٨ - باب قتل أبي جهل

100 paragraphs · vol. 8, p. 293

Page 3 of 3

  1. قَوْلُهُ: (سَمِعَ رَوْحَ بْنَ عُبَادَةَ) أَيْ أَنَّهُ سَمِعَ، وَلَفْظَةُ أَنَّهُ تُحْذَفُ خَطًّا كَمَا حُذِفَتْ قَالَ مِنْ قَوْلِهِ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ.

    vol. 8, p. 301
  2. قَوْلُهُ: (ذَكَرَ لَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) فِيهِ تَصْرِيحٌ لِقَتَادَةَ وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ صَحَابِيٍّ عَنْ صَحَابِيٍّ: أَنَسٍ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ، وَقَدْ رَوَاهُ شَيْبَانَ، عَنْ قَتَادَةَ فَلَمْ يَذْكُرْ أَبَا طَلْحَةَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ

    vol. 8, p. 302وَرِوَايَةُ سَعِيدٍ أَوْلَى، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ بِغَيْرِ ذِكْرِ أَبِي طَلْحَةَ.

  3. قَوْلُهُ: (بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا مِنْ صَنَادِيدَ) بِالْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ جَمْعُ صِنْدِيدٍ بِوَزْنِ عِفْرِيتٍ وَهُوَ السَّيِّدُ الشُّجَاعُ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ عَائِذٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ قَتَادَةَ بِبِضْعَةٍ وَعِشْرِينَ وَهِيَ لَا تُنَافِي رِوَايَةَ الْبَابِ؛ لِأَنَّ الْبِضْعَ يُطْلَقُ عَلَى الْأَرْبَعِ أَيْضًا، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَةِ هَؤُلَاءِ جَمِيعِهِمْ، بَلْ سَيَأْتِي تَسْمِيَةُ بَعْضِهِمْ، وَيُمْكِنُ إِكْمَالُهُمْ مِمَّا سَرَدَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ أَسْمَاءِ مَنْ قُتِلَ مِنَ الْكُفَّارِ بِبَدْرٍ بِأَنْ يُضِيفَ عَلَى مَنْ كَانَ يُذْكَرُ مِنْهُمْ بِالرِّيَاسَةِ وَلَوْ بِالتَّبَعِيَّةِ لِأَبِيهِ، وَسَيَأْتِي مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ أَنَّ قَتْلَى بَدْرٍ مِنَ الْكُفَّارِ كَانُوا سَبْعِينَ، وَكَأَنَّ الَّذِينَ طُرِحُوا فِي الْقَلِيبِ كَانُوا الرُّؤَسَاءَ مِنْهُمْ ثُمَّ مِنْ قُرَيْشٍ، وَخُصُّوا بِالْمُخَاطَبَةِ الْمَذْكُورَةِ لِمَا كَانَ تَقَدَّمَ مِنْهُمْ مِنَ الْمُعَانَدَةِ، وَطُرِحَ بَاقِي الْقَتْلَى فِي أَمْكِنَةٍ أُخْرَى. وَأَفَادَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ الْقَلِيبَ الْمَذْكُورَ كَانَ حَفَرَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي النَّارِ فَنَاسَبَ أَنْ يُلْقَى فِيهِ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ.

  4. قَوْلُهُ: (عَلَى شَفَةِ الرَّكِيِّ) أَيْ طَرَفِ الْبِئْرِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ عَلَى شَفِيرِ الرَّكِيِّ وَالرَّكِيُّ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ آخِرِهِ: الْبِئْرُ قَبْلَ أَنْ تُطْوَى. وَالْأَطْوَاءُ جَمْعُ طُوًى وَهِيَ الْبِئْرُ الَّتِي طُوِيَتْ وَبُنِيَتْ بِالْحِجَارَةِ لِتَثْبُتَ وَلَا تَنْهَارَ، وَيُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّهَا كَانَتْ مَطْوِيَّةً فَاسْتُهْدِمَتْ فَصَارَتْ كَالرَّكِيِّ.

