٧٠ - باب وفد بني حنيفة، وحديث ثمامة بن أثال
36 paragraphs · vol. 9, p. 87
- vol. 9, p. 87
٤٣٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: مَاذا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ فَقَالَ: عِنْدِي خَيْرٌ، يَا مُحَمَّدُ، إِنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ مِنْهُ مَا شِئْتَ، فَتُرِكَ حَتَّى كَانَ الْغَدُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ فقَالَ: مَا قُلْتُ لَكَ: إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، فَتَرَكَهُ حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ، فَقَالَ: مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ فَقَالَ: عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ فَقَالَ: أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ، فَانْطَلَقَ إِلَى نخل قَرِيبٍ مِنْ الْمَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، يَا مُحَمَّدُ، وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى الْأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ، فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلَادِ إِلَيَّ، وَإنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي وَأَنَا أُرِيدُ الْعُمْرَةَ، فَمَاذَا تَرَى؟ فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ لَهُ قَائِلٌ: صَبَوْتَ؟ قَالَ: لَا والله، وَلَكِنْ أَسْلَمْتُ مَعَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ،
وَلَا وَاللَّهِ لَا يَأْتِيكُمْ مِنْ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ .
-
قَوْلُهُ: (بَابُ وَفْدِ بَنِي حَنِيفَةَ وَحَدِيثِ ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ) أَمَّا حَنِيفَةُ فَهُوَ ابْنُ لُجَيْمِ بِجِيمٍ ابْنِ صَعْبِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، وَهِيَ قَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ شَهِيرَةٌ يَنْزِلُونَ الْيَمَامَةَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْيَمَنِ، وَكَانَ وَفْدُ بَنِي حَنِيفَةَ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ فِي سَنَةِ تِسْعٍ، وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أنهم كَانُوا سَبْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا فِيهِمْ مُسَيْلِمَةُ. وَأَمَّا ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ فَأَبُوهُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وبمثلثة خَفِيفَةٍ ابْنِ النُّعْمَانِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْحَنَفِيُّ، وَهُوَ مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ، وَكَانَتْ قِصَّتُهُ قَبْلَ وَفْدِ بَنِي حَنِيفَةَ بِزَمَانٍ، فَإِنَّ قِصَّتَهُ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهَا كَانَتْ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ، وَكَأنَ الْبُخَارِيُّ ذَكَرَهَا هُنَا اسْتِطْرَادًا. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ: الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ ثُمَامَةَ، وَقَدْ صَرَّحَ فِيهِ بِسَمَاعِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ لَهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
-
وَأَخْرَجَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدٍ فَقَالَ: عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ مِنَ الْمَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ، فَإِنَّ اللَّيْثَ مَوْصُوفٌ بِأَنَّهُ أَتْقَنُ النَّاسِ لِحَدِيثِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَعِيدٌ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَكَانَ أَبُوهُ قَدْ حَدَّثَهُ بِهِ قَبْلُ، أَوْ ثَبَّتَهُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ، فَحَدَّثَ بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ.
-
قَوْلُهُ: (بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ) أَيْ بَعَثَ فُرْسَانَ خَيْلٍ إِلَى جِهَةِ نَجْدٍ، وَزَعَمَ سَيْفٌ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ لَهُ أَنَّ الَّذِي أَخَذَ ثُمَامَةَ وَأَسَرَهُ هُوَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَفِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْعَبَّاسَ إِنَّمَا قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي زَمَانِ فَتْحِ مَكَّةَ، وَقِصَّةُ ثُمَامَةَ تَقْتَضِي أَنَّهَا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ بِحَيْثُ اعْتَمَرَ ثُمَامَةُ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بِلَادِهِ ثُمَّ مَنَعَهُمْ أَنْ يَمِيرُوا أَهْلَ مَكَّةَ، ثُمَّ شَكَا أَهْلُ مَكَّةَ إِلَى النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ، ثُمَّ بَعَثَ يَشْفَعُ فِيهِمْ عِنْدَ ثُمَامَةَ.
