٩ - سورة براءة

206 paragraphs · vol. 9, p. 313

Page 2 of 6

  1. قَوْلُهُ: (بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ) فِي رِوَايَةِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهَا قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ أَمِيرًا عَلَى الْحَجِّ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُقِيمَ لِلنَّاسِ حَجَّهُمْ، فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ.

    vol. 9, p. 318
  2. قَوْلُهُ: (يُؤَذِّنُونَ بِمِنًى أَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ عَنْ عَمِّهِ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ فِي مُؤَذِّنِينَ أَيْ فِي جَمَاعَةِ مُؤَذِّنِينَ، وَالْمُرَادُ بِالتَّأْذِينِ الْإِعْلَامُ، وَهُوَ اقْتِبَاسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أَيْ إِعْلَامٌ. وَقَدْ وَقَفْتُ مِمَّنْ سُمِّيَ مِمَّنْ كَانَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ عَلَى أَسْمَاءِ جَمَاعَةٍ، مِنْهُمْ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فِيمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى ضَجْنَانَ أَتْبَعَهُ عَلِيًّا. وَمِنْهُمْ جَابِرٌ رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ أَبَا بَكْرٍ عَلَى الْحَجِّ فَأَقْبَلْنَا مَعَهُ.

  3. قَوْلُهُ: (أَنْ لَا يَحُجَّ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَإِدْغَامِ النُّونِ فِي اللَّامِ، قَالَ الطَّحَاوِيُّ فِي مُشْكِلِ الْآثَارِ هَذَا مُشْكِلٌ، لِأَنَّ الْأَخْبَارَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ بَعَثَ أَبَا بَكْرٍ بِذَلِكَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ عَلِيًّا فَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ، فَكَيْفَ يَبْعَثُ أَبُو بَكْرٍ، أَبَا هُرَيْرَةَ وَمَنْ مَعَهُ لِلتَّأْذِينِ مَعَ صَرْفِ الْأَمْرِ عَنْهُ فِي ذَلِكَ إِلَى أَعْلَى؟ ثُمَّ أَجَابَ بِمَا حَاصِلُهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ الْأَمِيرَ عَلَى النَّاسِ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ بِلَا خِلَافٍ، وَكَانَ عَلِيٌّ هُوَ الْمَأْمُورُ بِالتَّأْذِينِ بِذَلِكَ، وَكَأَنَّ عَلِيًّا لَمْ يُطِقِ التَّأْذِينَ بِذَلِكَ وَحْدَهُ وَاحْتَاجَ إِلَى مَنْ يُعِينُهُ عَلَى ذَلِكَ فَأَرْسَلَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ، أَبَا هُرَيْرَةَ وَغَيْرَهُ لِيُسَاعِدُوهُ عَلَى ذَلِكَ. ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيقِ الْمُحَرِّرِ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كُنْتُ مَعَ عَلِيٍّ حِينَ بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِبَرَاءَةٍ إِلَى أَهْلِ مَكَّةِ، فَكُنْتُ أُنَادِي مَعَهُ بِذَلِكَ حَتَّى يَصْحَلَ صَوْتِي، وَكَانَ هُوَ يُنَادِي قَبْلِي حَتَّى يُعْيِيَ وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ أَيْضًا وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَرِّرِ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ مُبَاشَرَةَ أَبِي هُرَيْرَةَ لِذَلِكَ كَانَتْ بِأَمْرِ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ يُنَادِي بِمَا يُلْقِيهِ إِلَيْهِ عَلِيٌّ مِمَّا أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ.

  4. قَوْلُهُ: (بَعْدَ الْعَامِ) أَيْ بَعْدَ الزَّمَانِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْإِعْلَامُ بِذَلِكَ.

  5. قَوْلُهُ: (وَلَا يَطُوفَ) بِفَتْحِ الْفَاءِ عَطْفًا عَلَى الْحَجِّ.

