٢٦ - باب أيام الجاهلية

65 paragraphs · vol. 8, p. 147

Page 2 of 2

  1. قَوْلُهُ: (كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُومُونَ لَهَا) ظَاهِرُهُ أَنَّ عَائِشَةَ

    vol. 8, p. 152لَمْ يَبْلُغْهَا أَمْرُ الشَّارِعِ بِالْقِيَامِ لَهَا، فَرَأَتْ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ بِمُخَالَفَتِهِمْ، وَقَدْ قَدَّمْتُ فِي الْجَنَائِزِ بَيَانَ الِاخْتِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَهَلْ نُسِخَ هَذَا الْحُكْمُ أَمْ لَا؟ وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ نُسِخَ هَلْ نُسِخَ الْوُجُوبُ وَبَقِيَ الِاسْتِحْبَابُ أَمْ لَا؟ أَوْ مُطْلَقُ الْجَوَازِ؟ وَاخْتَارَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ الْأَخِيرَ، وَأَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ على الْكَرَاهَةَ، وَادَّعَى فيه الْمَحَامِلِيُّ الِاتِّفَاقَ، وَخَالَفَ الْمُتَوَلِّي فَقَالَ: يُسْتَحَبُّ، وَاخْتَارَهُ النَّوَوِيُّ وَقَالَ: هَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْأَحْكَامِ الَّتِي اسْتَدْرَكَتْهَا عَائِشَةُ عَلَى الصَّحَابَةِ لَكِنْ كَانَ جَانِبُهُمْ فِيهَا أَرْجَحَ.

    vol. 8, p. 151
  2. قَوْلُهُ: (كُنْتِ فِي أَهْلِكِ مَا أَنْتِ مَرَّتَيْنِ) أَيْ يَقُولُونَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ وَمَا مَوْصُولَةٌ وَبَعْضُ الصِّلَةِ مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ: كُنْتِ فِي أَهْلِكِ الَّذِي كُنْتِ فِيهِ أَيِ الَّذِي أَنْتِ فِيهِ الْآنَ كُنْتِ فِي الْحَيَاةِ مِثْلَهُ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُؤْمِنُونَ بِالْبَعْثِ بَلْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الرُّوحَ إِذَا خَرَجَتْ تَطِيرُ طَيْرًا فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ كَانَ رُوحُهُ مِنْ صَالِحِي الطَّيْرِ وَإِلَّا فَبِالْعَكْسِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُمْ هَذَا دُعَاءً لِلْمَيِّتِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مَا نَافِيَةً وَلَفْظُ مَرَّتَيْنِ مِنْ تَمَامِ الْكَلَامِ أَيْ لَا تَكُونِي فِي أَهْلِكِ مَرَّتَيْنِ: الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ الَّتِي كُنْتِ فِيهِمُ انْقَضَتْ وَلَسَتْ بِعَائِدَةٍ إِلَيْهِمْ مَرَّةً أُخْرَى. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مَا اسْتِفْهَامِيَّةً أَيْ كُنْتِ فِي أَهْلِكِ شَرِيفَةً فَأَيُّ شَيْءٍ أَنْتِ الْآنَ؟ يَقُولُونَ ذَلِكَ حُزْنًا وَتَأَسُّفًا عَلَيْهِ.

  3. الثَّامِنُ: حَدِيثُ عُمَرَ فِي قَوْلِهِمْ: أَشْرِقْ ثَبِيرُ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ مُسْتَوْفًى، وَقَوْلُهُ: حَتَّى تُشْرِقَ الشَّمْسُ قَالَ ابْنُ التِّينِ: ضُبِطَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الرَّاءِ، وَالْمَعْرُوفُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِهَا.

  4. التَّاسِعُ: قَوْلُهُ: (حَدَّثَكُمْ يَحْيَى بْنُ الْمُهَلَّبِ) هُوَ الْبَجَلِيُّ يُكَنَّى أَبَا كُدَيْنَةَ بِالتَّصْغِيرِ وَالنُّونِ، وَهُوَ كُوفِيٌّ مُوَثَّقٌ مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ.