-
قَوْلُهُ: (مَاذَا عِنْدَكَ) أَيْ أَيُّ شَيْءٍ عِنْدَكَ؟ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مَا: اسْتِفْهَامِيَّةٌ وَذَا: مَوْصُولَةٌ
vol. 9, p. 88وَعِنْدَكَ: صِلَتُهُ، أَيْ مَا الَّذِي اسْتَقَرَّ فِي ظَنِّكَ أَنْ أَفْعَلَهُ بِكَ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ ظَنَّ خَيْرًا فَقَالَ: عِنْدِي يَا مُحَمَّدُ خَيْرٌ؛ أَيْ لِأَنَّكَ لَسْتَ مِمَّنْ يَظْلِمُ، بَلْ مِمَّنْ يَعْفُو وَيُحْسِنُ.
-
قَوْلُهُ: (إِنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذَا دَمٍ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِمُهْمَلَةٍ مُخَفَّفَةِ الْمِيمِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ ذَمٍّ بِمُعْجَمَةٍ مُثْقَّلِ الْمِيمِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَى رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ أَيْ صَاحِبِ دَمٍ، لِدَمِهِ مَوْقِعٌ يَشْتَفِي قَاتِلُهُ بِقَتْلِهِ وَيُدْرِكُ ثَأْرَهُ لِرِيَاسَتِهِ وَعَظَمَتِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّهُ عَلَيْهِ دَمٌ وَهُوَ مَطْلُوبٌ بِهِ، فَلَا لَوْمَ عَلَيْكَ فِي قَتْلِهِ. وَأَمَّا الرِّوَايَةُ بِالْمُعْجَمَةِ فَمَعْنَاهَا ذَا ذِمَّةٍ، وَثَبَتَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، وَضَعَّفَهَا عِيَاضٌ بِأَنَّهُ يَقْلِبُ الْمَعْنَى لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ ذَا ذِمَّةٍ يَمْتَنِعُ قَتْلُهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: يُمْكِنُ تَصْحِيحُهَا بِأَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَالْمُرَادُ بِالذِّمَّةِ الْحُرْمَةُ فِي قَوْمِهِ، وَأَوْجَهُ الْجَمِيعِ الْوَجْهُ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ مُشَاكِلٌ لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَجَمِيعُ ذَلِكَ تَفْصِيلٌ لِقَوْلِهِ: عِنْدِي خَيْرٌ ; وَفِعْلُ الشَّرْطِ إِذَا كُرِّرَ فِي الْجَزَاءِ دَلَّ عَلَى فَخَامَةِ الْأَمْرِ.
-
قَوْلُهُ: (قَالَ: عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ) أَيْ إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ ; هَكَذَا اقْتَصَرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي عَلَى أَحَدِ الشِّقَّيْنِ. وَحَذَفَ الْأَمْرَيْنِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى حَذْفِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدَّمَ أَوَّلَ يَوْمٍ أَشَقَّ الْأَمْرَيْنِ عَلَيْهِ، وَأَشْفَى الْأَمْرَيْنِ لِصَدْرِ خُصُومِهِ وَهُوَ الْقَتْلُ، فَلَمَّا لَمْ يَقَعِ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ الِاسْتِعْطَافِ وَطَلَبِ الْإِنْعَامِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، فَكَأَنَّهُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ رَأَى أَمَارَاتِ الْغَضَبِ فَقَدَّمَ ذِكْرَ الْقَتْلِ، فَلَمَّا لَمْ يَقْتُلْهُ طَمِعَ فِي الْعَفْوِ فَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا لَمْ يَعْمَلْ شَيْئًا مِمَّا قَالَ اقْتَصَرَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ عَلَى الْإِجْمَالِ تَفْوِيضًا إِلَى جَمِيلِ خُلُقِهِ ﷺ . وَقَدْ وَافَقَ ثُمَامَةُ فِي هَذِهِ الْمُخَاطَبَةِ قَوْلَ عِيسَى عليه السلام : ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾؛ لِأَنَّ الْمَقَامُ يَلِيقُ بِذَلِكَ
قَوْلُهُ: (فَقَالَ: أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: قَدْ عَفَوْتُ عَنْكَ يَا ثُمَامَةُ وَأَعْتَقْتُكَ وَزَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي الْأَسْرِ جَمَعُوا مَا كَانَ فِي أَهْلِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ طَعَامٍ وَلَبَنٍ فَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ مِنْ ثُمَامَةَ مَوْقِعًا، فَلَمَّا أَسْلَمَ جَاءُوهُ بِالطَّعَامِ فَلَمْ يُصِبْ مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا. فَتَعَجَّبُوا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ الْكَافِرَ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ، وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ.