  6. قَوْلُهُ: (قَالَ حُمَيْدٌ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ (ثُمَّ أَرْدَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَلِيٍّ وَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةٍ) هَذَا الْقَدرُ مِنَ الْحَدِيثِ مُرْسَلٌ، لِأَنَّ حُمَيْدًا لَمْ يُدْرِكْ ذَلِكَ وَلَا صَرَّحَ بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، لَكِنْ قَدْ ثَبَتَ إِرْسَالُ عَلِيٍّ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ: فَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ بِبَرَاءَةٍ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ وَبَعَثَهُ عَلَى الْمَوْسِمِ، ثُمَّ بَعَثَنِي فِي أَثَرِهِ، فَأَدْرَكْتُهُ فَأَخَذْتُهَا مِنْهُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا لِي؟ قَالَ: خَيْرٌ، أَنْتَ صَاحِبِي فِي الْغَارِ وَصَاحِبِي عَلَى الْحَوْضِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُبَلِّغُ عَنِّي غَيْرِي، أَوْ رَجُلٌ مِنِّي، وَمِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مِثْلَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ الْعُمَرِيِّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ كَذَلِكَ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ مُطَوَّلًا وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ نَحْوَهُ لَكِنْ قَالَ: فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّهُ لَنْ يُؤَدِّيَهَا عَنْكَ إِلَّا أَنْتَ أَوْ رَجُلٌ مِنْكَ وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَأَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ بَرَاءَةً مَعَ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ دَعَا عَلِيًّا فَأَعْطَاهَا إِيَّاهُ وَقَالَ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُبَلِّغَ هَذَا إِلَّا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِي، وَهَذَا يُوَضِّحُ قَوْلَهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ لَا

    vol. 9, p. 319يُبَلِّغُ عَنِّي وَيُعْرَفُ مِنْهُ أَنَّ الْمُرَادَ خُصُوصُ الْقِصَّةِ الْمَذْكُورَةِ لَا مُطْلَقُ التَّبْلِيغِ، وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ

    زَيْدِ بْنِ يُثَيْعٍ قَالَ سَأَلْتُ عَلِيًّا بِأَيِّ شَيْءٍ بُعِثْتَ؟ قَالَ بِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَلَا يَجْتَمِعُ مُسْلِمٌ مَعَ مُشْرِكٍ فِي الْحَجِّ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا، وَمَنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ فَعَهْدُهُ إِلَى مُدَّتِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ فَأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْكَلَامِ الْأَخِيرِ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ يَخْتَصُّ بِمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ مُؤَقَّتٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ أَصْلًا، وَأَمَّا مَنْ لَهُ عَهْدٌ مُؤَقَّتٌ فَهُوَ إِلَى مُدَّتِهِ، فَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: هُمْ صِنْفَانِ، صِنْفٌ كَانَ لَهُ عَهْدٌ دُونَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَأُمْهِلَ إِلَى تَمَامِ أَربَعَةِ أَشْهُرٍ، وَصِنْفٌ كَانَتْ لَهُ عَهْدُهُ بِغَيْرِ أَجَلٍ فَقُصِرَتْ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ. وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْأَرْبَعَةَ الْأَشْهُرَ أَجَلُ مَنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ بِقَدْرِهَا أَوْ يَزِيدُ عَلَيْهَا، وَأَمَّا مَنْ لَيْسَ لَهُ عَهْدٌ فَانْقِضَاؤُهُ إِلَى سَلْخِ الْمُحَرَّمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ وَمِنْ طَرِيقِ عَبِيدَةَ بْنِ سَلْمَانَ سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَاهَدَ نَاسًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَغَيْرِهِمْ، فَنَزَلَتْ بَرَاءَةٌ، فَنَبَذَ إِلَى كُلِّ أَحَدٍ عَهْدَهُ وَأَجَّلَهُمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ فَأَجَلُهُ انْقِضَاءُ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ. وَمِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ. وَمِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَانَ أَوَّلُ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ عِنْدَ نُزُولِ بَرَاءَةٍ فِي شَوَّالٍ، فَكَانَ آخِرُهَا آخَرَ الْمُحَرَّمِ.

  7. فَبِذَلِكَ يُجْمَعُ بَيْنَ ذِكْرِ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ وَاسْتَبْعَدَ الطَّبَرِيُّ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ إِنَّ بُلُوغَهُمُ الْخَبَرَ إِنَّمَا كَانَ عِنْدَمَا وَقَعَ النِّدَاءُ بِهِ فِي ذِي الْحِجَّةِ، فَكَيْفَ يُقَالُ لَهُمْ سِيحُوا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا دُونَ الشَّهْرَيْنِ؟ ثُمَّ أُسْنِدَ عَنِ السُّدِّيِّ وَغَيْرِ وَاحِدٍ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ تَمَامَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ.

  8. قَوْلُهُ: (أَنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةٍ) يَجُوزُ فِيهِ التَّنْوِينُ بِالرَّفْعِ عَلَى الْحِكَايَةِ وَبِالْجَرِّ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَامَةُ الْجَرِّ فَتْحَةً وَهُوَ الثَّابِتُ فِي الرِّوَايَاتِ.

  9. قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَأَذَّنَ مَعَنَا عَلِيٌّ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَحْدَهُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَأَذَّنَ مَعَنَا وَهُوَ غَلَطٌ فَاحِشٌ مُخَالِفٌ لِرِوَايَةِ الْجَمِيعِ، وَإِنَّمَا هُوَ كَلَامُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَطْعًا، فَهُوَ الَّذِي كَانَ يُؤَذِّنُ بِذَلِكَ. وَذَكَرَ عِيَاضٌ أَنَّ أَكْثَرَ رُوَاةِ الْفَرَبْرِيِّ وَافَقُوا الْكُشْمِيهَنِيَّ، قَالَ: وَهُوَ غَلَطٌ.

  10. قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَأَذَّنَ مَعَنَا عَلِيٌّ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَكَأَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَمَلَ قِصَّةَ تَوَجُّهِ عَلِيٍّ مِنْ الْمَدِينَةِ إِلَى أَنْ لَحِقَ أَبَا بَكْرٍ عَنْ غَيْرِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَحَمَلَ بَقِيَّةَ الْقِصَّةِ كُلَّهَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

  11. وَقَوْلُهُ: (فَأَذَّنَ مَعَنَا عَلِيٌّ فِي أَهْلِ مِنًى يَوْمَ النَّحْرِ إِلَخْ) قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: فِيهِ إِشْكَالٌ، لِأَنَّ عَلِيًّا كَانَ مَأْمُورًا بِأَنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةٍ، فَكَيْفَ يُؤَذِّنُ بِأَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ؟ ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّهُ أَذَّنَ بِبَرَاءَةٍ وَمِنْ جُمْلَةِ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى فِيهَا: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أُمِرَ أَنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةٍ وَبِمَا أُمِرَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يُؤَذِّنَ بِهِ أَيْضًا. قُلْتُ: وَفِي قَوْلِهِ يُؤَذِّنُ بِبَرَاءَةٍ تَجَوُّزٌ، لِأَنَّهُ أُمِرَ أَنْ يُؤَذِّنَ بِبِضْعٍ وَثَلَاثِينَ آيَةً مُنْتَهَاهَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ فَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وَغَيْرِهِ قَالَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ أَمِيرًا عَلَى الْحَجِّ سَنَةَ تِسْعٍ، وَبَعَثَ عَلِيًّا بِثَلَاثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً مِنْ بَرَاءَةٍ وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الصَّهْبَاءِ قَالَ: سَأَلْتُ عَلِيًّا عَنْ يَوْمِ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ أَبَا بَكْرٍ يُقِيمُ لِلنَّاسِ الْحَجَّ، وَبَعَثَنِي بَعْدَهُ بِأَرْبَعِينَ آيَةً مِنْ بَرَاءَةٍ، حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ فَخَطَبَ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ: يَا عَلِيُّ قُمْ فَأَدِّ رِسَالَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُمْتُ فَقَرَأْتُ أَرْبَعِينَ آيَةً مِنْ أَوَّلِ بَرَاءَةٍ، ثُمَّ صَدَرْنَا حَتَّى رَمَيْتُ الْجَمْرَةَ، فَطَفِقْتُ

    vol. 9, p. 320أَتَتَبَّعُ بِهَا الْفَسَاطِيطَ أَقْرَؤُهَا عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ الْجَمِيعَ لَمْ يَكُونُوا حَضَرُوا خُطْبَةَ أَبِي بَكْرٍ يَوْمَ عَرَفَةَ.

  12. قَوْلُهُ: (وَأَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ) هُوَ مُنْتَزَعٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ وَالْآيَةُ صَرِيحَةٌ فِي مَنْعِهِمْ دُخُولَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَلَوْ لَمْ يَقْصِدُوا الْحَجَّ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ الْحَجُّ هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ صَرَّحَ لَهُمْ بِالْمَنْعِ مِنْهُ فَيَكُونُ مَا وَرَاءَهُ أَوْلَى بِالْمَنْعِ، وَالْمُرَادُ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ هُنَا الْحَرَمُ كُلُّهُ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ فِيمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَإِسْحَاقُ فِي مُسْنَدِهِ، النَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ كِلَاهُمَا عَنْهُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ رَجَعَ مِنْ عُمْرَةِ الْجِعِرَّانَةِ بَعَثَ أَبَا بَكْرٍ عَلَى الْحَجِّ، فَأَقْبَلْنَا مَعَهُ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْعَرْجِ ثَوَّبَ بِالصُّبْحِ، فَسَمِعَ رَغْوَةَ نَاقَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَإِذَا عَلِيٌّ عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ: أَمِيرٌ أَوْ رَسُولٌ؟ فَقَالَ: بَلْ أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبَرَاءَةٍ أَقْرَؤُهَا عَلَى النَّاسِ، فَقَدِمْنَا مَكَّةَ، فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ يَوْمِ التَّرَوِّيَةِ بِيَوْمٍ قَامَ أَبُو بَكْرٍ فَخَطَبَ النَّاسَ بِمَنَاسِكِهِمْ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ قَامَ عَلِيٌّ فَقَرَأَ عَلَى النَّاسِ بَرَاءَةً حَتَّى خَتَمَهَا، ثُمَّ كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ كَذَلِكَ، ثُمَّ يَوْمُ النَّفَرِ كَذَلِكَ فَيُجْمَعُ بِأَنَّ عَلِيًّا قَرَأَهَا كُلَّهَا فِي الْمَوَاطِنِ الثَّلَاثَةِ، وَأَمَّا فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ فَكَانَ يُؤَذِّنُ بِالْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ أَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ إِلَخْ، وَكَانَ يَسْتَعِينُ بِأَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ فِي