  5. قَوْلُهُ: (مَلْأَى مُتَتَابِعَةً) كَذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا، وَهُمَا قَوْلَانِ لِأَهْلِ اللُّغَةِ تَقُولُ: أَدْهَقْتَ الْكَأْسَ إِذَا مَلَأْتَهَا، وَأَدْهَقْتَ لَهُ إِذَا تَابَعْتَ لَهُ السَّقْيَ، وَقِيلَ: أَصْلُ الدَّهَقِ الضَّغْطُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ مَلَأَ الْيَدَ بِالْكَأْسِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ فِيهَا مُتَّسَعٌ لِغَيْرِهَا.

  6. قَوْلُهُ: (قَالَ: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) الْقَائِلُ هُوَ عِكْرِمَةُ، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ.

  7. قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ أَبِي) هُوَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.

  8. قَوْلُهُ: (فِي الْجَاهِلِيَّةِ) أَيْ وَقَعَ سَمَاعِي لِذَلِكَ مِنْهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَالْمُرَادُ بِهَا جَاهِلِيَّةٌ نِسْبِيَّةٌ لَا الْمُطْلَقَةُ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يُدْرِكْ مَا قَبْلَ الْبَعْثَةِ، بَلْ لَمْ يُولَدْ إِلَّا بَعْدَ الْبَعْثِ بِنَحْوِ عَشْرِ سِنِينَ، فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ سَمِعَ الْعَبَّاسَ يَقُولُ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ.

  9. قَوْلُهُ: (اسْقِنَا كَأْسًا دِهَاقًا) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ لِغُلَامِهِ: ادْهَقْ لَنَا، أَيِ امْلَأْ لَنَا، أَوْ تَابِعْ لَنَا انْتَهَى. وَهُوَ بِمَعْنَى مَا سَاقَهُ الْبُخَارِيُّ.

  10. قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ) هُوَ ابْنُ عُمَيْرٍ، وَلِأَحْمَدَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنِ الثَّوْرِيِّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ إِسْرَائِيلَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ.

  11. قَوْلُهُ: (أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ) يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِالْكَلِمَةِ الْبَيْتَ الَّذِي ذَكَرَ شَطْرَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ الْقَصِيدَةَ كُلَّهَا، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ وَزَائِدَةَ فَرَّقَهُمَا عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بِلَفْظِ: إِنَّ أَصْدَقَ بَيْتٍ قَالَهُ الشَّاعِرُ وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ إِنَّ وَوَقَعَ عِنْدَهُ فِي رِوَايَةِ شَرِيكٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بِلَفْظِ أَشْعَرُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَتْ بِهَا الْعَرَبُ فَلَوْلَا أَنَّ فِي حِفْظِ شَرِيكٍ مَقَالًا لَرَفَعَ هَذَا اللَّفْظُ الْإِشْكَالَ الَّذِي أَبَدَاهُ السُّهَيْلِيُّ عَلَى لَفْظِ رِوَايَةِ الصَّحِيحِ بِلَفْظِ أَصْدَقُ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ لَفْظِ أَشْعَرُ أَنْ يَكُونَ أَصْدَقَ، نَعَمْ، السُّؤَالُ بَاقٍ فِي التَّعْبِيرِ بِوَصْفِ كُلِّ شَيْءٍ بِالْبُطْلَانِ مَعَ انْدِرَاجِ الطَّاعَاتِ وَالْعِبَادَاتِ فِي ذَلِكَ وَهِيَ حَقٌّ لَا مَحَالَةَ، وَكَذَا قَوْلُهُ ﷺ فِي دُعَائِهِ بِاللَّيْلِ أَنْتَ الْحَقُّ وَقَوْلُكُ الْحَقُّ وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ إِلَخْ.

  12. وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ: مَا عَدَا اللَّهَ؛ أَيْ: مَا عَدَاهُ وَعَدَا صِفَاتِهِ الذَّاتِيَّةَ

