٥٤ - باب قول الله تعالى

89 paragraphs · vol. 9, p. 27

Page 1 of 3

  1. ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.

    vol. 9, p. 27
  2. قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ - إِلَى - ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ غَيْرُهُ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾ - ثُمَّ قَالَ إِلَى - ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ: بَابُ غَزْوَةِ حُنَيْنٍ، وَقَوْلُ اللَّهِ عز وجل : ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ - إِلَى - ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وَحُنَيْنٌ بِمُهْمَلَةٍ وَنُونٍ مُصَغَّرٌ وَادٍ إِلَى جَنْبِ ذِي الْمَجَازِ قَرِيبٌ مِنَ الطَّائِفِ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ بِضْعَةَ عَشَرَ مِيلًا مِنْ جِهَةِ عَرَفَاتٍ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيُّ: سُمِّيَ بِاسْمِ حُنَيْنِ بْنِ قَابِثَةَ بْنِ مَهْلَائِيلَ. قَالَ أَهْلُ الْمَغَازِي: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى حُنَيْنٍ لِسِتٍّ خَلَتْ مِنْ شَوَّالٍ، وَقِيلَ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ رَمَضَانَ. وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ بَدَأَ بِالْخُرُوجِ فِي أَوَاخِرِ رَمَضَانَ وَسَارَ سَادِسَ شَوَّالٍ ; وَكَانَ وُصُولُهُ إِلَيْهَا فِي عَاشِرِهِ، وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ مَالِكَ بْنَ عَوْفٍ النَّضْرِيَّ جَمَعَ الْقَبَائِلَ مِنْ هَوَازِنَ وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ الثَّقَفِيُّونَ، وَقَصَدُوا مُحَارَبَةَ الْمُسْلِمِينَ، فَبَلَّغَ ذَلِكَ الحزامي النَّبِيَّ ﷺ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ.

    قَالَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي كِتَابِ مَكَّةَ: حَدَّثَنَا الْخزَامِيُّ يَعْنِي: إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى الْوَلِيدِ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّكَ كَتَبْتَ إِلَيَّ تَسْأَلُنِي عَنْ قِصَّةِ الْفَتْحِ، فَذَكَرَ لَهُ وَقْتَهَا، فَأَقَامَ عَامَئِذٍ بِمَكَّةَ نِصْفَ شَهْرٍ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى أَتَاهُ أَنَّ هَوَازِنَ وَثَقِيفًا قَدْ نَزَلُوا حُنَيْنًا يُرِيدُونَ قِتَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانُوا قَدْ جَمَعُوا إِلَيْهِ وَرَئِيسُهُمْ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ. وَلِأَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ ابْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ أَنَّهُمْ سَارُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى حُنَيْنٍ فَأَطْنَبُوا السَّيْرَ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنِّي انْطَلَقْتُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيكُمْ حَتَّى طَلَعْتُ جَبَلَ كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا أَنَا بِهَوَازِنَ عَنْ بَكْرَةِ أَبِيهِمْ بِظُعُنِهِمْ وَنَعَمِهِمْ وَشَائِهِمْ قَدِ اجْتَمَعُوا إِلَى حُنَيْنٍ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: تِلْكَ غَنِيمَةُ الْمُسْلِمِينَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَعد ابْنِ إِسْحَاقَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيُّ.

  3. قَوْلُهُ: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ رَوَى يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ فِي زِيَادَاتِ الْمَغَازِي عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ يَوْمَ حُنَيْنٍ: لَنْ نُغْلَبَ الْيَوْمَ مِنْ قِلَّةٍ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَكَانَتِ الْهَزِيمَةُ. وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ، يَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي شَرْحِ أَحَادِيثِ الْبَابِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ خَمْسَةَ أَحَادِيثَ:

    ٤٣١٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ قال: رَأَيْتُ بِيَدِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى ضَرْبَةً قَالَ: ضُرِبْتُهَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ، قُلْتُ: شَهِدْتَ حُنَيْنًا؟ قَالَ: قيلَ ذَلِكَ

    ٤٣١٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ رضي الله عنه وَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عُمَارَةَ أَتَوَلَّيْتَ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ فَقَالَ: أَنَا أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ لَمْ يُوَلِّ، وَلَكِنْ

    vol. 9, p. 28عَجِلَ سَرَعَانُ الْقَوْمِ فَرَشَقَتْهُمْ هَوَازِنُ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ آخِذٌ بِرَأْسِ بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ يَقُولُ:

    أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ … أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ

    ٤٣١٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قِيلَ لِلْبَرَاءِ وَأَنَا أَسْمَعُ: أَوَلَّيْتُمْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ فَقَالَ: أَمَّا النَّبِيُّ ﷺ فَلَا، كَانُوا رُمَاةً، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ :

    أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ … أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ

    ٤٣١٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ سَمِعَ الْبَرَاءَ "وَسَأَلَهُ رَجُلٌ مِنْ قَيْسٍ أَفَرَرْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ فَقَالَ لَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَفِرَّ كَانَتْ هَوَازِنُ رُمَاةً وَإِنَّا لَمَّا حَمَلْنَا عَلَيْهِمْ انْكَشَفُوا فَأَكْبَبْنَا عَلَى الْغَنَائِمِ فَاسْتُقْبِلْنَا بِالسِّهَامِ وَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ وَإِنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ الْحَارِثِ آخِذٌ بِزِمَامِهَا وَهُوَ يَقُولُ: أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِب" .

  4. قَالَ إِسْرَائِيلُ وَزُهَيْرٌ "نَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَغْلَتِه" .

  5. الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ.

  6. قَوْلُهُ: (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) هُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ، وَكَذَا هُوَ مَنْسُوبٌ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ.

  7. قَوْلُهُ: (ضَرْبَةً) زَادَ أَحْمَدُ فَقُلْتُ: مَا هَذِهِ وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ضَرْبَةً عَلَى سَاعِدِهِ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ أَثَرَ ضَرْبَةٍ.

  8. قَوْلُهُ: (شَهِدْتُ حُنَيْنًا قَالَ قَبْلَ ذَلِكَ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ قَالَ: نَعَمْ وَقَبْلَ ذَلِكَ وَمُرَادُهُ بِمَا قَبْلَ ذَلِكَ حُنَيْنٍ مِنَ الْمَشَاهِدِ، وَأَوَّلُ مَشَاهِدِهِ الْحُدَيْبِيَةُ فِيمَا ذَكَرَهُ مَنْ صَنَّفَ فِي الرِّجَالِ، وَوَقَفْتُ فِي بَعْضِ حَدِيثِهِ عَلَى مَا يَدُلُّ أَنَّهُ شَهِدَ الْخَنْدَقَ، وَهُوَ صَحَابِيٌّ ابْنُ صَحَابِيٍّ.