    الْأَذَانِ بِذَلِكَ، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ أَبَا بَكْرٍ الْحَدِيثَ وَفِيهِ فَقَامَ عَلِيٌّ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ فَنَادَى: ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ بَرِيئَةٌ مِنْ كُلِّ مُشْرِكٍ، ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ وَلَا يَحُجَّنَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَنَّ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ، فَكَانَ عَلِيٌّ يُنَادِي بِهَا، فَإِذَا بُحَّ قَامَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَنَادَى بِهَا. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ بِبَرَاءَةٍ مَعَ أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَا الْحُلَيْفَةِ قَالَ: لَا يُبَلِّغُهَا إِلَّا أَنَا أَوْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، فَبَعَثَ بِهَا مَعَ عَلِيٍّ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ يَعْلَى عِنْدَ أَحْمَدَ: لَمَّا نَزَلَتْ عَشْرُ آيَاتٍ مِنْ بَرَاءَةٍ بَعَثَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ مَعَ أَبِي بَكْرٍ لِيَقْرَأَهَا عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ، ثُمَّ دَعَانِي فَقَالَ: أَدْرِكْ أَبَا بَكْرٍ فَحَيْثُمَا لَقِيتَهُ فَخُذْ مِنْهُ الْكِتَابَ، فَرَجَعَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَزَلَ فِيَّ شَيْءٌ؟ فَقَالَ: لَا، إِلَّا أَنَّهُ لَنْ يُؤَدِّيَ - أَوْ لَكِنَّ جِبْرِيلَ قَالَ: لَا يُؤَدِّي - عَنْكَ إِلَّا أَنْتَ أَوْ رَجُلٌ مِنْكَ، قَالَ الْعِمَادُ بْنُ كَثِيرٍ: لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجَعَ مِنْ فَوْرِهِ، بَلِ الْمُرَادُ رَجَعَ مِنْ حَجَّتِهِ، قُلْتُ: وَلَا مَانِعَ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ لِقُرْبِ الْمَسَافَةِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ عَشْرُ آيَاتٍ فَالْمُرَادُ أَوَّلُهَا: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾

  13. ٤ - بَاب: ﴿إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾

  14. ٤٦٥٧ - حَدَّثَني إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رضي الله عنه بَعَثَهُ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهَا قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي رَهْطٍ يُؤَذِّنُ فِي النَّاسِ أَنْ لَا يَحُجَّنَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، فَكَانَ حُمَيْدٌ يَقُولُ: يَوْمُ النَّحْرِ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، مِنْ أَجْلِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.

  15. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ) هُوَ ابْنُ مَنْصُورٍ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمِزِّيُّ، وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَيِ ابْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَصَالِحٌ هُوَ ابْنُ كَيْسَانَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ مِنْ رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنِ

    vol. 9, p. 321ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ، فَلَهُ فِيهِ طَرِيقَانِ، وَسِيَاقُهُ عَنِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ مُوَافِقٌ لِسِيَاقِ عُقَيْلٍ، وَأَمَّا رِوَايَةُ صَالِحٍ فَوَقَعَ فِي آخِرِهَا فَكَانَ حُمَيْدٌ يَقُولُ: يَوْمُ النَّحْرِ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، مِنْ أَجْلِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ قَدْ أَدْرَجَهَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْجِزْيَةِ، وَلَفْظُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ فِيمَنْ يُؤَذِّنُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى: لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَيَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ، وَإِنَّمَا قِيلَ الْأَكْبَرُ مِنْ أَجْلِ قَوْلِ النَّاسِ الْحَجِّ الْأَصْغَرِ، فَنَبَذَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى النَّاسِ فِي ذَلِكَ الْعَامِ فَلَمْ يَحُجَّ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ الَّتِي حَجَّ فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ مُشْرِكٌ انْتَهَى وَقَوْلُهُ وَيَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ هُوَ قَوْلُ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ اسْتَنْبَطَهُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ وَمِنْ مُنَادَاةِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِذَلِكَ بِأَمْرِ أَبِي بَكْرٍ يَوْمَ النَّحْرِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِيَوْمِ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ، وَسِيَاقُ رِوَايَةِ شُعَيْبٍ يُوهِمُ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا نَادَى بِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ تَضَافَرَتِ الرِّوَايَاتُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِأَنَّ الَّذِي كَانَ يُنَادِي بِهِ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ

    مِنْ قِبَلِ أَبِي بَكْرٍ شَيْئَانِ: مَنْعُ حَجِّ الْمُشْرِكِينَ، وَمَنْعُ طَوَافِ الْعُرْيَانِ، وَأَنَّ عَلِيًّا أَيْضًا كَانَ يُنَادِي بِهِمَا، وَكَانَ يَزِيدُ: مَنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ فَعَهْدُهُ إِلَى مُدَّتِهِ، وَأَنْ لَا يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مُسْلِمٌ. وَكَأَنَّ هَذِهِ الْأَخِيرَةَ كَالتَّوْطِئَةِ لِأَنْ لَا يَحُجَّ الْبَيْتَ مُشْرِكٌ، وَأَمَّا الَّتِي قَبْلَهَا فَهِيَ الَّتِي اخْتُصَّ عَلِيٌّ بِتَبْلِيغِهَا، وَلِهَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ: إِنَّ الْحِكْمَةَ فِي إِرْسَالِ عَلِيٍّ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ عَادَةَ الْعَرَبِ جَرَتْ بِأَنْ لَا يَنْقُضَ الْعَهْدَ إِلَّا مَنْ عَقَدَهُ أَوْ مَنْ هُوَ مِنْهُ بِسَبِيلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَأَجْرَاهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى عَادَتِهِمْ، وَلِهَذَا قَالَ: لَا يُبَلِّغُ عَنِّي إِلَّا أَنَا أَوْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، وَرَوَى أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَرِّرِ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَلِيٍّ حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَكَّةَ بِبَرَاءَةٍ، فَكُنَّا نُنَادِي أَنْ لَا يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ فَأَجَلُهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، فَإِذَا مَضَتْ فَإِنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولَهُ، وَلَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، فَكُنْتُ أُنَادِي حَتَّى صَحِلَ صَوْتِي وَقَوْلُهُ: وَإِنَّمَا قِيلَ الْأَكْبَرِ إِلَخْ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَأَصْلُهُ فِي هَذَا الصَّحِيحِ رَفْعُهُ أَيْ يَوْمُ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا يَوْمُ النَّحْرِ، قَالَ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْحَجِّ الْأَصْغَرِ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ الْعُمْرَةَ، وَصَلَ ذَلِكَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ أَحَدُ كِبَارِ التَّابِعِينَ،

    وَوَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ عَطَاءٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ: الْحَجُّ الْأَكْبَرُ الْقِرَانُ وَالْأَصْغَرُ الْإِفْرَادُ. وَقِيلَ: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَصْغَرِ يَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ لِأَنَّ فِيهِ تَتَكَمَّلُ بَقِيَّةُ الْمَنَاسِكِ. وَعَنِ الثَّوْرِيِّ: أَيَّامُ الْحَجِّ تُسَمَّى يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ كَمَا يُقَالُ يَوْمُ الْفَتْحِ. وَأَيَّدَهُ السُّهَيْلِيُّ بِأَنَّ عَلِيًّا أَمَرَ بِذَلِكَ فِي الْأَيَّامِ كُلِّهَا. وَقِيلَ لِأَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَقِفُ بِالْمُزْدَلِفَةِ، فَإِذَا كَانَتْ صَبِيحَةُ النَّحْرِ وَقَفَ الْجَمِيعُ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَقِيلَ لَهُ الْأَكْبَرُ لِاجْتِمَاعِ الْكُلِّ فِيهِ، وَعَنِ الْحَسَنِ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِاتِّفَاقِ حَجِّ جَمِيعِ الْمِلَلِ فِيهِ: وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي جُحَيْفَةَ وَغَيْرِهِ: أَنَّ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ يَوْمُ عَرَفَةَ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ النَّحْرُ. وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْيَوْمَ التَّاسِعَ وَهُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ إِذَا انْسَلَخَ قَبْلَ الْوُقُوفِ لَمْ يَفُتِ الْحَجُّ بِخِلَافِ الْعَاشِرِ فَإِنَّ اللَّيْلَ إِذَا انْسَلَخَ قَبْلَ الْوُقُوفِ فَاتَ.