    vol. 8, p. 153وَالْفِعْلِيَّةَ مِنْ رَحْمَتِهِ وَعَذَابِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ ذَكَرَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، أَوِ الْمُرَادُ فِي الْبَيْتِ بِالْبُطْلَانِ الْفِنَاءُ لَا الْفَسَادُ، فَكُلُّ شَيْءٍ سِوَى اللَّهِ جَائِزٌ عَلَيْهِ الْفِنَاءُ لِذَاتِهِ حَتَّى الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، وَإِنَّمَا يَبْقَيَانِ بِإِبْقَاءِ اللَّهِ لَهُمَا وَخَلْقِ الدَّوَامِ لِأَهْلِهِمَا، وَالْحَقُّ عَلَى الْحَقِيقَةِ مَنْ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الزَّوَالُ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي إِثْبَاتِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ فِي قَوْلِهِ: أَنْتَ الْحَقُّ وَقَوْلُكَ الْحَقُّ وَوَعْدُكَ الْحَقُّ وَحَذْفِهِمَا عِنْدَ ذِكْرِ غَيْرِهِمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  13. وَفِي إِيرَادِ الْبُخَارِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي هَذَا الْبَابِ تَلْمِيحٌ بِمَا وَقَعَ لِعُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ بِسَبَبِ هَذَا الْبَيْتِ مَعَ نَاظِمِهِ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ قَبْلَ إِسْلَامِهِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ وَقُرَيْشٌ فِي غَايَةِ الْأَذِيَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ، فَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ صَالِحِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ أَنَّهُ لَمَّا رَجَعَ مِنَ الْهِجْرَةِ الْأُولَى إِلَى الْحَبَشَةِ دَخَلَ مَكَّةَ فِي جِوَارِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَلَمَّا رَأَى الْمُشْرِكِينَ يُؤْذُونَ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ آمِنٌ رَدَّ عَلَى الْوَلِيدِ جِوَارَهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ فِي مَجْلِسٍ لِقُرَيْشٍ وَقَدْ وَفَدَ عَلَيْهِمْ لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ فَقَعَدَ يُنْشِدُهُمْ مِنْ شِعْرِهِ فَقَالَ لَبِيدٌ:

    أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ

    فَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ: صَدَقْتَ، فَقَالَ لَبِيدٌ:

    وَكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُ

    فَقَالَ عُثْمَانُ: كَذَبْتَ، نَعِيمُ الْجَنَّةِ لَا يَزُولُ. فَقَالَ لَبِيدٌ: مَتَى كَانَ يُؤْذَى جَلِيسُكُمْ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ؟ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَلَطَمَ عُثْمَانَ فَاخْضَرَّتْ عَيْنُهُ، فَلَامَهُ الْوَلِيدُ عَلَى رَدِّ جِوَارِهِ فَقَالَ: قَدْ كُنْتَ فِي ذِمَّةٍ مَنِيعَةٍ، فَقَالَ عُثْمَانُ: إِنَّ عَيْنِيَ الْأُخْرَى لِمَا أَصَابَ أُخْتَهَا لَفَقِيرَةٌ. فَقَالَ لَهُ الْوَلِيدُ: فَعُدْ إِلَى جِوَارِكَ، فَقَالَ: بَلْ أَرْضَى بِجِوَارِ اللَّهِ تَعَالَى. قُلْتُ: وَقَدْ أَسْلَمَ لَبِيدٌ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهُوَ ابْنُ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرٍ الْعَامِرِيُّ ثُمَّ الْكِلَابِيُّ ثُمَّ الْجَعْفَرِيُّ، يُكَنَّى أَبَا عَقِيلٍ. وَذَكَرَهُ فِي الصَّحَابَةِ الْبُخَارِيُّ، وَابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ وَغَيْرُهُمَا. وَقَالَ لِعُمَرَ لَمَّا سَأَلَهُ عَمَّا قَالَهُ مِنَ الشِّعْرِ فِي الْإِسْلَامِ: قَدْ أَبْدَلَنِي اللَّهُ بِالشِّعْرِ سُورَةَ الْبَقَرَةِ. ثُمَّ سَكَنَ الْكُوفَةَ وَمَاتَ بِهَا فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ، وَعَاشَ مِائَةً وَخَمْسِينَ سَنَةً وَقِيلَ أَكْثَرُ. وَهُوَ الْقَائِلُ:

    وَلَقَدْ سَئِمْتُ مِنَ الْحَيَاةِ وَطُولِهَا … وَسُؤَالِ هَذَا النَّاسِ كَيْفَ لَبِيدُ