  5. قَوْلُهُ: (فَجَعَلَ يُنَادِيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ: يَا فُلَانُ ابْنَ فُلَانٍ) فِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ فَنَادَى يَا عُتْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ، وَيَا شَيْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ، وَيَا أُمَيَّةُ بْنَ خَلَفٍ، وَيَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا، وَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقٍ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، فَسَمَّى الْأَرْبَعَةَ، لَكِنْ قَدَّمَ وَأَخَّرَ، وَسِيَاقُهُ أَتَمُّ. قَالَ فِي أَوَّلِهِ: تَرَكَهُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى جَيَّفُوا فَذَكَرَهُ، وَفِيهِ مِنَ الزِّيَادَةِ فَسَمِعَ عُمَرُ صَوْتَهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُنَادِيهِمْ بَعْدَ ثَلَاثٍ، وَهَلْ يَسْمَعُونَ؟ وَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، لَكِنْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُجِيبُوا وَفِي بَعْضِهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ لَمْ يَكُنْ فِي الْقَلِيبِ لِأَنَّهُ كَانَ ضَخْمًا فَانْتَفَخَ، فَأَلْقَوْا عَلَيْهِ مِنَ الْحِجَارَةِ وَالتُّرَابِ مَا غَيَّبَهُ. وَقَدْ أَخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ. لَكِنْ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ كَانَ قَرِيبًا مِنَ الْقَلِيبِ فَنُودِيَ فِيمَنْ نُودِيَ، لِكَوْنِهِ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ رُؤَسَائِهِمْ، وَمِنْ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ مِمَّنْ يَصِحُّ إِلْحَاقُهُ بِمَنْ سُمِّيَ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ عُبَيْدَةُ، وَالْعَاصِ وَالِدُ أَبِي أُحَيْحَةَ، وَسَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَحَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَالْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ. وَمِنْ بَنِي نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ الْحَارِثُ بْنُ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ، وَطُعَيْمَةُ بْنُ عَدِيٍّ.

  6. وَمَنْ سَائِرِ قُرَيْشٍ نَوْفَلُ بْنُ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ، وَزَمْعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدٍ، وَأَخُوهُ عَقِيلٌ، وَالْعَاصِي بْنُ هِشَامٍ أَخُو أَبِي جَهْلٍ، وَأَبُو قَيْسِ بْنِ الْوَلِيدِ أَخُو خَالِدٍ، وَنَبِيهٌ وَمُنَبِّهٌ ابْنَا الْحَجَّاجِ السَّهْمِيِّ، وَعَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ عَمُّ طَلْحَةَ أَحَدِ الْعَشَرَةِ، وَمَسْعُودُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ أَخُو أُمِّ سَلَمَةَ، وَقَيْسُ بْنُ الْفَاكِهِ بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ أَخُو أَبِي سَلَمَةَ، وَأَبُو الْعَاصِ بْنُ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ السَّهْمِيُّ، وَأُمَيْمَةُ بْنُ رِفَاعَةَ بْنِ أَبِي رِفَاعَةَ، فَهَؤُلَاءِ الْعِشْرُونَ تَنْضَمُّ إِلَى الْأَرْبَعَةِ فَتَكْمُلُ الْعِدَّةُ. وَمِنْ جُمْلَةِ مُخَاطَبَتِهِمْ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: يَا أَهْلَ الْقَلِيبِ بِئْسَ عَشِيرَةُ النَّبِيِّ كُنْتُمْ، كَذَّبْتُمُونِي وَصَدَّقَنِي النَّاسُ الْحَدِيثَ.

  7. قَوْلُهُ: (قَالَ قَتَادَةُ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ.

  8. قَوْلُهُ: (أَحْيَاهُمُ اللَّهُ) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِأَعْيَانِهِمْ.

  9. قَوْلُهُ: (تَوْبِيخًا وَتَصْغِيرًا وَنِقْمَةً وَحَسْرَةً وَنَدَمًا) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَتَنَدُّمًا وَذِلَّةً وَصَغَارًا وَالصَّغَارُ الذِّلَّةُ وَالْهَوَانُ، وَأَرَادَ قَتَادَةُ بِهَذَا التَّأْوِيلِ الرَّدَّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ أَنَّهُمْ يَسْمَعُونَ كَمَا جَاءَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا اسْتَدَلَّتْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي تَالِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ. الْحَدِيثَ الثَّانِيَ عَشَرَ.

  10. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَمْرٌو) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ، وَعَطَاءٌ هُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ.

    vol. 8, p. 303
  11. قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ.

  12. قَوْلُهُ: (هُمْ وَاللَّهِ كُفَّارُ قُرَيْشٍ) وَقَعَ فِي التَّفْسِيرِ هُمْ وَاللَّهِ كُفَّارُ أَهْلِ مَكَّةَ وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: هُمْ لَكُفَّارُ قُرَيْشٍ أَوْ أَهْلِ مَكَّةَ وَلِلطَّبَرَانِيِّ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ هُمْ وَاللَّهِ أَهْلُ مَكَّةَ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: يَعْنِي كُفَّارَهُمْ. وَعِنْدَ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْكَوَّاءِ، لِعَلِيٍّ رضي الله عنه : مَنْ الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا؟ قَالَ: هُمُ الْأَفْجَرَانِ مِنْ قُرَيْشٍ بَنُو أُمَيَّةَ وَبَنُو مَخْزُومٍ قَدْ كَبَتَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ لَكِنْ فِيهِ فَأَمَّا بَنُو مَخْزُومٍ فَقَطَعَ اللَّهُ دَابِرَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ، وَأَمَّا بَنُو أُمَيَّةَ فَمُتِّعُوا إِلَى حِينٍ وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ، عَنْ عُمَرَ نَحْوَهُ، وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هُمْ جَبَلَةُ بْنُ الْأَيْهَمِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُ مِنَ الْعَرَبِ فَلَحِقُوا بِالرُّومِ وَالْأَوَّلُ الْمُعْتَمَدُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ أَنَّ عُمُومَ الْآيَةِ يَتَنَاوَلُ هَؤُلَاءِ أَيْضًا.

  13. قَوْلُهُ: (قَالَ عَمْرٌو) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ.

  14. قَوْلُهُ: (وَمُحَمَّدٌ ﷺ نِعْمَةُ اللَّهِ) هَذَا مَوْقُوفٌ عَلَى عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَكَذَا ﴿دَارَ الْبَوَارِ﴾ النَّارُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَهَكَذَا رُوِّينَاهُ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ عُيَيْنَةَ رِوَايَةُ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيِّ عَنْهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ﴾ قَالَ: هُمْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ، وَمُحَمَّدٌ النِّعْمَةُ، وَدَارُ الْبَوَارِ النَّارُ يَوْمَ بَدْرٍ انْتَهَى. يَوْمَ بَدْرٍ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: أَحَلُّوا أَيْ أَنَّهُمْ أَهْلَكُوا قَوْمَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ فَأُدْخِلُوا النَّارَ، وَالْبَوَارُ الْهَلَاكُ وَسُمِّيَتْ جَهَنَّمُ دَارَ الْبَوَارِ لِإِهْلَاكِهَا مَنْ يَدْخُلُهَا، وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿الْبَوَارِ﴾ الْهَلَاكُ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: قَدْ فَسَّرَهَا اللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ الْحَدِيثُ الثَّالِثَ عَشَرَ.

  15. قَوْلُهُ: (ذُكِرَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ، وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ أَنَّ عَائِشَةَ بَلَغَهَا وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ الْمُبَلِّغِ، وَلَكِنْ عِنْدَهُ مِنْ رِوَايَةٍ أُخْرَى مَا يُشْعِرُ بِأَنَّ عُرْوَةَ هُوَ الَّذِي بَلَّغَهَا ذَلِكَ.