  9. الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ الْبَرَاءِ

    قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) هُوَ السَّبِيعِيُّ، وَمَدَارُ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سُفْيَانَ، وَهُوَ الثَّوْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ.

  10. قَوْلُهُ: (وَجَاءَ رَجُلٌ) لَمْ أَقِفُ عَلَى اسْمِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ أَنَّهُ مِنْ قَيْسٍ.

  11. قَوْلُهُ: (يَا أَبَا عُمَارَةَ) هِيَ كُنْيَةُ الْبَرَاءِ.

  12. قَوْلُهُ: (أَتَوَلَّيْتَ يَوْمَ حُنَيْنٍ) الْهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهَامِ وَتَوَلَّيْتَ أَيِ انْهَزَمْتَ، وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَوَلَّيْتُمْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ وَفِي الثَّالِثَةِ أَفَرَرْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكُلُّهَا بِمَعْنًى.

  13. قَوْلُهُ: (أَمَّا أَنَا فَأَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ لَمْ يُوَلِّ) تَضَمَّنَ جَوَابُ الْبَرَاءِ إِثْبَاتَ الْفِرَارِ لَهُمْ، لَكِنْ لَا عَلَى طَرِيقِ التَّعْمِيمِ، وَأَرَادَ أَنَّ إِطْلَاقَ السَّائِلِ يَشْمَلُ الْجَمِيعَ حَتَّى النَّبِيِّ ﷺ لِظَاهِرِ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ بِحَمْلِ الْمَعِيَّةِ عَلَى مَا قَبْلَ الْهَزِيمَةِ فَبَادَرَ إِلَى اسْتِثْنَائِهِ ثُمَّ أَوْضَحَ ذَلِكَ، وَخَتَمَ حَدِيثَهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَوْمَئِذٍ أَشَدَّ مِنْهُ ﷺ .

    قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا الْجَوَابُ مِنْ بَدِيعِ الْأَدَبِ، لِأَنَّ تَقْدِيرَ الْكَلَامِ فَرَرْتُمْ كُلُّكُمْ، فَيَدْخُلُ فِيهِمُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ الْبَرَاءُ: لَا وَاللَّهِ مَا فَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَلَكِنْ جَرَى كَيْتَ وَكَيْتَ، فَأَوْضَحَ أَنَّ فِرَارَ مَنْ فَرَّ لَمْ يَكُنْ عَلَى نِيَّةِ الِاسْتِمْرَارِ فِي الْفِرَارِ، وَإِنَّمَا انْكَشَفُوا مِنْ وَقْعِ السِّهَامِ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْتَحْضِرِ الرِّوَايَةَ الثَّانِيَةَ. وَقَدْ ظَهَرَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ الْجَمِيعَ لَمْ يَفِرُّوا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْبَرَاءَ فَهِمَ مِنَ السَّائِلِ أَنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ حَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِ وَمَرَرْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُنْهَزِمًا فَلِذَلِكَ حَلَفَ: النَّبِيّ ﷺ لَمْ يُوَلِّ، وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مُنْهَزِمًا حَالٌ مِنْ سَلَمَةَ، وَلِهَذَا وَقَعَ فِي

    vol. 9, p. 29طَرِيقِ أُخْرَى وَمَرَرْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُنْهَزِمًا وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ فَقَالَ: لَقَدْ رَأَى ابْنُ الْأَكْوَعِ فَزَعًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ السَّائِلُ أَخَذَ التَّعْمِيمَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ فَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ مِنَ الْعُمُومِ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ.

  14. قَوْلُهُ: (وَلَكِنْ عَجِلَ سَرَعَانُ الْقَوْمِ فَرَشَقَتْهُمْ هَوَازِنُ) فَأَمَّا سَرَعَانُ فَبِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ، وَيَجُوزُ سُكُونُ الرَّاءُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ فِي سُجُودِ السَّهْوِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ، وَالرَّشْقُ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْقَافِ رَمْيُ السِّهَامِ، وَأَمَّا هَوَازِنُ فَهِيَ قَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ مِنَ الْعَرَبِ فِيهَا عِدَّةُ بُطُونٍ يُنْسَبُونَ إِلَى هَوَازِنَ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَصَفَةَ بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ ثُمَّ فَاءٍ مَفْتُوحَاتٍ ابْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ، وَالْعُذْرُ لِمَنِ انْهَزَمَ مِنْ غَيْرِ الْمُؤَلَّفَةِ أَنَّ الْعَدُوَّ كَانُوا ضِعْفَهُمْ فِي الْعَدَدِ وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ بَيَّنَ شُعْبَةُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ السَّبَبَ فِي الْإِسْرَاعِ الْمَذْكُورِ قَالَ: كَانَتْ هَوَازِنُ رُمَاةً، قَالَ: وَإِنَّا لَمَّا حَمَلْنَا عَلَيْهِمُ انْكَشَفُوا. وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْجِهَادِ انْهَزَمُوا قَالَ: فَأَكْبَبْنَا وَفِي رِوَايَتِهِ فِي الْجِهَادِ فِي بَابِ مَنْ قَادَ دَابَّةَ غَيْرِهِ فِي الْحَرْبِ فَأَقْبَلَ النَّاسُ عَلَى الْغَنَائِمِ فَاسْتَقْبَلُونَا بِالسِّهَامِ، وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْجِهَادِ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ زُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ تَكْمِلَةُ السَّبَبِ الْمَذْكُورِ قَالَ: خَرَجَ شُبَّانُ أَصْحَابِهِ وَأَخِفَّاؤُهُمْ حُسَّرًا - بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ - لَيْسَ عَلَيْهِمْ سِلَاحٌ، فَاسْتَقْبَلَهُمْ جَمْعُ هَوَازِنَ وَبَنِي نَضْرٍ مَا يَكَادُونَ يَسْقُطُ لَهُمْ سَهْمٌ، فَرَشَقُوهُمْ رَشْقًا مَا يَكَادُونَ يُخْطِئُونَ الْحَدِيثَ. وَفِيهِ نَزَلَ وَاسْتَنْصَرَ، ثُمَّ قَالَ: أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ.