  16. وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ، وَرَجَّحَ الْمَوْقُوفَ، وَقَوْلُهُ فَنَبَذَ أَبُو بَكْرٍ إِلَخْ وَهُوَ أَيْضًا مُرْسَلٌ مِنْ قَوْلِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَفْصَحَ لَهُمْ بِذَلِكَ، وَقِيلَ: إِنَّمَا لَمْ يَقْتَصِرِ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى تَبْلِيغِ أَبِي بَكْرٍ عَنْهُ بِبَرَاءَةٍ لِأَنَّهَا تَضَمَّنَتْ مَدْحَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرَادَ أَنْ يَسْمَعُوهَا مِنْ غَيْرِ أَبِي بَكْرٍ، وَهَذِهِ غَفْلَةٌ مِنْ قَائِلِهِ حَمَلَهُ عَلَيْهَا ظَنُّهُ أَنَّ الْمُرَادَ تَبْلِيغُ بَرَاءَةٍ كُلِّهَا، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ

    vol. 9, p. 322لِمَا قَدَّمْنَاهُ، وَإِنَّمَا أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ مِنْهَا أَوَائِلِهَا فَقَطْ، وَقَدْ قَدَّمْتُ حَدِيثَ جَابِرٍ وَفِيهِ أَنَّ عَلِيًّا قَرَأَهَا حَتَّى خَتَمَهَا وَطَرِيقُ الْجَمْعِ فِيهِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ حَجَّةَ أَبِي بَكْرٍ كَانَتْ فِي ذِي الْحِجَّةِ عَلَى خِلَافِ الْمَنْقُولِ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، وَقَدْ قَدَّمْتُ النَّقْلَ عَنْهُمَا بِذَلِكَ فِي الْمَغَازِي، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ يَوْمَ النَّحْرِ وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّ قَوْلَ مُجَاهِدٍ إِنْ ثَبَتَ فَالْمُرَادُ بِيَوْمِ النَّحْرِ الَّذِي هُوَ صَبِيحَةُ يَوْمِ الْوُقُوفِ سَوَاءً كَانَ الْوُقُوفُ وَقَعَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ أَوْ فِي ذِي الْحِجَّةِ.

  17. نَعَمْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ كَانُوا يَجْعَلُونَ عَامًا شَهْرًا وَعَامًا شَهْرَيْنِ يَعْنِي يَحُجُّونَ فِي شَهْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ فِي سَنَتَيْنِ ثُمَّ يَحُجُّونَ فِي الثَّالِثِ فِي شَهْرٍ آخَرَ غَيْرِهِ، قَالَ: فَلَا يَقَعُ الْحَجُّ فِي أَيَّامِ الْحَجِّ إِلَّا فِي كُلِّ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، فَلَمَّا كَانَ حَجُّ أَبِي بَكْرٍ وَافَقَ ذَلِكَ الْعَامَ شَهْرَ الْحَجِّ فَسَمَّاهُ اللَّهُ الْحَجَّ الْأَكْبَرَ.

  18. (تَنْبِيهٌ)

  19. اتَّفَقَتِ الرِّوَايَاتُ عَلَى أَنَّ حَجَّةَ أَبِي بَكْرٍ كَانَتْ سَنَةَ تِسْعٍ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثٍ لِعَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قَالَ لَمَّا كَانَ زَمَنُ خَيْبَرَ اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْجِعِرَّانَةِ. ثُمَّ أَمَّرَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ عَلَى تِلْكَ الْحَجَّةِ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةٍ، ثُمَّ أَتْبَعَ النَّبِيُّ ﷺ عَلِيًّا، الْحَدِيثَ. قَالَ الشَّيْخُ عِمَادُ الدِّينِ بْنُ كَثِيرٍ: هَذَا فِيهِ غَرَابَةٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْأَمِيرَ فِي سَنَةِ عُمْرَةِ الْجِعِرَّانَةِ كَانَ عَتَّابُ بْنُ أَسِيدٍ، وَأَمَّا حَجَّةُ أَبِي بَكْرٍ فَكَانَتْ سَنَةَ تِسْعٍ، قُلْتُ: يُمْكِنُ رَفْعُ الْإِشْكَالِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ ثُمَّ أَمَّرَ أَبَا بَكْرٍ يَعْنِي بَعْدَ أَنْ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَطَوَى ذَلِكَ مَنْ وَلِيَ الْحَجَّ سَنَةَ ثَمَانٍ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا رَجَعَ مِنَ الْعُمْرَةِ إِلَى الْجِعِرَّانَةِ فَأَصْبَحَ بِهَا تَوَجَّهَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، إِلَى أَنْ جَاءَ أَوَانُ الْحَجِّ فَأَمَّرَ أَبَا بَكْرٍ وَذَلِكَ سَنَةَ تِسْعٍ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ أَمَّرَ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يَحُجَّ فِي السَّنَةِ الَّتِي كَانَتْ فِيهَا عُمْرَةُ الْجِعِرَّانَةِ. وَقَوْلُهُ عَلَى تِلْكَ الْحَجَّةِ يُرِيدُ الْآتِيَةَ بَعْدَ رُجُوعِهِمْ إِلَى الْمَدِينَةِ.