  16. قَوْلُهُ: (وَهِلَ) قِيلَ بِفَتْحِ الْهَاءِ، وَالْمَشْهُورُ الْكَسْرُ، أَيْ غَلَطَ وَزْنًا وَمَعْنًى، وَبِالْفَتْحِ مَعْنَاهُ فَزِعَ وَنَسِيَ وَجَبُنَ وَقَلِقَ، وَقَالَ الْفَارَابِيُّ، وَالْأَزْهَرِيُّ، وَابْنُ الْقَطَّاعِ، وَابْنُ فَارِسٍ، وَالْقَابِسِيُّ وَغَيْرُهُمْ: وَهَلْتُ إِلَيْهِ بِفَتْحِ الْهَاءِ أَهِلُ بِالْكَسْرِ وَهْلًا بِالسُّكُونِ إِذَا ذَهَبَ وَهْمُكَ إِلَيْهِ. زَادَ الْقَالِيُّ، وَالْجَوْهَرِيُّ: وَأَنْتَ تُرِيدُ غَيْرَهُ، وَزَادَ ابْنُ الْقَطَّاعِ (١) .

  17. قَوْلُهُ: (إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ) الْحَدِيثُ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْجَنَائِزِ، وَقَوْلُهُ: ذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ أَيِ ابْنُ عُمَرَ، وَقَوْلُهُ: فَقَالَ لَهُمْ مَا قَالَ وَوَقَعَ عِنْدَ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَقَالَ لَهُمْ مِثْلَ مَا قَالَ وَمِثْلُ زَائِدَةٌ لَا حَاجَةَ إِلَيْهَا.

  18. قَوْلُهُ: (يَقُولُ حِينَ تَبَوَّءُوا مَقَاعِدَهُمْ مِنَ النَّارِ) الْقَائِلُ: يَقُولُ هُوَ عُرْوَةُ، يُرِيدُ أَنْ يُبَيِّنَ مُرَادَ عَائِشَةَ فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ إِطْلَاقَ النَّفْيِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ مُقَيَّدٌ بِاسْتِقْرَارِهِمْ فِي النَّارِ، وَعَلَى هَذَا فَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ إِنْكَارِ عَائِشَةَ وَإِثْبَاتِ ابْنِ عُمَرَ كَمَا تَقَدَّمَ تَوْضِيحُهُ فِي الْجَنَائِزِ، لَكِنَّ الرِّوَايَةَ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تُنْكِرُ ذَلِكَ مُطْلَقًا لِقَوْلِهَا: إِنَّ الْحَدِيثَ إِنَّمَا هُوَ بِلَفْظِ إِنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَهَمَ فِي قَوْلِهِ لَيَسْمَعُونَ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: الْعِلْمُ لَا يَمْنَعُ مِنَ السَّمَاعِ، وَالْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ أَنَّهُ لَا يُسْمِعُهُمْ وَهُمْ مَوْتَى وَلَكِنَّ اللَّهَ أَحْيَاهُمْ حَتَّى سَمِعُوا كَمَا قَالَ قَتَادَةُ.

  19. وَلَمْ يَنْفَرِدْ عُمَرُ وَلَا ابْنُهُ بِحِكَايَةِ ذَلِكَ بَلْ وَافَقَهُمَا أَبُو طَلْحَةَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلُهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. وَمِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِيدَانِ نَحْوَهُ وَفِيهِ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهَلْ يَسْمَعُونَ؟ قَالَ: يَسْمَعُونَ كَمَا تَسْمَعُونَ، وَلَكِنْ لَا يُجِيبُونَ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلَكِنَّهُمُ الْيَوْمَ لَا يُجِيبُونَ وَمِنَ الْغَرِيبِ