  15. ثُمَّ صَفَّ أَصْحَابَهُ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ زَكَرِيَّا، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ فَرَمَوْهُمْ بِرَشْقٍ مِنْ نَبْلٍ كَأَنَّهَا رِجْلُ جَرَادٍ فَانْكَشَفُوا وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَغَيْرِهِ فِي سَبَبِ انْكِشَافِهِمْ أَمْرًا آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ مَالِكَ بْنَ عَوْفٍ سَبَقَ بِهِمْ إِلَى حُنَيْنٍ فَأَعَدُّوا وَتَهَيَّئُوا فِي مَضَايِقِ الْوَادِي، وَأَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ حَتَّى انْحَطَّ بِهِمُ الْوَادِي فِي عِمَايَةِ الصُّبْحِ، فَثَارَتْ فِي وُجُوهِهِمُ الْخَيْلُ فَشَدَّتْ عَلَيْهِمْ، وَانْكَفَأَ النَّاسُ مُنْهَزِمِينَ. وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنِ السُّمَيْطِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: افْتَتَحْنَا مَكَّةَ، ثُمَّ إِنَّا غَزَوْنَا حُنَيْنًا، قَالَ: فَجَاءَ الْمُشْرِكُونَ بِأَحْسَنِ صُفُوفٍ رَأَيْتُ؛ صُفَّ الْخَيْلُ، ثُمَّ الْمُقَاتِلَةُ، ثُمَّ النِّسَاءُ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ، ثُمَّ الْغَنَمُ ثُمَّ النِّعَمُ. قَالَ: وَنَحْنُ بَشَرٌ كَثِيرٌ، وَعَلَى مَيْمَنَةِ خَيْلِنَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَجَعَلَتْ خَيْلُنَا تَلُوذُ خَلْفَ ظُهُورِنَا فَلَمْ نَلْبَثْ أَنِ انْكَشَفَتْ خَيْلُنَا وَفَرَّتِ الْأَعْرَابُ وَمَنْ تَعْلَمُ مِنَ النَّاسِ وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ قَرِيبًا مِنْ رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَقْبَلَتْ هَوَازِنُ وَغَطَفَانُ بِذَرَارِيِّهِمْ وَنَعَمِهِمْ وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةُ آلَافٍ، وَمَعَهُ الطُّلَقَاءُ، قَالَ: فَأَدْبَرُوا عَنْهُ حَتَّى بَقِيَ وَحْدَهُ الْحَدِيثَ.

  16. وَيَجْمَعُ بَيْنَ قَوْلِهِ: حَتَّى بَقِيَ وَحْدَهُ وَبَيْنَ الْأَخْبَارِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ بَقِيَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ بَقِيَ وَحْدَهُ مُتَقَدِّمًا مُقْبِلًا عَلَى الْعَدُوِّ، وَالَّذِينَ ثَبَتُوا مَعَهُ كَانُوا وَرَاءَهُ، أَوِ الْوَحْدَةُ بِالنِّسْبَةِ لِمُبَاشَرَةِ الْقِتَالِ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ وَغَيْرُهُ كَانُوا يَخْدُمُونَهُ فِي إِمْسَاكِ الْبَغْلَةِ وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلُ تَفْصِيلُ الْمِائَةِ: بِضْعَةٌ وَثَلَاثُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْبَقِيَّةُ مِنَ الْأَنْصَارِ وَمِنَ النِّسَاءِ أُمُّ سُلَيْمٍ وَأُمُّ حَارِثَةَ.

  17. قَوْلُهُ: (وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ) أَيِ ابْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ وَهُوَ ابْنُ عَمِّ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَانَ إِسْلَامُهُ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلَقِيَهُ فِي الطَّرِيقِ وَهُوَ سَائِرٌ إِلَى فَتْحِ مَكَّةَ فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَخَرَجَ إِلَى غَزْوَةِ حُنَيْنٍ فَكَانَ فِيمَنْ ثَبَتَ. وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ مُرْسَلِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ قَالَ: لَمَّا فَرَّ النَّاسُ يَوْمَ حُنَيْنٍ جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ، فَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلَّا أَرْبَعَةُ نَفَرٍ، ثَلَاثَةٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَرَجُلٌ مِنْ غَيْرِهِمْ: عَلِيٌّ، وَالْعَبَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ آخِذٌ بِالْعِنَانِ، وَابْنُ مَسْعُودٍ مِنَ الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ. قَالَ: وَلَيْسَ يُقْبِلُ نَحْوَهُ أَحَدٌ إِلَّا قُتِلَ. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنَا يَوْمَ حُنَيْنٍ وَإِنَّ النَّاسَ

    vol. 9, p. 30لِمُوَلِّينَ، وَمَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِائَةُ رَجُلٍ وَهَذَا أَكْثَرُ مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ عَدَدِ مَنْ ثَبَتَ يَوْمَ حُنَيْنٍ.

  18. وَرَوَى أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ فَوَلَّى عَنْهُ النَّاسُ ; وَثَبَتَ مَعَهُ ثَمَانُونَ رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَكُنَّا عَلَى أَقْدَامِنَا، وَلَمْ نُوَلِّهِمُ الدُّبُرَ وَهُمُ الَّذِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةَ وَهَذَا لَا يُخَالِفُ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فَإِنَّهُ نَفَى أَنْ يَكُونُوا مِائَةً، وَابْنُ مَسْعُودٍ أَثْبَتَ أَنَّهُمْ كَانُوا ثَمَانِينَ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ ثَبَتَ مَعَهُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا فَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِمَّا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي حَدِيثِهِ أَنَّهُ ثَبَتَ مَعَهُ الْعَبَّاسُ وَابْنُهُ الْفَضْلُ، وَعَلِيٌّ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ وَأَخُوهُ رَبِيعَةُ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَأَخُوهُ مِنْ أُمِّهِ أَيْمَنُ ابْنُ أُمِّ أَيْمَنَ، وَمِنَ الْمُهَاجِرِينَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، فَهَؤُلَاءِ تِسْعَةٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي مُرْسَلِ الْحَاكِمِ فَهَؤُلَاءِ عَشَرَةٌ، وَوَقَعَ فِي شِعْرِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنَّ الَّذِينَ ثَبَتُوا كَانُوا عَشَرَةً فَقَطْ وَذَلِكَ قَوْلُهُ: نَصَرْنَا رَسُولَ اللَّهِ فِي الْحَرْبِ تِسْعَةً … وَقَدْ فَرَّ مَنْ قَدْ فَرَّ عَنْهُ فَأَقْشَعُوا

