُ، فَلِذَلِكَ قَالَ: قِطْعَةُ قَمَرٍ وَلَعَلَّهُ كَانَ حِينَئِذٍ مُلَثَّمًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ قِطْعَةُ قَمَرٍ الْقَمَرَ نَفْسَهُ. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ الْتَفَتَ إِلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ بِوَجْهِهِ مِثْلَ شُقَّةِ الْقَمَرِ فَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى صِفَتِهِ عِنْدَ الِالْتِفَاتِ، وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ حَدِيثَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ مِنْ طُرُقٍ فِي بَعْضِهَا كَأَنَّهُ دَارَةُ قَمَرٍ.
-
الْحَدِيثُ الرَّابِعَ عَشَرَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ.
-
قَوْلُهُ: (عَنْ عَمْرٍو) هُوَ ابْنُ أَبِي عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ، وَاسْمُ أَبِي عَمْرٍو مَيْسَرَةُ.
-
قَوْلُهُ: (بُعِثْتُ مِنْ خَيْرِ قُرُونِ بَنِي آدَمَ قَرْنًا فَقَرْنًا) الْقَرْنُ الطَّبَقَةُ مِنَ النَّاسِ الْمُجْتَمِعِينَ فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَدَّهُ بِمِائَةِ سَنَةٍ وَقِيلَ: بِسَبْعِينَ، وَقِيلَ بِغَيْرِ ذَلِكَ. فَحَكَى الْحَرْبِيُّ الِاخْتِلَافَ فِيهِ مِنْ عَشَرَةٍ إِلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ، ثُمَّ تَعَقَّبَ الْجَمِيعَ وَقَالَ: الَّذِي أَرَاهُ أَنَّ الْقَرْنَ كُلُّ أُمَّةٍ هَلَكَتْ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهَا أَحَدٌ. وَقَوْلُهُ: (قَرْنًا) بِالنَّصْبِ حَالٌ لِلتَّفْصِيلِ.
-
قَوْلُهُ: (حَتَّى كُنْتُ مِنَ الْقَرْنِ الَّذِي كُنْتُ مِنْهُ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ حَتَّى بُعِثْتُ مِنَ الْقَرْنِ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ وَسَيَأْتِي فِي أَوَّلِ مَنَاقِبِ الصَّحَابَةِ حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
الْحَدِيثُ الْخَامِسَ عَشَرَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ.
-
قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَعَنْهُ فِيهِ إِسْنَادٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَنَسٍ سَدَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَاصِيَتَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ فَرَقَ بَعْدُ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا أَحْمَدُ، وَقَالَ: تَفَرَّدَ بِهِ حَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ مَالِكٍ وَأَخْطَأَ فِيهِ، وَالصَّوَابُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الصَّوَابُ عَنْ مَالِكٍ فِيهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا كَمَا فِي الْمُوَطَّأِ.
-
قَوْلُهُ: (يَسْدُلُ شَعْرَهُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الدَّالِ، وَيَجُوزُ ضَمُّهَا، أَيْ يَتْرُكُ شَعْرَ نَاصِيَتِهِ عَلَى جَبْهَتِهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْمُرَادُ إِرْسَالُهُ عَلَى الْجَبِينِ وَاتِّخَاذُهُ كَالْقُصَّةِ، أَيْ بِضَمِّ الْقَافِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ.