٥ - باب قول النبي ﷺ لو كنت متخذا خليلا قاله أبو سعيد
172 paragraphs · vol. 8, p. 17
Page 5 of 5
- vol. 8, p. 39
قَوْلُهُ: (وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ) قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا دُعَاءٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ، أَيْ أَنَّهُ لَا مَفْهُومَ لَهُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قُرْبِ وَفَاةِ أَبِي بَكْرٍ، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ عليه السلام : ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ فَإِنَّهَا إِشَارَةٌ إِلَى قُرْبِ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ . قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ قِلَّةَ الْفُتُوحِ فِي زَمَانِهِ لَا صُنْعَ لَهُ فِيهِ، لِأَنَّ سَبَبَهُ قِصَرُ مُدَّتِهِ، فَمَعْنَى الْمَغْفِرَةِ لَهُ رَفْعُ الْمَلَامَةِ عَنْهُ.
-
قَوْلُهُ: (فَاسْتَحَالَتْ فِي يَدِهِ غَرْبًا) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، أَيْ دَلْوًا عَظِيمَةً.
-
قَوْلُهُ: (فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا قَافٌ مَفْتُوحَةٌ وَرَاءٌ مَكْسُورَةٌ وَتَحْتَانِيَّةٌ ثَقِيلَةٌ، وَالْمُرَادُ بِهِ كُلُّ شَيْءٍ بَلَغَ النِّهَايَةَ، وَأَصْلُهُ أَرْضٌ يَسْكُنُهَا الْجِنُّ ضَرَبَ بِهَا الْعَرَبُ الْمَثَلَ فِي كُلِّ شَيْءٍ عَظِيمٍ، قِيلَ: قَرْيَةٌ يُعْمَلُ فِيهَا الثِّيَابُ الْبَالِغَةُ فِي الْحُسْنِ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ مَا فِيهِ فِي مَنَاقِبِ عُمَرَ.
-
قَوْلُهُ: (يَفْرِي) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ، وَقَوْلُهُ: فَرِيَّهُ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ الْمَفْتُوحَةِ، وَرُوِيَ بِسُكُونِ الرَّاءِ وَخَطَّأَهُ الْخَلِيلُ، وَمَعْنَاهُ يَعْمَلُ عَمَلَهُ الْبَالِغَ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي عُمَرَ يَنْزِعُ نَزْعَ عُمَرَ.
-
قَوْلُهُ: (حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَآخِرُهُ نُونٌ، هُوَ مُنَاخُ الْإِبِلِ إِذَا شَرِبَتْ ثُمَّ صَدَرَتْ، وَسَيَأْتِي فِي مَنَاقِبِ عُمَرَ بِلَفْظِ: حَتَّى رُوِيَ النَّاسُ وَضَرَبُوا بِعَطَنٍ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي الطُّفَيْلِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ، وَالطَّبَرَانِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَنْزِعُ اللَّيْلَةَ إِذْ وَرَدَتْ عَلَيَّ غَنَمٌ سُودٌ وَعُفْرٌ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَنَزَعَ فَذَكَرَهُ، وَقَالَ فِي عُمَرَ: فَمَلَأَ الْحِيَاضَ وَأَرْوَى الْوَارِدَةَ، وَقَالَ فِيهِ: فَأَوَّلْتُ السُّودَ الْعَرَبَ وَالْعُفْرَ الْعَجَمَ.
-
قَوْلُهُ: (قَالَ وَهْبٌ) هُوَ ابْنُ جَرِيرٍ شَيْخُ شَيْخِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَكَلَامُهُ هَذَا مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ، وَقَوْلُهُ: يَقُولُ: حَتَّى رُوِيَتِ الْإِبِلُ فَأَنَاخَتْ هُوَ مَقُولُ وَهْبٍ الْمَذْكُورِ، وَسَيَأْتِي شَيْءٌ مِنْ مَبَاحِثِهِ فِي كِتَابِ التَّعْبِيرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: أَشَارَ بِالْبِئْرِ إِلَى الدِّينِ الَّذِي هُوَ مَنْبَعٌ مَاؤُهُ حَيَاةُ النُّفُوسِ وَتَمَامُ أَمْرِ الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ، وَالنَّزْعُ مِنْهُ إِخْرَاجُ الْمَاءِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى إِشَاعَةِ أَمْرِهِ وَإِجْرَاءِ أَحْكَامِهِ. وَقَوْلُهُ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ ضَعْفَهُ - الْمُرَادَ بِهِ الرِّفْقُ - غَيْرُ قَادِحٍ فِيهِ، أَوِ الْمُرَادُ بِالضَّعْفِ مَا وَقَعَ فِي أَيَّامِهِ مِنْ أَمْرِ الرِّدَّةِ وَاخْتِلَافِ الْكَلِمَةِ إِلَى أَنِ اجْتَمَعَ ذَلِكَ فِي آخِرِ أَيَّامِهِ وَتَكَمَّلَ فِي زَمَانِ عُمَرَ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِالْقُوَّةِ.
-
وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْتُ كَأَنَّ دَلْوًا مِنَ السَّمَاءِ دُلِّيَتْ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَشَرِبَ شُرْبًا ضَعِيفًا، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ فَشَرِبَ حَتَّى تَضَلَّعَ الْحَدِيثُ، فَفِي هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى بَيَانِ الْمُرَادِ بِالنَّزْعِ الضَّعِيفِ وَالنَّزْعِ الْقَوِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الحديث العشرون.
-
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ صَالِحٍ) هُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ الضَّبِّيُّ الْجزَرِيُّ النَّخَّاسُ بِالنُّونِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ، وَلَمْ يَكْتُبْ عَنْهُ أَحْمَدُ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ فَرَآهُ يُصَلِّي فَلَمْ تُعْجِبْهُ صَلَاتُهُ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا
vol. 8, p. 40الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ، وَسَيَأْتِي مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي مَنَاقِبِ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، فَظَهَرَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يَحْتَجَّ بِهِ.
-
قَوْلُهُ: (كُنْتُ وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ) قَالَ ابْنُ التِّينِ: الْأَحْسَنُ عِنْدَ النُّحَاةِ أَنْ لَا يُعْطَفَ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَرْفُوعِ إِلَّا بَعْدَ تَأْكِيدِهِ، حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ قَبِيحٌ، لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ قَدْ وَقَعَ الْحَائِلُ وَهُوَ قَوْلُهُ: لَا وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْعَطْفَ قَدْ حَصَلَ قَبْلَ لَا قَالَ: وَيَرِدُ عَلَيْهِمْ أَيْضًا هَذَا الْحَدِيثُ. انْتَهَى. وَالتَّعْقِيبُ مَرْدُودٌ، فَإِنَّهُ وُجِدَ فَاصِلٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَأَمَّا هَذَا الْحَدِيثُ فَلَمْ تَتَّفِقِ الرُّوَاةُ عَلَى لَفْظِهِ، وَسَيَأْتِي فِي مَنَاقِبِ عُمَرَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ: ذَهَبْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، فَعَطَفَ مَعَ التَّأْكِيدِ مَعَ اتِّحَادِ الْمَخْرَجِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ قَرِيبًا فِي مَنَاقِبِ عُمَرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
الْحَدِيثُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ.
-
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْكُوفِيُّ) قِيلَ: هُوَ أَبُو هِشَامٍ الرِّفَاعِيُّ وَهُوَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ، وَقَالَ الْحَاكِمُ، وَالْكَلَابَاذِيُّ: هُوَ غَيْرُهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ وَهُوَ وَهَمٌ نَبَّهَ عَلَيْهِ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ ; لِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ كَثِيرٍ لَا تُعْرَفُ لَهُ رِوَايَةٌ عَنِ الْوَلِيدِ، وَالْوَلِيدُ هُوَ ابْنُ مُسْلِمٍ، وَسَيَأْتِي الْحَدِيثُ فِي بَابِ مَا لَقِيَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْوَلِيدِ وَفِيهِ تَصْرِيحُهُ وَتَصْرِيحُ الْأَوْزَاعِيِّ بِالتَّحْدِيثِ، وَيَأْتِي شَرْحُهُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
(فَائِدَةٌ) : مَاتَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه بِمَرَضِ السُّلِّ عَلَى مَا قَالَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، وَعَنِ الْوَاقِدِيِّ أَنَّهُ اغْتَسَلَ فِي يَوْمٍ بَارِدٍ فَحُمَّ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَقِيلَ: بَلْ سَمَّتْهُ الْيَهُودُ فِي حَرِيرَةٍ أَوْ غَيْرِهَا وَذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ، فَكَانَتْ مُدَّةُ خِلَافَتِهِ سَنَتَيْنِ وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ وَأَيَّامًا، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ اسْتَكْمَلَ سِنَّ النَّبِيِّ ﷺ فَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.