    وَهَذَا يُعَكِّرُ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ شِعْرًا مُنْذُ أَسْلَمَ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ الْقِطَعَ الْمُطَوَّلَةَ لَا الْبَيْتَ وَالْبَيْتَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  14. قَوْلُهُ: (وَكَادَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ أَنْ يُسْلِمَ) اسْمُ أَبِي الصَّلْتِ رَبِيعَةُ بْنُ عَوْفِ بْنِ عَقِدَةَ بْنِ غِيَرَةَ - بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ - ابْنِ عَوْفِ بْنِ ثَقِيفٍ الثَّقَفِيُّ، وَقِيلَ فِي نَسَبِهِ غَيْرُ ذَلِكَ، أَبُو عُثْمَانَ. كَانَ مِمَّنْ طَلَبَ الدِّينَ وَنَظَرَ فِي الْكُتُبِ وَيُقَالُ: إِنَّهُ مِمَّنْ دَخَلَ فِي النَّصْرَانِيَّةِ، وَأَكْثَرَ فِي شِعْرِهِ مِنْ ذِكْرِ التَّوْحِيدِ وَالْبَعْثِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَزَعَمَ الْكَلَابَاذِيُّ أَنَّهُ كَانَ يَهُودِيًّا.

  15. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ أَبِيهِ فإنَّهُ سَافَرَ مَعَ أُمَيَّةَ، فَذَكَرَ قِصَّتَهُ وَأَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَعَنْ سِنِّهِ وَرِيَاسَتِهِ فَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ مُتَّصِفٌ بِذَلِكَ فَقَالَ: أَزَرَى بِهِ ذَلِكَ، فَغَضِبَ أَبُو سُفْيَانَ، فَأَخْبَرَهُ أُمَيَّةُ أَنَّهُ نَظَرَ فِي الْكُتُبِ أَنَّ نَبِيًّا يُبْعَثُ مِنَ الْعَرَبِ أَظَلَّ زَمَانُهُ، قَالَ: فَرَجَوْتُ أَنْ أَكُونَهُ قَالَ: ثُمَّ نَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، فَنَظَرْتُ فِيهِمْ فَلَمْ أَرَ مِثْلَ عُتْبَةَ، فَلَمَّا قُلْتَ لِي: إِنَّهُ رَئِيسٌ وَإِنَّهُ جَاوَزَ الْأَرْبَعِينَ عَرَفْتُ أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَمَا مَضَتِ الْأَيَّامُ حَتَّى ظَهَرَ مُحَمَّدٌ ﷺ فَقُلْتُ لِأُمَيَّةَ، قَالَ: نَعَمْ إِنَّهُ لَهُوَ. قُلْتُ: أَفَلَا نَتَّبِعُهُ؟ قَالَ: أَسْتَحْيِي مِنْ نُسَيَّاتِ ثَقِيفٍ، إِنِّي كُنْتُ أَقُولُ لَهُنَّ: إِنَّنِي أَنَا هُوَ. ثُمَّ أَصِيرُ تَابِعًا لِغُلَامٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ. وَذَكَرَ أَبُو الْفَرَجِ الْأَصْبَهَانِيُّ أَنَّهُ قَالَ عِنْدَ مَوْتِهِ: أَنَا أَعْلَمُ أَنَّ الْحَنِيفِيَّةَ حَقٌّ، وَلَكِنَّ الشَّكَّ يُدَاخِلُنِي فِي مُحَمَّدٍ.

  16. وَرَوَى الْفَاكِهِيُّ، وَابْنُ مَنْدَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْفَارِعَةَ بِنْتَ أَبِي الصَّلْتِ أُخْتَ أُمَيَّةَ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَأَنْشَدَتْهُ مِنْ شِعْرِهِ فَقَالَ:

    vol. 8, p. 154آمَنَ شِعْرُهُ وَكَفَرَ قَلْبُهُ، وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَدِفْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: هَلْ مَعَكَ مِنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَأَنْشَدْتُهُ مِائَةَ بَيْتٍ، فَقَالَ: لَقَدْ كَادَ أَنْ يُسْلِمَ فِي شِعْرِهِ، وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ قَالَ: نَزَلَتْ فِي أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ. وَرُوِيَ مِنْ أَوْجُهٍ أُخْرَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي بَلْعَامَ الْإِسْرَائِيلِيِّ وَهُوَ الْمَشْهُورُ.