    وَعَاشِرُنَا وَافَى الْحِمَامَ بِنَفْسِهِ … لِمَا مَسَّهُ فِي اللَّهِ لَا يَتَوَجَّعُ

    وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الثَّبْتُ، وَمَنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ يَكُون عَجِلَ فِي الرُّجُوعِ فَعَدَّ فِيمَنْ لَمْ يَنْهَزِمْ، وَمِمَّنْ ذَكَرَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ ثَبَتَ يَوْمَ حُنَيْنٍ أَيْضًا جَعْفَرُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ، وَقُثَمُ بْنُ الْعَبَّاسِ، وَعُتْبَةُ، وَمُعَتِّبٌ ابْنا أَبِي لَهَبٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَنَوْفَلُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَعَقِيلُ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَشَيْبَةُ بْنِ عُثْمَانَ الْحَجَبِيُّ، فَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا رَأَى النَّاسَ قَدِ انْهَزَمُوا اسْتَدْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ لِيَقْتُلَهُ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ فَضَرَبَهُ فِي صَدْرِهِ وَقَالَ لَهُ: قَاتِلِ الْكُفَّارَ، فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى انْهَزَمُوا. قَالَ الطَّبَرانيُّ: الِانْهِزَامُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ هُوَ مَا وَقَعَ عَلَى غَيْرِ نِيَّةِ الْعَوْدِ وَأَمَّا الِاسْتِطْرَادُ لِلْكَثْرَةِ فَهُوَ كَالتَّحَيُّزِ إِلَى فِئَةٍ.

  19. قَوْلُهُ: (آخِذٌ بِرَأْسِ بَغْلَتِهِ) فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ فَأَقْبَلُوا أَيِ الْمُشْرِكُونَ هُنَالِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ وَابْنُ عَمِّهِ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَقُودُ بِهِ، فَنَزَلَ وَاسْتَنْصَرَ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: فِي رُكُوبِهِ ﷺ الْبَغْلَةُ يَوْمَئِذٍ دَلَالَةٌ عَلَى النِّهَايَةِ فِي الشَّجَاعَةِ وَالثَّبَاتِ. وَقَوْلُهُ: فَنَزَلَ أَيْ عَنِ الْبَغْلَةِ فَاسْتَنْصَرَ أَيْ قَالَ: اللَّهُمَّ أَنْزِلْ نَصْرَكَ. وَقَعَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ زَكَرِيَّا، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ. وَفِي حَدِيثِ الْعَبَّاسِ عِنْدَ مُسْلِمٍ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ فَلَزِمْتُهُ أَنَا وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ فَلَمْ نُفَارِقْهُ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ وَلَّى الْمُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْكُضُ بَغْلَتَهُ قِبَلَ الْكُفَّارِ، قَالَ الْعَبَّاسُ: وَأَنَا آخِذٌ بِلِجَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَكُفُّهَا إِرَادَةَ أَنْ لَا تُسْرِعَ، وَأَبُو سُفْيَانَ آخِذٌ بِرِكَابِهِ وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ أَبَا سُفْيَانَ كَانَ آخِذًا أَوَّلًا بِزِمَامِهَا فَلَمَّا رَكَضَهَا النَّبِيُّ ﷺ إِلَى جِهَةِ الْمُشْرِكِينَ خَشِيَ الْعَبَّاسُ فَأَخَذَ بِلِجَامِ الْبَغْلَةِ يَكُفُّهَا، وَأَخَذَ أَبُو سُفْيَانَ بِالرِّكَابِ وَتَرَكَ اللِّجَامِ لِلْعَبَّاسِ إِجْلَالًا لَهُ لِأَنَّهُ كَانَ عَمَّهُ.

  20. قَوْلُهُ: (بَغْلَتِهِ) هَذِهِ الْبَغْلَةُ هِيَ الْبَيْضَاءُ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ الْعَبَّاسِ وَكَانَ عَلَى بَغْلَةٍ بَيْضَاءَ أَهْدَاهَا لَهُ فَرْوَةُ بْنُ نُفَاثَةَ الْجُذَامِيُّ وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ وَكَانَ عَلَى بَغْلَتِهِ الشَّهْبَاءِ وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ صَنَّفَ السِّيرَةَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ عَلَى بَغْلَتِهِ دُلْدُلَ، وَفِيهِ لِأَنَّ دُلْدُلَ أَهْدَاهَا لَهُ الْمُقَوْقِسُ ; وَقَدْ ذَكَرَ الْقُطْبُ الْحَلَبِيُّ أَنَّهُ اسْتَشْكَلَ عِنْدَ الدِّمْيَاطِيِّ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ سَعْدٍ فَقَالَ لَهُ: كُنْتُ تَبِعْتُهُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ فِي السِّيرَةِ وَكُنْتُ حِينَئِذٍ سِيرِيًّا مَحْضًا، وَكَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَذْكُرَ الْخِلَافَ. قَالَ الْقُطْبُ الْحَلَبِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ يَوْمَئِذٍ رَكِبَ كُلًّا مِنَ الْبَغْلَتَيْنِ إِنْ ثَبَتَ أَنَّهَا كَانَتْ صَحِبَتْهُ، وَإِلَّا فَمَا فِي الصَّحِيحِ أَصَحُّ. وَدَلَّ قَوْلُ الدِّمْيَاطِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَعْتَقِدُ الرُّجُوعَ عَنْ كَثِيرٍ

    vol. 9, p. 31مِمَّا وَافَقَ فِيهِ أَهْلَ السِّيَرِ وَخَالَفَ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَتَضَلَّعَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَلِخُرُوجِ نُسَخٌ مِنْ كِتَابِهِ وَانْتِشَارِهِ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ تَغْيِيرِهِ. وَقَدْ أَغْرَبَ النَّوَوِيُّ فَقَالَ: وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ وَفِي أُخْرَى الشَّهْبَاءِ وَهِيَ وَاحِدَةٌ وَلَا نَعْرِفُ لَهُ بَغْلَةً غَيْرَهَا. وَتَعَقَّبَ بِدُلْدُلَ فَقَدْ ذَكَرَهَا غَيْرُ وَاحِدٍ، لَكِنْ قِيلَ إِنَّ الِاسْمَيْنِ لِوَاحِدَةٍ.