-
قَوْلُهُ: (فَبَشَّرَهُ) أَيْ بِخَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، أَوْ بَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ أَوْ بِمَحْوِ ذُنُوبِهِ وَتَبِعَاتِهِ السَّابِقَةِ.
-
قَوْلُهُ: (فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ) زَادَ ابْنُ هِشَامٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهُ خَرَجَ مُعْتَمِرًا حَتَّى إِذَا كَانَ بِبَطْنِ مَكَّةَ لَبَّى، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ يُلَبِّي. فَأَخَذَتْهُ قُرَيْشٌ فَقَالُوا: لَقَدِ اجْتَرَأْتَ عَلَيْنَا، وَأَرَادُوا قَتْلَهُ، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: دَعُوهُ فَإِنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى الطَّعَامِ مِنَ الْيَمَامَةِ فَتَرَكُوهُ.
-
قَوْلُهُ: (قَالَ: لَا وَلَكِنْ أَسْلَمْتُ مَعَ مُحَمَّدٍ) كَأَنَّهُ قَالَ: لَا مَا خَرَجْتُ مِنَ الدِّينِ؛ لِأَنَّ عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ لَيْسَتْ دِينًا، فَإِذَا تَرَكْتُهَا لَا أَكُونُ خَرَجْتُ مِنْ دِينٍ، بَلِ اسْتَحْدَثْتُ دِينَ الْإِسْلَامِ. وَقَوْلُهُ: مَعَ مُحَمَّدٍ أَيْ وَافَقْتُهُ عَلَى دِينِهِ فَصِرْنَا مُتَصَاحِبَيْنِ فِي الْإِسْلَامِ أَنَا بِالِابْتِدَاءِ وَهُوَ بِالِاسْتِدَامَةِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ هِشَامٍ وَلَكِنْ تَبِعْتُ خَيْرَ الدِّينِ دِينِ مُحَمَّدٍ.
-
قَوْلُهُ: (وَلَا وَاللَّهِ) فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وَاللَّهِ لَا أَرْجِعُ إِلَى دِينِكُمْ وَلَا أَرْفَقُ بِكُمْ، فَأَتْرُكُ الْمِيرَةَ تَأْتِيكُمْ مِنَ الْيَمَامَةِ.