  20. ٥ - بَاب: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾

  21. ٤٦٥٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ حُذَيْفَةَ فَقَالَ: مَا بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِ هَذِهِ الْآيَةِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ، وَلَا مِنْ الْمُنَافِقِينَ إِلَّا أَرْبَعَةٌ، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: إِنَّكُمْ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ تُخْبِرُوننَا فَلَا نَدْرِي، فَمَا بَالُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَبْقُرُونَ بُيُوتَنَا وَيَسْرِقُونَ أَعْلَاقَنَا؟ قَالَ: أُولَئِكَ الْفُسَّاقُ، أَجَلْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا أَرْبَعَةٌ، أَحَدُهُمْ شَيْخٌ كَبِيرٌ لَوْ شَرِبَ الْمَاءَ الْبَارِدَ لَمَا وَجَدَ بَرْدَهُ.

  22. ٦ - بَاب: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾

  23. ٤٦٥٩ - حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: يَكُونُ كَنْزُ أَحَدِكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ.

  24. قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ الْآيَةَ) .

  25. قَوْلُهُ: (يَكُونُ كَنْزُ أَحَدِكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ) كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَهُوَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي الْيَمَانِ، وَزَادَ يَفِرُّ مِنْهُ صَاحِبُهُ وَيَطْلُبُهُ، أَنَا كَنْزُكَ، فَلَا يَزَالُ بِهِ حَتَّى يُلْقِمَهُ إِصْبَعَهُ وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ شُعَيْبٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ مَعَ شَرْحِ الْحَدِيثِ.

  26. ٤٦٦٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: مَرَرْتُ عَلَى أَبِي ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ فَقُلْتُ: مَا أَنْزَلَكَ بِهَذِهِ الْأَرْضِ؟ قَالَ: كُنَّا بِالشَّامِ فَقَرَأْتُ: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ

    vol. 9, p. 323وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ قَالَ مُعَاوِيَةُ: مَا هَذِهِ فِينَا، مَا هَذِهِ إِلَّا فِي أَهْلِ الْكِتَابِ، قَالَ: قُلْتُ: إِنَّهَا لَفِينَا وَفِيهِمْ.

  27. قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ مِنْ أَيْمَانَ، أَيْ لَا عُهُودَ لَهُمْ، وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَهِيَ قِرَاءَةٌ شَاذَّةٌ، وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَغَيْرِهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ أَيْ لَا عَهْدَ لَهُمْ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ قِرَاءَةَ الْجُمْهُورِ.

  28. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ، وَإِسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ.

  29. قَوْلُهُ: (مَا بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِ هَذِهِ الْآيَةِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ) هَكَذَا وَقَعَ مُبْهَمًا وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ خَالِدٍ بِلَفْظِ مَا بَقِيَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ الْآيَةَ إِلَّا أَرْبَعَةَ نَفَرٍ، إِنَّ أَحَدَهُمْ لَشَيْخٌ كَبِيرٌ قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: إِنْ كَانَتِ الْآيَةُ مَا ذُكِرَ فِي خَبَرِ ابْنِ عُيَيْنَةَ فَحَقُّ هَذَا الْحَدِيثِ أَنْ يَخْرُجَ فِي سُورَةِ الْمُمْتَحَنَةِ انْتَهَى. وَقَدْ وَافَقَ الْبُخَارِيُّ - عَلَى إِخْرَاجِهَا عِنْدَ آيَةِ بَرَاءَةٍ - النَّسَائِيَّ، وَابْنَ مَرْدَوَيْهِ، فَأَخْرَجَاهُ مِنْ طُرُقٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، وَلَيْسَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُمْ تَعْيِينُ الْآيَةِ، وَانْفَرَدَ ابْنُ عُيَيْنَةَ بِتَعْيِينِهَا، إِلَّا أَنَّ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ خَالِدٍ الطَّحَّانِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ قَالَ إِسْمَاعِيلُ: يَعْنِي الَّذِينَ كَاتَبُوا الْمُشْرِكِينَ وَهَذَا يُقَوِّي رِوَايَةَ ابْنِ عُيَيْنَةَ، وَكَأَنَّ مُسْتَنَدَ مَنْ أَخْرَجَهَا فِي آيَةِ بَرَاءَةٍ مَا رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَبِيبِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ وَهْبٍ قَالَ كُنَّا عِنْدَ حُذَيْفَةَ فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ قَالَ: مَا قُوتِلَ أَهْلُ هَذِهِ الْآيَةِ بَعْدُ وَمِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْن وَهْبٍ نَحْوَهُ، وَالْمُرَادُ بِكَوْنِهِمْ لَمْ يُقَاتَلُوا أَنَّ قِتَالَهُمْ لَمْ يَقَعْ لِعَدَمِ وُقُوعِ الشَّرْطِ، لِأَنَّ لَفْظَ الْآيَةِ: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا﴾ فَلَمَّا لَمْ يَقَعْ مِنْهُمْ نَكْثٌ وَلَا طَعْنٌ لَمْ يُقَاتَلُوا. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: الْمُرَادُ بِأَئِمَّةِ الْكُفْرِ كُفَّارُ قُرَيْشٍ.