  21. قَوْلُهُ: (أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) قَالَ ابْنُ التِّينِ: كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُهُ بِفَتْحِ الْبَاءِ مِنْ قَوْلِهِ: لَا كَذِبْ لِيُخْرِجَهُ عَنِ الْوَزْنِ، وَقَدْ أُجِيبُ عَنْ مَقَالَتِهِ ﷺ هَذَا الرَّجَزِ بِأَجْوِبَةٍ: أَحَدُهَا أَنَّهُ نَظْمُ غَيْرِهِ، وَأَنَّهُ كَانَ فِيهِ: أَنْتَ النَّبِيُّ لَا كَذَبْ أَنْتَ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ، فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ أَنَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ. ثَانِيهَا أَنَّ هَذَا رَجَزٌ وَلَيْسَ مِنْ أَقْسَامِ الشِّعْرِ، وَهَذَا مَرْدُودٌ. ثَالِثُهَا أَنَّهُ لَا يَكُونُ شِعْرًا حَتَّى يَتِمَّ قِطْعَةً، وَهَذِهِ كَلِمَاتٌ يَسِيرَةٌ وَلَا تُسَمَّى شِعْرًا. رَابِعُهَا أَنَّهُ خَرَجَ مَوْزُونًا وَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ الشِّعْرُ، وَهَذَا أَعْدَلُ الْأَجْوِبَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي غَيْرِ هَذَا الْمَكَانِ، وَيَأْتِي تَامًّا فِي كِتَابِ الْأَدَبِ.

  22. وَأَمَّا نِسْبَتُهُ إِلَى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ دُونَ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ فَكَأَنَّما لِشُهْرَةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بَيْنَ النَّاسِ لِمَا رُزِقَ مِنْ نَبَاهَةِ الذِّكْرِ وَطُولِ الْعُمْرِ، بِخِلَافِ عَبْدِ اللَّهِ فَإِنَّهُ مَاتَ شَابًّا، وَلِهَذَا كَانَ كَثِيرٌ مِنَ الْعَرَبِ يَدْعُونَهُ ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، كَمَا قَالَ ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ لَمَّا قَدِمَ: أَيُّكُمُ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ وَقِيلَ: لِأَنَّهُ كَانَ اشْتُهِرَ بَيْنَ النَّاسِ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ ذُرِّيَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَجُلٌ يَدْعُو إِلَى اللَّهِ وَيَهْدِي اللَّهُ الْخَلْقَ عَلَى يَدَيْهِ وَيَكُونُ خَاتَمَ الْأَنْبِيَاءِ، فَانْتَسَبَ إِلَيْهِ لِيَتَذَكَّرَ ذَلِكَ مَنْ كَانَ يَعْرِفُهُ، وَقَدِ اشْتَهَرَ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ، وَذَكَرَ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزْنٍ قَدِيمًا لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَ عَبْدُ اللَّهِ آمِنَةَ وَأَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ تَنْبِيهَ أَصْحَابِهِ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ظُهُورِهِ وَأَنَّ الْعَاقِبَةَ لَهُ لِتَقْوَى قُلُوبِهِمْ إِذَا عَرَفُوا أَنَّهُ ثَابِتٌ غَيْرَ مُنْهَزِمٍ. وَأَمَّا قَوْلُهُ لَا كَذِبْ فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ صِفَةَ النُّبُوَّةِ يَسْتَحِيلُ مَعَهَا الْكَذِبُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَنَا النَّبِيُّ، وَالنَّبِيُّ لَا يَكْذِبُ، فَلَسْتُ بِكَاذِبٍ فِيمَا أَقُولُ حَتَّى أَنْهَزِمَ، وَأَنَا مُتَيَقِّنٌ بِأَنَّ الَّذِي وَعَدَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ النَّصْرِ حَقٌّ، فَلَا يَجُوزُ عَلَيَّ الْفِرَارُ. وَقِيلَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: لَا كَذِبْ أَيْ أَنَا النَّبِيُّ حَقًّا لَا كَذِبَ فِي ذَلِكَ.

  23. (تَنْبِيهَانِ) : أَحَدهُمَا: سَاقَ الْبُخَارِيُّ الْحَدِيثَ عَالِيًا عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ، عَنْ شُعْبَةَ، لَكِنَّهُ مُخْتَصَرٌ جِدًّا. ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ رِوَايَةِ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ مُطَوَّلًا بِنُزُولِ دَرَجَةٍ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنْ أَبِي خَلِيفَةَ الْفَضْلِ بْنِ الْحُبَابِ، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ مُطَوَّلًا، فَكَأَنَّهُ لَمَّا حَدَّثَ بِهِ الْبُخَارِيَّ حَدَّثَهُ بِهِ مُخْتَصَرًا.

  24. (الثَّانِي) اتَّفَقَتِ الطُّرُقُ الَّتِي أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيُّ لِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ سِيَاقِ هَذَا الْحَدِيثِ إِلَى قَوْلِهِ: أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ إِلَّا رِوَايَةُ زُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَزَادَ فِي آخِرِهَا ثُمَّ صَفَّ أَصْحَابَهُ وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ مِنْ رِوَايَةِ زَكَرِيَّا، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ الْبَرَاءُ: كُنَّا وَاللَّهِ إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ نَتَّقِي بِهِ، وَإِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّا الَّذِي يُحَاذِيهِ يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ . وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ الْعَبَّاسِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَئِذٍ صَارَ يَرْكُضُ بَغْلَتَهُ إِلَى جِهَةِ الْكُفَّارِ وَزَادَ فَقَالَ: أَيْ عَبَّاسُ نَادِ أَصْحَابَ الشَّجَرَةِ، وَكَانَ الْعَبَّاسُ صَيِّتًا، قَالَ: فَنَادَيْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي أَيْنَ أَصْحَابُ الشَّجَرَةِ، قَالَ فَوَاللَّهِ لَكَأَنَّ عِطْفَتَهُمْ حِينَ سَمِعُوا صَوْتِي عِطْفَةُ الْبَقَرِ عَلَى أَوْلَادِهَا، فَقَالُوا: يَا لَبَّيْكَ. قَالَ فَاقْتَتَلُوا وَالْكَفَّارَ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ كَالْمُتَطَاوِلِ إِلَى قِتَالِهِمْ فَقَالَ هَذَا حِينَ حَمِيَ الْوَطِيسُ. ثُمَّ أَخَذَ حَصَيَاتٍ فَرَمَى بِهِنَّ وُجُوهَ الْكُفَّارِ ثُمَّ قَالَ: انْهَزَمُوا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، قَالَ: فَمَا زِلْتُ أَرَى حَدَّهُمْ كَلِيلًا، وَأَمْرَهُمْ مُدْبِرًا وَلِابْنِ إِسْحَاقَ نَحْوُهُ، وَزَادَ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَعْطِفُ بِغَيْرِهِ فَلَا يَقْدِرُ، فَيَقْذِفُ دِرْعَهُ ثُمَّ يَأْخُذُ بِسَيْفِهِ وَدَرَقَتِهِ ثُمَّ يَؤُمُّ الصَّوْتَ.