-
قَوْلُهُ: (لَا تَأْتِيكُمْ مِنَ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ ) زَادَ ابْنُ هِشَامٍ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْيَمَامَةِ فَمَنَعَهُمْ أَنْ يَحْمِلُوا إِلَى مَكَّةَ شَيْئًا، فَكَتَبُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ : إِنَّكَ تَأْمُرُ بِصِلَةِ الرَّحِمِ، فَكَتَبَ إِلَى ثُمَامَةَ أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْحَمْلِ إِلَيْهِمْ. وَفِي قِصَّةِ ثُمَامَةَ مِنَ الْفَوَائِدِ رَبْطُ الْكَافِرِ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْمَنُّ عَلَى الْأَسِيرِ الْكَافِرِ وَتَعْظِيمُ أَمْرِ الْعَفْوِ عَنِ الْمُسِيءِ؛ لِأَنَّ ثُمَامَةَ أَقْسَمَ أَنَّ بُغْضَهُ انْقَلَبَ حُبًّا فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ لِمَا أَسَدَاهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِ مِنَ الْعَفْوِ وَالْمَنِّ بِغَيْرِ مُقَابِلٍ. وَفِيهِ الِاغْتِسَالُ عِنْدَ الْإِسْلَامِ، وَأَنَّ الْإِحْسَانَ يُزِيلُ الْبُغْضَ وَيُثَبِّتُ الْحُبَّ، وَأَنَّ الْكَافِرَ إِذَا أَرَادَ عَمَلَ خَيْرٍ ثُمَّ أَسْلَمَ شَرَعَ لَهُ أَنْ يَسْتَمِرَّ فِي عَمَلِ ذَلِكَ الْخَيْرِ. وَفِيهِ الْمُلَاطَفَةُ بِمَنْ يُرْجَى إِسْلَامُهُ مِنَ الْأُسَارَى إِذَا كَانَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ لِلْإِسْلَامِ، وَلَا سِيَّمَا مَنْ يَتْبَعُهُ عَلَى إِسْلَامِهِ الْعَدَدُ الْكَثِيرُ مِنْ
vol. 9, p. 89قَوْمِهِ، وَفِيهِ بَعْثُ السَّرَايَا إِلَى بِلَادِ الْكُفَّارِ، وَأَسْرُ مَنْ وُجِدَ مِنْهُمْ، وَالتَّخْيِيرُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي قَتْلِهِ أَوِ الْإِبْقَاءِ عَلَيْهِ. الْحَدِيثُ الثَّانِي:
٤٣٧٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَدِمَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَجَعَلَ يَقُولُ: إِنْ جَعَلَ لِي مُحَمَّدٌ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ تَبِعْتُهُ، وَقَدِمَهَا فِي بَشَرٍ كَثِيرٍ مِنْ قَوْمِهِ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، وَفِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِطْعَةُ جَرِيدٍ حَتَّى وَقَفَ عَلَى مُسَيْلِمَةَ فِي أَصْحَابِهِ فَقَالَ: لَوْ سَأَلْتَنِي هَذِهِ الْقِطْعَةَ مَا أَعْطَيْتُكَه، وَلَنْ تَعْدُوَ أَمْرَ اللَّهِ فِيكَ، وَلَئِنْ أَدْبَرْتَ لَيَعْقِرَنَّكَ اللَّهُ، وَإِنِّي لَأَرَاكَ الَّذِي أُرِيتُ فِيهِ مَا رَأَيْتُ، وَهَذَا ثَابِتٌ يُجِيبُكَ عَنِّي، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ.
-
٤٣٧٤ - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَسَأَلْتُ عَنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنَّكَ أُرَى الَّذِي أُرِيتُ فِيهِ مَا أَرَيْتُ فَأَخْبَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ فِي يَدَيَّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ فَأَهَمَّنِي شَأْنُهُمَا فَأُوحِيَ إِلَيَّ فِي الْمَنَامِ أَنْ انْفُخْهُمَا فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا فَأَوَّلْتُهُمَا كَذَّابَيْنِ يَخْرُجَانِ بَعْدِي أَحَدُهُمَا الْعَنْسِيُّ وَالآخَرُ مُسَيْلِمَة" .
-
٤٣٧٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِخَزَائِنِ الْأَرْضِ، فَوُضِعَ فِي كَفِّي سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ، فَكَبُرَا عَلَيَّ، فَأَوْحي إِلَيَّ أَنْ أنْفُخْهُمَا، فَنَفَخْتُهُمَا فَذَهَبَا، فَأَوَّلْتُهُمَا الْكَذَّابَيْنِ اللَّذَيْنِ أَنَا بَيْنَهُمَا: صَاحِبَ صَنْعَاءَ، وَصَاحِبَ الْيَمَامَةِ.
-
قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنِ بْنِ الْحَارِثِ النَّوْفَلِيُّ، تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ مَشْهُورٌ نُسِبَ هُنَا لِجَدِّهِ.