    vol. 8, p. 304أَنَّ فِي الْمَغَازِي لِابْنِ إِسْحَاقَ رِوَايَةَ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ وَفِيهِ: مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَكَأَنَّهَا رَجَعَتْ عَنِ الْإِنْكَارِ لِمَا ثَبَتَ عِنْدَهَا مِنْ رِوَايَةِ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةِ لِكَوْنِهَا لَمْ تَشْهَدِ الْقِصَّةَ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: كَانَ عِنْدَ عَائِشَةَ مِنَ الْفَهْمِ وَالذَّكَاءِ وَكَثْرَةِ الرِّوَايَةِ وَالْغَوْصِ عَلَى غَوَامِضِ الْعِلْمِ مَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ، لَكِنْ لَا سَبِيلَ إِلَى رَدِّ رِوَايَةِ الثِّقَةِ إِلَّا بِنَصٍّ مِثْلِهِ يَدُلُّ عَلَى نَسْخِهِ أَوْ تَخْصِيصِهِ أَوِ اسْتِحَالَتِهِ، فَكَيْفَ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الَّذِي أَنْكَرَتْهُ وَأَثْبَتَهُ غَيْرُهَا مُمْكِنٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ لَا يُنَافِي قَوْلَهُ ﷺ : إِنَّهُمُ الْآنَ يَسْمَعُونَ؛ لِأَنَّ الْإِسْمَاعَ هُوَ إِبْلَاغُ الصَّوْتِ مِنَ الْمُسْمِعِ فِي أُذُنِ السَّامِعِ، فَاللَّهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي أَسْمَعَهُمْ بِأَنْ أَبْلَغَهُمْ صَوْتَ نَبِيِّهِ ﷺ بِذَلِكَ. وَأَمَّا جَوَابُهَا بِأَنَّهُ إِنَّمَا قَالَ إِنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ فَإِنْ كَانَتْ سَمِعَتْ ذَلِكَ فَلَا يُنَافِي رِوَايَةَ يَسْمَعُونَ بَلْ يُؤَيِّدُهَا.

    وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ مَا مُحَصَّلُهُ: إِنَّ فِي نَفْسِ الْخَبَرِ مَا يَدُلُّ عَلَى خَرْقِ الْعَادَةِ بِذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، لِقَوْلِ الصَّحَابَةِ لَهُ: أَتُخَاطِبُ أَقْوَامًا قَدْ جَيَّفُوا؟ فَأَجَابَهُمْ قَالَ: وَإِذَا جَازَ أَنْ يَكُونُوا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ عَالِمِينَ جَازَ أَنْ يَكُونُوا سَامِعِينَ، وَذَلِكَ إِمَّا بِآذَانِ رُءُوسِهِمْ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ أَوْ بِآذَانِ قُلُوبِهِمْ، قَالَ: وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ السُّؤَالَ يَتَوَجَّهُ عَلَى الرُّوحِ وَالْبَدَنِ، وَرَدَّهُ مَنْ قَالَ: إِنَّمَا يَتَوَجَّهُ عَلَى الرُّوحِ فَقَطْ بِأَنَّ الْإِسْمَاعَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِأُذُنِ الرَّأْسِ وَلِأُذُنِ الْقَلْبِ فَلَمْ يَبْقَ فِيهِ حُجَّةٌ. قُلْتُ: إِذَا كَانَ الَّذِي وَقَعَ حِينَئِذٍ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ حِينَئِذٍ لَمْ يَحْسُنِ التَّمَسُّكُ بِهِ فِي مَسْأَلَةِ السُّؤَالِ أَصْلًا.

  20. وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمُرَادِ بِالْمَوْتَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ وَكَذَلِكَ الْمُرَادُ بِمَنْ فِي الْقُبُورِ، فَحَمَلَتْهُ عَائِشَةُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَجَعَلَتْهُ أَصْلًا احْتَاجَتْ مَعَهُ إِلَى تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ وَهَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَقِيلَ: هُوَ مَجَازٌ وَالْمُرَادُ بِالْمَوْتَى وَبِمَنْ فِي الْقُبُورِ الْكُفَّارُ، شُبِّهُوا بِالْمَوْتَى وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَالْمَعْنَى مَنْ هُمْ فِي حَالِ الْمَوْتَى أَوْ فِي حَالِ مَنْ سَكَنَ الْقَبْرَ، وَعَلَى هَذَا لَا يَبْقَى فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى مَا نَفَتْهُ عَائِشَةُ رضي الله عنها ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.