  17. وَعَاشَ أُمَيَّةُ حَتَّى أَدْرَكَ وَقْعَةَ بَدْرٍ وَرَثَى مَنْ قُتِلَ بِهَا مِنَ الْكُفَّارِ كَمَا سَيَأْتِي شيء مِنْ ذَلِكَ فِي أَبْوَابِ الْهِجْرَةِ، وَمَاتَ أُمَيَّةُ بَعْدَ ذَلِكَ سَنَةَ تِسْعٍ، وَقِيلَ: مَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ ذَكَرَهُ سَبْطُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، وَاعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ مَا نَقَلَهُ عَنِ ابْنِ هِشَامٍ: أَنَّ أُمَيَّةَ قَدِمَ مِنَ الشَّامِ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ مَالَهُ مِنَ الطَّائِفِ وَيُهَاجِرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَنَزَلَ فِي طَرِيقِهِ بِبَدْرٍ، قِيلَ لَهُ: أَتَدْرِي مَنْ فِي الْقَلِيبِ؟ قَالَ: لَا. قِيلَ: فِيهِ عُتْبَةُ، وَشَيْبَةُ وَهُمَا ابْنَا خَالِكَ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَشَقَّ ثِيَابَهُ وَجَدَعَ نَاقَتَهُ وَبَكَى وَرَجَعَ إِلَى الطَّائِفِ فَمَاتَ بِهَا. قُلْتُ: وَلَا يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِهِ: فَمَاتَ بِهَا أَنْ يَكُونَ مَاتَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ. وَأَغْرَبَ الْكَلَابَاذِيُّ فَقَالَ: إِنَّهُ مَاتَ فِي حِصَارِ الطَّائِفِ. فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَذَلِكَ سَنَةَ ثَمَانٍ، وَلِمَوْتِهِ قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَالطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا.

  18. الْحَدِيثُ الْحَادِي عَشَرَ: قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، وَأَخُوهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْحَمِيدِ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْأَنْصَارِيُّ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ، وَفِيهِ رِوَايَةُ الْقَرِينِ عَنِ الْقَرِينِ وَرِوَايَةُ الْأَكْبَرِ سِنًّا عَنِ الْأَصْغَرِ مِنْهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرٍ الْفِرْيَابِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُقَدَّمِيِّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ بِهَذَا السَّنَدِ، لَكِنْ قَالَ فِيهِ: عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَرَ بَدَلَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، فَلَعَلَّ لِيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ فِيهِ شَيْخَيْنِ.

  19. قَوْلُهُ: (كَانَ لِأَبِي بَكْرٍ غُلَامٌ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، وَوَقَعَ لِأَبِي بَكْرٍ مَعَ النُّعَيْمَانِ بْنِ عَمْرٍو أَحَدِ الْأَحْرَارِ مِنَ الصَّحَابَةِ قِصَّةٌ ذَكَرَهَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّهُمْ نَزَلُوا بِمَاءٍ، فَجَعَلَ النُّعَيْمَانُ يَقُولُ لَهُمْ: يَكُونُ كَذَا، فَيَأْتُونَهُ بِالطَّعَامِ فَيُرْسِلُهُ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَبَلَغَ أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ: أَرَانِي آكُلَ كِهَانَةَ النُّعَيْمَانِ مُنْذُ الْيَوْمِ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي حَلْقِهِ فَاْسَتَقَاءَهُ وَفِي الْوَرَعِ لِأَحْمَدَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ لَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا اسْتَقَاءَ مِنْ طَعَامٍ غَيْرَ أَبِي بَكْرٍ فَإِنَّهُ أُتِيَ بِطَعَامٍ فَأَكَلَ ثُمَّ قِيلَ لَهُ: جَاءَ بِهِ ابْنُ النُّعَيْمَانِ، قَالَ: فَأَطْعَمْتُمُونِي كِهَانَةَ ابْنِ النُّعَيْمَانِ. ثُمَّ اسْتَقَاءَ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ لَكِنَّهُ مُرْسَلٌ، وَلِأَبِي بَكْرٍ قِصَّةٌ أُخْرَى فِي نَحْوِ هَذَا أَخْرَجَهَا يَعْقُوبُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ نُبَيْحٍ الْعَنْزِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: كُنَّا نَنْزِلُ رِفَاقًا، فَنَزَلْتُ فِي رُفْقَةٍ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ عَلَى أَهْلِ أَبْيَاتٍ فِيهِنَّ امْرَأَةٌ حُبْلَى وَمَعَنَا رَجُلٌ، فَقَالَ لَهَا: أُبَشِّرُكِ أَنْ تَلِدِي ذَكَرًا. قَالَتْ: نَعَمْ. فَسَجَعَ لَهَا أَسْجَاعًا. فَأَعْطَتْهُ شَاةً فَذَبَحَهَا وَجَلَسْنَا نَأْكُلُ، فَلَمَّا عَلِمَ أَبُو بَكْرٍ بِالْقِصَّةِ قَامَ فَتَقَايَأَ كُلَّ شَيْءٍ أَكَلَهُ.