-
قَوْلُهُ: (قَدِمَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ) أَيِ الْمَدِينَةَ، وَمُسَيْلِمَةُ مُصَغَّرٌ بِكَسْرِ اللَّامِ ابْنُ ثُمَامَةَ بْنِ كَبِيرٍ بِمُوَحَّدَةٍ ابْنِ حَبِيبِ بْنِ الْحَارِثِ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ادَّعَى النُّبُوَّةَ سَنَةَ عَشْرٍ، وَزَعَمَ وَثِيمَةُ فِي كِتَابِ الرِّدَّةِ أَنَّ مُسَيْلِمَةَ لَقَبٌ وَاسْمُهُ ثُمَامَةُ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ كُنْيَتَهُ أَبُو ثُمَامَةَ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَيَكُونُ مِمَّنْ تَوَافَقَتْ كُنْيَتُهُ وَاسْمُهُ، وَسِيَاقُ هَذِهِ الْقِصَّةِ يُخَالِفُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّهُ قَدِمَ مَعَ وَفْدِ قَوْمِهِ، وَأَنَّهُمْ تَرَكُوهُ فِي رِحَالِهِمْ يَحْفَظُهَا لَهُمْ، وَذَكَرُوهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَأَخَذُوا مِنْهُ جَائِزَتَهُ، وَأَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: إِنَّهُ لَيْسَ بِشَرِّكُمْ، وَأَنَّ مُسَيْلِمَةَ لَمَّا ادَّعَى أَنَّهُ أُشْرِكَ فِي النُّبُوَّةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ احْتَجَّ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ، وَهَذَا مَعَ شُذُوذِهِ ضَعِيفُ السَّنَدِ لِانْقِطَاعِهِ.
-
وَأَمْرُ مُسَيْلِمَةَ كَانَ عِنْدَ قَوْمِهِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَدْ كَانَ يُقَالُ لَهُ: رَحْمَانُ الْيَمَامَةِ لِعِظَمِ قَدْرِهِ فِيهِمْ، وَكَيْفَ يَلْتَئِمُ هَذَا الْخَبَرُ الضَّعِيفُ مَعَ قَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اجْتَمَعَ بِهِ وَخَاطَبَهُ وَصَرَّحَ لَهُ بِحَضْرَةِ قَوْمِهِ أَنْ لَوْ سَأَلَهُ الْقِطْعَةَ الْجَرِيدَةَ مَا أَعْطَاهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُسَيْلِمَةُ قَدِمَ مَرَّتَيْنِ الْأُولَى كَانَ تَابِعًا وَكَانَ رَئِيسُ بَنِي حَنِيفَةَ غَيْرَهُ، وَلِهَذَا أَقَامَ فِي
vol. 9, p. 90حِفْظِ رِحَالِهِمْ، وَمَرَّةً مَتْبُوعًا وَفِيهَا خَاطَبَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، أَوِ الْقِصَّةُ وَاحِدَةٌ وَكَانَتْ إِقَامَتُهُ فِي رِحَالِهِمْ بِاخْتِيَارِهِ أَنَفَةً مِنْهُ وَاسْتِكْبَارًا أَنْ يَحْضُرَ مَجْلِسَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَعَامَلَهُ النَّبِيُّ مُعَامَلَةَ الْكَرَمِ عَلَى عَادَتِهِ فِي الِاسْتِئْلَافِ، فَقَالَ لِقَوْمِهِ: إِنَّهُ لَيْسَ بِشَرِّكُمْ أَيْ بِمَكَانٍ، لِكَوْنِهِ كَانَ يَحْفَظُ رِحَالَهُمْ، وَأَرَادَ اسْتِئْلَافَهُ بِالْإِحْسَانِ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، فَلَمَّا لَمْ يَفِدْ مُسَيْلِمَةُ تَوَجَّهَ بِنَفْسِهِ إِلَيْهِمْ لِيُقِيمَ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةَ وَيُعْذِرَ إِلَيْهِ بِالْإِنْذَارِ وَالْعِلْمِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ الْإِمَامَ يَأْتِي بِنَفْسِهِ إِلَى مَنْ قَدِمَ يُرِيدُ لِقَاءَهُ مِنَ الْكُفَّارِ إِذَا تَعَيَّنَ ذَلِكَ طَرِيقًا لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ.