  25. قَوْلُهُ فِي آخِرِ الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ: (قَالَ إِسْرَائِيلُ، وَزُهَيْرٌ: نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَغْلَتِهِ) أَيْ إِنَّ إِسْرَائِيلَ بْنَ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَزُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُعْفِيُّ رَوَيَا هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ فَقَالَا فِي آخِرِهِ:

    vol. 9, p. 32نَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَغْلَتِهِ فَأَمَّا رِوَايَةُ إِسْرَائِيلَ فَوَصَلَهَا الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ مَنْ قَالَ خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ فُلَانٍ مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ وَلَفْظُهُ كَانَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ آخِذًا بِعِنَانِ بَغْلَتِهِ، فَلَمَّا غَشِيَهُ الْمُشْرِكُونَ نَزَلَ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ. وَأَمَّا رِوَايَةُ زُهَيْرٍ فَوَصَلَهَا أَيْضًا فِي بَابِ مَنْ صَفَّ أَصْحَابَهُ عِنْدَ الْهَزِيمَةِ وَقَدْ ذَكَرْتُ لَفْظَهُ قَرِيبًا. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ لَمَّا غَشَوُا النَّبِيَّ ﷺ نَزَلَ عَنِ الْبَغْلَةِ، ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ بِهِ وُجُوهَهُمْ فَقَالَ: شَاهَتِ الْوُجُوهُ، فَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْهُمْ إِنْسَانًا إِلَّا مَلَأَ عَيْنَيْهِ تُرَابًا بِتِلْكَ الْقَبْضَةِ فَوَلَّوْا مُنْهَزِمِينَ. وَلِأَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفِهْرِيِّ فِي قِصَّةِ حُنَيْنٍ قَالَ: فَوَلَّى الْمُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَيَا عِبَادَ اللَّهِ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ.

  26. ثُمَّ اقْتَحَمَ عَنْ فَرَسِهِ فَأَخَذَ كَفًّا مِنْ تُرَابٍ، قَالَ: فَأَخْبَرَنِي الَّذِي كَانَ أَدْنَى إِلَيْهِ مِنِّي أَنَّهُ ضَرَبَ بِهِ وُجُوهَهُمْ وَقَالَ: شَاهَتِ الْوُجُوهُ، فَهَزَمَهُمْ قَالَ يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ رِوَايَةً عَنْ أَبِي هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفِهْرِيِّ قَالَ: فَحَدَّثَنِي أَبْنَاؤُهُمْ عَنْ آبَائِهِمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَمْ يَبْقَ مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا امْتَلَأَتْ عَيْنَاهُ وَفَمُهُ تُرَابًا وَلِأَحْمَدَ، وَالْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَغْلَتِهِ قُدْمًا، فَحَادَتْ بِهِ بَغْلَتُهُ فَمَالَ عَنِ السَّرْجِ فَقُلْتُ: ارْتَفِعْ رَفَعَكَ اللَّهُ، فَقَالَ: نَاوِلْنِي كَفًّا مِنْ تُرَابٍ، فَضَرَبَ بِهِ وُجُوهَهُمْ فَامْتَلَأَتْ أَعْيُنُهُمْ تُرَابًا. وَجَاءَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ سُيُوفُهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ كَأَنَّهَا الشُّهُبُ، فَوَلَّى الْمُشْرِكُونَ الْأَدْبَارَ وَلِلْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عَلِيًّا نَاوَلَ النَّبِيَّ ﷺ التُّرَابَ، فَرَمَى بِهِ فِي وجه الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ حُنَيْنٍ. وَيُجْمَعُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ ﷺ أَوَّلًا قَالَ لِصَاحِبِهِ: نَاوِلْنِي فَنَاوَلَهُ فَرَمَاهُمْ، ثُمَّ نَزَلَ عَنِ الْبَغْلَةِ فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَرَمَاهُمْ أَيْضًا. فَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْحَصَى فِي إِحْدَى الْمَرَّتَيْنِ وَفِي الْأُخْرَى ترَابُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  27. وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ حُسْنُ الْأَدَبِ فِي الْخِطَابِ، وَالْإِرْشَادُ إِلَى حُسْنِ السُّؤَالِ بِحُسْنِ الْجَوَابِ. وَذَمُّ الْإِعْجَابِ. وَفِيهِ جَوَازُ الِانْتِسَابِ إِلَى الْآبَاءِ وَلَوْ مَاتُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَالنَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا هُوَ خَارِجُ الْحَرْبِ. وَمِثْلُهُ الرُّخْصَةُ فِي الْخُيَلَاءِ فِي الْحَرْبِ دُونَ غَيْرِهَا. وَجَوَازُ التَّعَرُّضِ إِلَى الْهَلَاكِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ويُقَالُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مُتَيَقِّنًا لِلنَّصْرِ لِوَعْدِ اللَّهِ - تَعَالَى - لَهُ بِذَلِكَ وَهُوَ حَقٌّ؛ لِأَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ الْحَارِثِ قَدْ ثَبَتَ مَعَهُ آخِذًا بِلِجَامِ بَغْلَتِهِ وَلَيْسَ هُوَ فِي الْيَقِينِ مِثْلَ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَدِ اسْتُشْهِدَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ أَيْمَنُ ابْنُ أُمِّ أَيْمَنَ كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي شِعْرِ الْعَبَّاسِ. وَفِيهِ رُكُوبُ الْبَغْلَةِ إِشَارَةً إِلَى مَزِيدِ الثَّبَاتِ؛ لِأَنَّ رُكُوبَ الْفُحُولَةِ مَظِنَّةُ الِاسْتِعْدَادِ لِلْفِرَارِ وَالتَّوَلِّي، وَإِذَا كَانَ رَأْسُ الْجَيْشِ قَدْ وَطَّنَ نَفْسَهُ عَلَى عَدَمِ الْفِرَارِ وَأَخَذَ بِأَسْبَابِ ذَلِكَ كَانَ ذَلِكَ أَدْعَى لَأَتْبَاعِهِ عَلَى الثَّبَاتِ. وَفِيهِ شُهْرَةُ الرَّئِيسِ نَفْسَهُ فِي الْحَرْبِ مُبَالَغَةً فِي الشَّجَاعَةِ وَعَدَمِ الْمُبَالَاةِ بِالْعَدُوِّ.

  28. ٤٣١٨، ٤٣١٩ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بن سعد، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ح.

  29. وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ شِهَابٍ: وَزَعَمَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ مَرْوَانَ، وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَعِي مَنْ تَرَوْنَ، وَأَحَبُّ الْحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ، فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ؛ إِمَّا السَّبْيَ وَإِمَّا الْمَالَ، وَقَدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ بِكُمْ - وَكَانَ أَنْظَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حِينَ قَفَلَ مِنْ الطَّائِفِ - فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَيْرُ رَادٍّ إِلَيْهِمْ إِلَّا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ قَالُوا:

    vol. 9, p. 33فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمُسْلِمِينَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدْ جَاءُونَا تَائِبِينَ، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ، فَقَالَ النَّاسُ: قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ، فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ قَدْ

    طَيَّبُوا وَأَذِنُوا. هَذَا الَّذِي بَلَغَنِي عَنْ سَبْيِ هَوَازِنَ. الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: حَدِيثُ الْمِسْوَرِ، وَمَرْوَانَ، تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الشُّرُوطِ فِي قِصَّةِ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ أَنَّ الزُّهْرِيَّ رَوَاهُ عَنْ عُرْوَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ، وَمَرْوَانَ عَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ فِي بَقِيَّةِ الْمَوَاضِعِ حَيْثُ لَا يُذْكَرُ عَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ يُرْسِلُهُ، فَإِنَّ الْمِسْوَرَ يَصْغُرُ عَنْ إِدْرَاكِ الْقِصَّةِ وَمَرْوَانُ أَصْغَرُ مِنْهُ. نَعَمْ كَانَ الْمِسْوَرُ فِي قِصَّةِ حُنَيْنٍ مُمَيِّزًا، فَقَدْ ضَبَطَ فِي ذَلِكَ الْأَوَانِ قِصَّةَ خِطْبَةِ عَلِيٍّ لِابْنَةِ أَبِي جَهْلٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  30. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنُ شِهَابٍ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ) هُوَ الزُّهْرِيُّ، وَسَقَطَ ابْنُ مُسْلِمٍ مِنْ بَعْضِ النُّسَخِ.

  31. قَوْلُهُ: (وَزَعَمَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قِصَّةِ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ إِلَخْ وَسَيَأْتِي فِي الْأَحْكَامِ.

  32. قَوْلُهُ: (قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ) سَاقَ الزُّهْرِيُّ هَذِهِ الْقِصَّةَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مُخْتَصَرَةً، وَقَدْ سَاقَهَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي الْمَغَازِي مُطَوَّلَةً وَلَفْظُهُ ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الطَّائِفِ فِي شَوَّالٍ إِلَى الْجِعْرَانَةِ وَبِهَا السَّبْيُ يَعْنِي سَبْيَ هَوَازِنَ، وَقَدِمَتْ عَلَيْهِ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ فِيهِمْ تِسْعَةُ نَفَرٍ مِنْ أَشْرَافِهِمْ فَأَسْلَمُوا وَبَايَعُوا، ثُمَّ كَلَّمُوهُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فِيمَنْ أَصَبْتُمُ الْأُمَّهَاتِ وَالْأَخَوَاتِ وَالْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ وَهُنَّ مَخَازِي الْأَقْوَامِ، فَقَالَ: سَأَطْلُبُ لَكُمْ، وَقَدْ وَقَعَتِ الْمُقَاسِمُ فَأَيُّ الْأَمْرَيْنِ أَحَبُّ إِلَيْكُمْ: آلسَّبْيُ أَمِ الْمَالِ؟ قَالُوا: خَيَّرْتَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ بَيْنَ الْحَسَبِ وَالْمَالِ، فَالْحَسَبُ أَحَبُّ إِلَيْنَا، وَلَا نَتَكَلَّمُ فِي شَاةٍ وَلَا بَعِيرٍ. فَقَالَ: أَمَّا الَّذِي لِبَنِي هَاشِمٍ فَهُوَ لَكُمْ، وَسَوْفَ أُكَلِّمُ لَكُمُ الْمُسْلِمِينَ، فَكَلِّمُوهُمْ وَأَظْهِرُوا إِسْلَامَكُمْ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْهَاجِرَةَ قَامُوا فَتَكَلَّمَ خُطَبَاؤُهُمْ فَأَبْلَغُوا وَرَغِبُوا إِلَى الْمُسْلِمِينَ فِي رَدِّ سَبْيهِمْ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ فَرَغُوا فَشَفَعَ لَهُمْ وَحَضَّ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ وَقَالَ: قَدْ رَدَدْتُ الَّذِي لِبَنِي هَاشِمٍ عَلَيْهِمْ. فَاسْتُفِيدَ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ عَدَدُ الْوَفْدِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَخْفَى. وَقَدْ أَغْفَلَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ لَمَّا ذَكَرَ الْوُفُودَ وَفْدَ هَوَازِنَ هَؤُلَاءِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَجْمَعْ أَحَدٌ الْوُفُودِ أَكْثَرَ مِمَّا جَمَعَ.