  20. قَوْلُهُ: (يُخْرِجُ لَهُ الْخَرَاجَ) أَيْ يَأْتِيهِ بِمَا يَكْسِبُهُ، وَالْخَرَاجُ مَا يُقَرِّرُهُ السَّيِّدُ عَلَى عَبْدِهِ مِنْ مَالٍ يُحْضِرُهُ لَهُ مِنْ كَسْبِهِ.

  21. قَوْلُهُ: (يَأْكُلُ مِنْ خَرَاجِهِ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ كَانَ لِأَبِي بَكْرٍ غُلَامٌ، فَكَانَ يَجِيءُ بِكَسْبِهِ فَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ حَتَّى يَسْأَلَهُ، فَأَتَاهُ لَيْلَةً بِكَسْبِهِ فَأَكَلَ مِنْهُ وَلَمْ يَسْأَلْهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ.

  22. قَوْلُهُ: (كُنْتُ تَكَهَّنْتُ لِإِنْسَانٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ) لَمْ أَعْرِفِ اسْمَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَرْأَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ.

  23. قَوْلُهُ: (فَأَعْطَانِي بِذَلِكَ) أَيْ عِوَضَ تَكَهُّنِي لَهُ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: إِنَّمَا اسْتَقَاءَ أَبُو بَكْرٍ تَنَزُّهًا ; لِأَنَّ أَمْرَ الْجَاهِلِيَّةِ وُضِعَ وَلَوْ كَانَ فِي الْإِسْلَامِ لَغَرِمَ مِثْلَ مَا أَكَلَ أَوْ قِيمَتَهُ وَلَمْ يَكْفِهِ الْقَيْءُ، كَذَا قَالَ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ إِنَّمَا قَاءَ لِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ مِنَ النَّهْيِ عَنْ حُلْوَانِ الْكَاهِنِ، وَحُلْوَانُ الْكَاهِنِ مَا يَأْخُذُهُ عَلَى كِهَانَتِهِ، وَالْكَاهِنُ مَنْ يُخْبِرُ بِمَا سَيَكُونُ عَنْ غَيْرِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، وَكَانَ ذَلِكَ قَدْ كَثُرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خُصُوصًا قَبْلَ ظُهُورِ

    vol. 8, p. 155النَّبِيِّ ﷺ .

  24. الْحَدِيثُ الثَّانِي عَشَرَ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي حَبَلِ الْحَبَلَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الْبُيُوعِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ: إِنَّهُمْ كَانُوا يَتَبَايَعُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.

  25. الْحَدِيثُ الثَّالِثَ عَشَرَ: حَدِيثُ أَنَسٍ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ مَنَاقِبِ الْأَنْصَارِ، وَأَدْخَلَهُ هُنَا لِقَوْلِهِ: فَعَلَ قَوْمُكَ كَذَا يَوْمَ كَذَا لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُشِيرَ بِهِ إِلَى وَقَائِعِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَمَا يَحْتَمِلُ أَنْ يُشِيرَ بِهِ إِلَى وَقَائِعِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ أَوْ لِمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَخَاطَبَ أَنَسٌ غَيْلَانَ بِأَنَّ الْأَنْصَارَ قَوْمُهُ، وَلَيْسَ هُوَ مِنَ الْأَنْصَارِ، لَكِنْ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ النِّسْبِيَّةِ الْأَعَمِّيَّةِ إِلَى الْأَزْدِ فَإِنَّهَا تَجْمَعُهُمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ٥٧٦٤