-
قَوْلُهُ: (إِنْ جَعَلَ لِي مُحَمَّدٌ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ) أَيِ الْخِلَافَةَ ; وَسَقَطَ لَفْظُ الْأَمْرَ هُنَا عِنْدَ الْأَكْثَرِ وَهُوَ مُقَدَّرٌ، وَقَدْ ثَبَتَتْ فِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ وَثَبَتَتْ أَيْضًا فِي الرِّوَايَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ.
-
قَوْلُهُ: (وَقَدِمَهَا فِي بَشَرٍ كَثِيرٍ) ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ عَدَدَ مَنْ كَانَ مَعَ مُسَيْلِمَةَ مِنْ قَوْمِهِ سَبْعَةَ عَشَرَ نَفْسًا، فَيُحْتَمَلُ تَعَدُّدُ الْقُدُومِ كَمَا تَقَدَّمَ.
-
قَوْلُهُ: (وَلَنْ تَعْدُوَ أَمْرَ اللَّهِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِبَعْضِهِمْ لَنْ تَعْدُ بِالْجَزْمِ وَهُوَ لُغَةٌ، أَيِ الْجَزْمِ بِلَنْ، وَالْمُرَادُ بِأَمْرِ اللَّهِ حُكْمُهُ. وَقَوْلُهُ: وَلَئِنْ أَدْبَرْتَ أَيْ خَالَفْتَ الْحَقَّ، قَوْلُهُ: لَيَعْقِرَنَّكَ بِالْقَافِ أَيْ يُهْلِكُكَ.
-
قَوْلُهُ: (وَهَذَا ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ يُجِيبُكَ عَنِّي) أَيْ لِأَنَّهُ كَانَ خَطِيبَ الْأَنْصَارِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ أُعْطِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ فَاكْتَفَى بِمَا قَالَهُ لِمُسَيْلِمَةَ وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ إِنْ كَانَ يُرِيدُ الْإِسْهَابَ فِي الْخِطَابِ فَهَذَا الْخَطِيبُ يَقُومُ عَنِّي فِي ذَلِكَ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ اسْتِعَانَةُ الْإِمَامِ بِأَهْلِ الْبَلَاغَةِ فِي جَوَابِ أَهْلِ الْعِنَادِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
-
قَوْلُهُ: (أُرِيتَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الرَّاءِ مِنْ رُؤْيَا الْمَنَامِ، وَقَدْ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ الْحَدِيثُ الثَّالِثُ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
قَوْلُهُ: (مِنْ ذَهَبٍ) مِنْ لِبَيَانِ الْجِنْسِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ وَوَهَمَ مَنْ قَالَ: الْأَسَاوِرُ لَا تَكُونُ إِلَّا مِنْ ذَهَبٍ فَإِنْ كَانَتْ مِنْ فِضَّةٍ فَهِيَ الْقَلْبُ.
-
قَوْلُهُ: (فَأَهَمَّنِي شَأْنُهُمَا) فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ الَّتِي بَعْدَهَا فَكَبُرَا عَلَيَّ.