  30. وَمِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ قَالَ: أَئِمَّةُ الْكُفْرِ رُءُوسُ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ.

  31. قَوْلُهُ: (إِلَّا ثَلَاثَةٌ) سُمِّيَ مِنْهُمْ فِي رِوَايَةِ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَأَبُو سُفْيَانَ، وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ أَبَا جَهْلٍ، وَعُتْبَةَ قُتِلَا بِبَدْرٍ وَإِنَّمَا يَنْطَبِقُ التَّفْسِيرُ عَلَى مَنْ نَزَلَتِ الْآيَةُ الْمَذْكُورَةُ وَهُوَ حَيٌّ، فَيَصِحُّ فِي أَبِي سُفْيَانَ، وَسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو وَقَدْ أَسْلَمَا جَمِيعًا.

  32. قَوْلُهُ: (وَلَا مِنَ الْمُنَافِقِينَ إِلَّا أَرْبَعَةٌ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِمْ.

  33. قَوْلُهُ: (فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ.

  34. قَوْلُهُ: (إِنَّكُمْ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ ) بِنَصْبِ أَصْحَابٍ عَلَى النِّدَاءِ مَعَ حَذْفِ، الْأَدَاةِ أَوْ هُوَ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي إِنَّكُمْ.

  35. قَوْلُهُ: (تُخْبِرُونَنَا فَلَا نَدْرِي) كَذَا وَقَعَ، فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ تُخْبِرُونَنَا عَنْ أَشْيَاءَ.

  36. قَوْلُهُ: (يَبْقُرُونَ) بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ قَافٍ أَيْ يَنْقُبُونَ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَأَكْثَرُ مَا يَكُونُ النَّقْرُ فِي الْخَشَبِ وَالصُّخُورِ يَعْنِي بِالنُّونِ.

  37. قَوْلُهُ: (أَعَلَاقَنَا) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالْقَافِ أَيْ نَفَائِسَ أَمْوَالِنَا، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: وَجَدْتُهُ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ مَضْبُوطًا بَالِغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَلَا وَجْهَ لَهُ انْتَهَى. وَوُجِدَ فِي نُسْخَةِ الدِّمْيَاطِيِّ بِخَطِّهِ بَالِغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْضًا، ذَكَرَهُ شَيْخُنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ. وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ بِأَنَّ الْأَغْلَاقَ جَمْعُ غَلَقٍ بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ الْبَابُ الَّذِي يُغْلَقُ عَلَى الْبَيْتِ وَيُفْتَحُ بِالْمِفْتَاحِ، وَيُطْلَقُ الْغَلَقُ عَلَى الْحَدِيدَةِ الَّتِي تُجْعَلُ فِي الْبَابِ وَيُعْمَلُ فِيهَا الْقُفْلُ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ وَيَسْرِقُوا أَغْلَاقَنَا إِمَّا عَلَى الْحَقِيقَةِ فَإِنَّهُ إِذَا تَمَكَّنَ مِنْ سَرِقَةِ الْغَلَقِ تَوَصَّلَ إِلَى فَتْحِ الْبَابِ، أَوْ فِيهِ مَجَازُ الْحَذْفِ أَيْ يَسْرِقُونَ مَا فِي أَغْلَاقِنَا.

  38. قَوْلُهُ: (أُولَئِكَ الْفُسَّاقُ) أَيِ الَّذِينَ يَبْقُرُونَ وَيَسْرِقُونَ، لَا الْكُفَّارُ وَلَا الْمُنَافِقُونَ.

  39. قَوْلُهُ: (أَحَدُهُمْ شَيْخٌ كَبِيرٌ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِ.

  40. قَوْلُهُ: (لَوْ شَرِبَ

    vol. 9, p. 324الْمَاءَ الْبَارِدَ لَمَا وَجَدَ بَرْدَهُ) أَيْ لِذَهَابِ شَهْوَتِهِ وَفَسَادِ مَعِدَتِهِ، فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْأَلْوَانِ وَلَا الطُّعُومِ.