  33. وَمِمَّنْ سُمِّيَ مِنْ وَفْدِ هَوَازِنَ زُهَيْرُ بْنُ صُرَدَ كَمَا سَيَأْتِي، وَأَبُو مَرْوَانَ - وَيُقَالُ: أَبُو ثَرْوَانَ أَوَّلُهُ مُثَلَّثَةٌ بَدَلَ الْمِيمِ وَيُقَالُ بِمُوَحَّدَةٍ وَقَافٍ - وَهُوَ عَمُّ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الرَّضَاعَةِ، ذَكَرَهُ ابْنُ سَعْدٍ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ تَعْيِينُ الَّذِي خَطَبَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ وَلَفْظُهُ وَأَدْرَكَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ بَالْجِعْرَانَةِ وَقَدْ أَسْلَمُوا فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا أَهْلٌ وَعَشِيرَةٌ قَدْ أَصَابَنَا مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْكَ، فَامْنُنْ عَلَيْنَا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ. وَقَامَ خَطِيبُهُمْ زُهَيْرُ بْنُ صُرَدَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّوَاتِي فِي الْحَظَائِرِ مِنَ السَّبَايَا خَالَاتُكَ وَعَمَّاتُكَ وَحَوَاضِنُكَ واللَّاتِي كُنَّ يَكْفُلْنَكَ، وَأَنْتَ خَيْرُ مَكْفُولٍ، ثُمَّ أَنْشَدَهُ الْأَبْيَاتَ الْمَشْهُورَةَ أَوَّلُهَا:

    vol. 9, p. 34امْنُنْ عَلَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ فِي كَرَمٍ … فَإِنَّكَ الْمَرْءُ نَرْجُوهُ وَنَدَّخِرُ

    يَقُولُ فِيهَا:

    امْنُنْ عَلَى نِسْوَةٍ قَدْ كُنْتَ تَرْضَعُهَا … إِذْ فُوكَ تَمْلَؤُهُ مِنْ مَحْضِهَا الدُّرَرُ

    ثُمَّ سَاقَ الْقِصَّةَ نَحْوَ سِيَاقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ. وَأَوْرَدَ الطَّبَرَانِيُّ شِعْرَ زُهَيْرِ بْنِ صُرَدَ مِنْ حَدِيثِهِ فَزَادَ عَلَى مَا أَوْرَدَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ خَمْسَةَ أَبْيَاتٍ. وَقَدْ وَقَعَ لَنَا عَالِيًا جِدًّا فِي الْمُعْجَمِ الصَّغِيرِ عُشَارِيُّ الْإِسْنَادِ، وَمَنْ بَيْنَ الطَّبَرَانِيِّ فِيهِ وَزُهَيْرٍ لَا يُعْرَفُ، لَكِنْ يَقْوَى حَدِيثُهُ بِالْمُتَابَعَةِ الْمَذْكُورَةِ فَهُوَ حَسَنٌ، وَقَدْ بَسَطْتُ الْقَوْلَ فِيهِ فِي الْأَرْبَعِينَ الْمُتَبَايِنَةِ وَفِي الْأَمَالِي وَفِي الْعَشَرَةِ الْعُشَارِيَّةِ وَبَيَّنْتُ وَهْمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْإِسْنَادَ مُنْقَطِعٌ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

  34. قَوْلُهُ: (وَقَدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ بِكُمْ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَمَعْنَى اسْتَأْنَيْتُ اسْتَنْظَرْتُ، أَيْ أَخَّرْتُ قَسْمَ السَّبْيِ لِتَحْضُرُوا فَأَبْطَأْتُمْ، وَكَانَ تَرَكَ السَّبْيَ بِغَيْرِ قِسْمَةٍ وَتَوَجَّهَ إِلَى الطَّائِفِ فَحَاصَرَهَا كَمَا سَيَأْتِي، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهَا إِلَى الْجِعْرَانَةِ ثُمَّ قَسَمَ الْغَنَائِمَ هُنَاكَ، فَجَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ أَخَّرَ الْقَسْمَ لِيَحْضُرُوا فَأَبْطَئُوا. وَقَوْلُهُ: بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً فِيهِ بَيَانُ مُدَّةِ التَّأْخِيرِ. وَقَوْلُهُ: قَفَلَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالْفَاءِ أَيْ رَجَعَ. وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ وَفْدَ هَوَازِنَ كَانُوا أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ بَيْتًا فِيهِمْ أَبُو بَرْقَانَ السَّعْدِيُّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ فِي هَذِهِ الْحَظَائِرِ إِلَّا أُمَّهَاتُكَ وَخَالَاتُكَ وَحَوَاضُنَكَ وَمُرْضِعَاتُكَ فَامْنُنْ عَلَيْنَا، مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ. فَقَالَ: قَدِ اسْتَأْنَيْتُ بِكُمْ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّكُمْ لَا تَقْدُمُونَ، وَقَدْ قَسَمْتُ السَّبْيَ.

  35. قَوْلُهُ: (فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ) بِفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ أَيْ يُعْطِيهِ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ مَنْ غَيْرِ عِوَضٍ.

  36. قَوْلُهُ: (عَلَى حَظِّهِ) أَيْ بِأَنْ يَرُدَّ السَّبْيَ بِشَرْطِ أَنْ يُعْطَى عِوَضَهُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُعْطِيَ غَيْرَ مُكْرَهٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ كَرِهَ أَنْ يُعْطِيَ فَعَلَيَّ فِدَاؤُهُمْ.

  37. قَوْلُهُ: (فَقَالَ النَّاسُ: قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ) فِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ فَأَعْطَى النَّاسُ مَا بِأَيْدِيهِمْ، إِلَّا قَلِيلًا مِنَ النَّاسِ سَأَلُوا الْفِدَاءَ وَفِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ الْمَذْكُورَةِ فَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ: مَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسُولِ اللَّهِ، وَقَالَتِ الْأَنْصَارُ كَذَلِكَ، وَقَالَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ: أَمَّا أَنَا وَبَنُو تَمِيمٍ فَلَا. وَقَالَ عُيَيْنَةُ: أَمَّا أَنَا وَبَنُو فَزَارَةَ فَلَا. وَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ: أَمَّا أَنَا وَبَنُو سَلِيمٍ فَلَا، فَقَالَتْ بَنُو سَلِيمٍ: بَلْ مَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسُولِ اللَّهِ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ تَمَسَّكَ مِنْكُمْ بِحَقِّهِ فَلَهُ بِكُلِّ إِنْسَانٍ سِتُّ فَرَائِضَ مِنْ أَوَّلِ فَيْءٍ نُصِيبُهُ، فَرَدُّوا إِلَى النَّاسِ نِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ.

  38. قَوْلُهُ: (فَقَالَ إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ إِلَخْ) يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابِ الْعُرَفَاءِ مِنْ كِتَابِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

  39. قَوْلُهُ: (هَذَا الَّذِي بَلَغَنِي عَنْ سَبْيِ هَوَازِنَ) بَيَّنَ الْمُصَنِّفُ فِي الْهِبَةِ أَنَّ الَّذِي قَالَ هَذَا إِلَخْ هُوَ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ خَرَّجَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، عَنِ اللَّيْثِ بِسَنَدِهِ.

  40. الْحَدِيثُ الرَّابِعُ.