-
قَوْلُهُ: (أَحَدُهُمَا الْعَنْسِيُّ) بِالْمُهْمَلَةِ ثُمَّ نُونٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ سِينٍ مُهْمَلَةٍ وَهُوَ الْأَسْوَدُ، وَهُوَ صَاحِبُ صَنْعَاءَ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ، وَسَأَذْكُرُ شَأْنَهُ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ مَنْقَبَةٌ لِلصِّدِّيقِ رضي الله عنه ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَلَّى نَفْخَ السِّوَارَيْنِ بِنَفْسِهِ حَتَّى طَارَا، فَأَمَّا الْأَسْوَدُ فَقُتِلَ فِي زَمَنِهِ، وَأَمَّا مُسَيْلِمَةُ فَكَانَ الْقَائِمَ عَلَيْهِ حَتَّى قَتَلَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فَقَامَ مَقَامَ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ السِّوَارَ وَسَائِرَ آلَاتِ أَنْوَاعِ الْحُلِيِّ اللَّائِقَةِ بِالنِّسَاءِ تَعْبر لِلرِّجَالِ بِمَا يَسُوءُهُمْ وَلَا يَسُرُّهُمْ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ التَّعْبِيرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
٤٣٧٦ - حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: سَمِعْتُ مَهْدِيَّ بْنَ مَيْمُونٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيَّ يَقُولُ: كُنَّا نَعْبُدُ الْحَجَرَ، فَإِذَا وَجَدْنَا حَجَرًا هُوَ أَخْيَرُ مِنْهُ أَلْقَيْنَاهُ وَأَخَذْنَا الْآخَرَ، فَإِذَا لَمْ نَجِدْ حَجَرًا جَمَعْنَا جُثْوَةً مِنْ تُرَابٍ، ثُمَّ جِئْنَا بِالشَّاةِ فَحَلَبْنَاهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُفْنَا بِهِ، فَإِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَجَبٍ قُلْنَا مُنَصِّلُ الْأَسِنَّةِ فَلَا نَدَعُ رُمْحًا فِيهِ حَدِيدَةٌ وَلَا سَهْمًا فِيهِ حَدِيدَةٌ إِلَّا نَزَعْنَاهُ، وَأَلْقَيْنَاهُ شَهْرَ رَجَبٍ.
-
٤٣٧٧ - وَسَمِعْتُ أَبَا رَجَاءٍ يَقُولُ: كُنْتُ يَوْمَ بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ غُلَامًا أَرْعَى الْإِبِلَ عَلَى أَهْلِي، فَلَمَّا سَمِعْنَا بِخُرُوجِهِ فَرَرْنَا إِلَى النَّارِ إِلَى مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ.
- الْحَدِيثُ الرَّابِعُ:
-
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ) أَيِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخَارِكِيُّ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ يُكْنَى أَبَا هَمَّامٍ،
vol. 9, p. 91بَصْرِيٌّ ثِقَةٌ، أَكْثَرَ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ.
-
قَوْلُهُ: (هُوَ أَخْيَرُ مِنْهُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَحْسَنُ بَدَلَ أَخْيَرَ، وَأَخْيَرُ لُغَةٌ فِي خَيْرٍ. وَالْمُرَادُ بِالْخَيْرِيَّةِ الْحِسِّيَّةِ مِنْ كَوْنِهِ أَشَدَّ بَيَاضًا أَوْ نُعُومَةً أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْحِجَارَةِ الْمُسْتَحْسَنَةِ.
-
قَوْلُهُ: (جُثْوَةً مِنْ تُرَابٍ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ هُوَ الْقِطْعَةُ مِنَ التُّرَابِ تُجْمَعُ فَتَصِيرُ كَوْمًا وَجَمْعُهَا الْجُثَا.
-
قَوْلُهُ: (ثُمَّ جِئْنَا بِالشَّاةِ نَحْلُبُهَا عَلَيْهِ) أَيْ لِتَصِيرَ نَظِيرَ الْحَجَرِ، وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ بِحَلَبِهِمُ الشَّاةَ عَلَى التُّرَابِ مَجَازُ ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَتَقَرَّبُونَ إِلَيْهِ بِالتَّصَدُّقِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ اللَّبَنِ.
-
قَوْلُهُ: (مُنْصِلُ) بِسُكُونِ النُّونِ وَكَسْرِ الصَّادِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِفَتْحِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ، وَقَدْ فَسَّرَهُ بِنَزْعِ الْحَدِيدِ مِنَ السِّلَاحِ لِأَجْلِ شَهْرِ رَجَبٍ إِشَارَةً إِلَى تَرْكِهِمُ الْقِتَالَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَنْزِعُونَ الْحَدِيدَ مِنَ السِّلَاحِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، وَيُقَالُ: نَصَلْتُ الرُّمْحَ إِذَا جَعَلْتُ لَهُ نَصْلًا، وَأَنْصَلْتُهُ إِذَا نَزَعْتُ مِنْهُ النَّصْلَ.
-
قَوْلُهُ: (وَأَلْقَيْنَاهُ شَهْرَ رَجَبٍ) بِالْفَتْحِ أَيْ فِي شَهْرِ رَجَبٍ. وَلِبَعْضِهِمْ لِشَهْرِ رَجَبٍ أَيْ لِأَجْلِ شَهْرِ رَجَبٍ. وَأَخْرَجَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي أَخْبَارِ الْبَصْرَةِ فِي ذِكْرِ وَقْعَةِ الْجَمَلِ هَذَا الْخَبَرَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ أَنَّهُ ذَكَرَ الدِّمَاءَ فَعَظَّمَهَا وَقَالَ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا دَخَلَ الشَّهْرُ الْحَرَامُ نَزَعَ أَحَدُهُمْ سِنَانَهُ مِنْ رُمْحِهِ، وَجَعَلَهَا فِي عُلُومِ النِّسَاءِ (١) وَيَقُولُونَ: جَاءَ مُنَصِّلُ الْأَسِنَّةِ، ثُمَّ وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ هَوْدَجَ عَائِشَةَ يَوْمَ الْجَمَلِ كَأَنَّهُ قُنْفُذٌ، فَقِيلَ لَهُ: قَاتَلْتَ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: لَقَدْ رَمَيْتُ بَأَسْهُمٍ. فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ ذَلِكَ وَأَنْتَ تَقُولُ مَا تَقُولُ؟ فَقَالَ: مَا كَانَ إِلَّا أَنْ رَأَيْنَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، فَمَا تَمَالَكْنَا.
-
قَوْلُهُ: (وَسَمِعْتُ أَبَا رَجَاءٍ يَقُولُ) هُوَ حَدِيثٌ آخَرُ مُتَّصِلٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ.
-
قَوْلُهُ: (كُنْتُ يَوْمَ بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ غُلَامًا أَرْعَى الْإِبِلَ عَلَى أَهْلِي، فَلَمَّا سَمِعْنَا بِخُرُوجِهِ فَرَرْنَا إِلَى النَّارِ، إِلَى مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ) الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مُرَادَهُ بِقَوْلِهِ: بُعِثَ أَيِ اشْتُهِرَ أَمْرُهُ عِنْدَهُمْ، وَمُرَادُهُ بِخُرُوجِهِ أَيْ ظُهُورِهِ عَلَى قَوْمِهِ مِنْ قُرَيْشٍ بِفَتْحِ مَكَّةَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مَبْدَأَ ظُهُورِهِ بِالنُّبُوَّةِ وَلَا خُرُوجَهُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ لِطُولِ الْمُدَّةِ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ خُرُوجِ مُسَيْلِمَةَ. وَدَلَّتِ الْقِصَّةُ عَلَى أَنَّ أَبَا رَجَاءٍ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ بَايَعَ مُسَيْلِمَةَ مِنْ قَوْمِهِ بَنِي عُطَارِدِ بْنِ عَوْفِ بْنِ كَعْبٍ بَطْنٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ سَجَاحًا بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ وَآخِرُهُ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ، وَهِيَ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ ادَّعَتِ النُّبُوَّةَ أَيْضًا فَتَابَعَهَا جَمَاعَةٌ مِنْ قَوْمِهَا، ثُمَّ بَلَغَهَا أَمْرُ مُسَيْلِمَةَ فَخَادَعَهَا إِلَى أَنْ تَزَوَّجَهَا وَاجْتَمَعَ قَوْمُهَا وَقَوْمُهُ عَلَى طَاعَةِ مُسَيْلِمَةَ.