١١٠ - سورة (إذا جاء نصر الله).
22 paragraphs · vol. 9, p. 733
- vol. 9, p. 733
يُقَالُ: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ﴾ الْكُفْرُ ﴿وَلِيَ دِينِ﴾ الْإِسْلَامُ. وَلَمْ يَقُلْ: دِينِي لِأَنَّ الْآيَاتِ بِالنُّونِ فَحُذِفَتْ الْيَاءُ كَمَا قَالَ: ﴿يَهْدِينِ﴾ وَ ﴿يَشْفِينِ﴾ وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ الْآنَ وَلَا أُجِيبُكُمْ فِيمَا بَقِيَ مِنْ عُمُرِي ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ وَهُمْ الَّذِينَ قَالَ: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾
-
قَوْلُهُ: (سُورَةُ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) وَهِيَ سُورَةُ الْكَافِرِينَ، وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا: الْمُقَشْقِشَةُ أَيِ الْمُبَرِّئَةُ مِنَ النِّفَاقِ.
-
قَوْلُهُ: (يُقَالُ لَكُمْ دِينُكُمُ: الْكُفْرُ، وَلِيَ دِينِ: الْإِسْلَامُ. وَلَمْ يَقُلْ دِينِي لِأَنَّ الْآيَاتِ بِالنُّونِ فَحُذِفَتِ الْيَاءُ كَمَا قَالَ: يَهْدِينِ وَيَشْفِينِ) هُوَ كَلَامُ الْفَرَّاءِ بِلَفْظِهِ.
-
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ إِلَخْ) سَقَطَ وَقَالَ غَيْرُهُ لِأَبِي ذَرٍّ وَالصَّوَابُ إِثْبَاتُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَقِيَّةِ كَلَامِ الْفَرَّاءِ بَلْ هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ كَأَنَّهُمْ دَعَوْهُ إِلَى أَنْ يَعْبُدَ آلِهَتَهُمْ وَيَعْبُدُونَ إِلَهَهُ فَقَالَ: لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ، ﴿وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ الْآنَ، أَيْ لَا أَعْبُدُ الْآنَ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أُجِيبُكُمْ فِيمَا بَقِيَ أَنْ أَعْبُدَ مَا تَعْبُدُونَ وَتَعْبُدُونَ مَا أَعْبُدُ انْتَهَى.
-
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَتْ قُرَيْشٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ : كُفَّ عَنْ آلِهَتِنَا فَلَا تَذْكُرْهَا بِسُوءٍ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَاعْبُدْ آلِهَتَنَا سَنَةً وَنَعْبُدُ إِلَهَكَ سَنَةً، فَنَزَلَتْ وَفِي إِسْنَادِهِ أَبُو خَلَفٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
-
(تَنْبِيهٌ) لَمْ يُورِدْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا، وَيَدْخُلْ فِيهَا حَدِيثُ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ فِي رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَقَدْ أَلْزَمَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِذَلِكَ حَيْثُ قَالَ فِي تَفْسِيرِ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ لَمَّا أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ الْبَرَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ بِهَا فِي الْعِشَاءِ قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: لَيْسَ لِإِيرَادِ هَذَا مَعْنًى هُنَا، وَإِلَّا لَلَزِمَهُ أَنْ يُورِدَ كُلَّ حَدِيثٍ وَرَدَتْ فِيهِ قِرَاءَتُهُ لِسُورَةٍ مُسَمَّاةٍ فِي تَفْسِيرِ تِلْكَ السُّورَةِ.
-
١١٠ - سُورَةُ (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ) . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
١ - بَاب
٤٩٦٧ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: مَا صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةً بَعْدَ أَنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ إِلَّا يَقُولُ فِيهَا: سُبْحَانَكَ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي.
-
٢ - بَاب
٤٩٦٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ.
- vol. 9, p. 734
قَوْلُهُ: (سُورَةُ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ وَهِيَ سُورَةُ النَّصْرِ. (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) . سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ. وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ مِنَ الْقُرْآنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ بَرَاءَةٌ أَنَّهَا آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ. وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ آخِرِيَّةَ سُورَةِ النَّصْرِ نُزُولُهَا كَامِلَةً، بِخِلَافِ بَرَاءَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ، وَيُقَالُ: إِنَّ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ نَزَلَتْ يَوْمَ النَّحْرِ وَهُوَ بِمِنًى فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَقِيلَ: عَاشَ بَعْدَهَا أَحَدًا وَثَمَانِينَ يَوْمًا، وَلَيْسَ مُنَافِيًا لِلَّذِي قَبْلَهُ بِنَاءً عَلَى بَعْضِ الْأَقْوَالِ فِي وَقْتِ الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ. وَعِنْدَ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَاشَ بَعْدَهَا تِسْعَ لَيَالٍ وَعَنْ مُقَاتِلٍ: سَبْعًا، وَعَنْ بَعْضِهِمْ ثَلَاثًا، وَقِيلَ: ثَلَاثَ سَاعَاتٍ وَهُوَ بَاطِلٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ فِي كِتَابِ الْمَصَاحِفِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ إِذَا جَاءَ فَتْحُ اللَّهِ وَالنَّصْرُ.
-
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي مُوَاظَبَتِهِ ﷺ عَلَى التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَغَيْرِهِ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ. أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ، وَفِي الْأُولَى التَّصْرِيحُ بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ نُزُولِ السُّورَةِ. وَفِي الثَّانِيَةِ يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ يَجْعَلُ مَا أُمِرَ بِهِ مِنَ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالِاسْتِغْفَارِ فِي أَشْرَفِ الْأَوْقَاتِ وَالْأَحْوَالِ.
-
وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ فَزَادَ فِيهِ عَلَامَةٌ فِي أُمَّتِي أَمَرَنِي رَبِّي إِذَا رَأَيْتُهَا أُكْثِرُ مِنْ قَوْلِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، فَقَدْ رَأَيْتُ جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ، وَالْفَتْحُ: فَتْحُ مَكَّةَ، وَرَأَيْتُ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا. وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ: كَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ لِأَنَّهُ كَانَ يَجْعَلُ الِاسْتِغْفَارَ فِي خَوَاتِمِ الْأُمُورِ، فَيَقُولُ إِذَا سَلَّمَ مِنَ الصَّلَاةِ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ثَلَاثًا. وَإِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ قَالَ: غُفْرَانَكَ. وَوَرَدَ الْأَمْرُ بِالِاسْتِغْفَارِ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْمَنَاسِكِ ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ الْآيَةَ.
قُلْتُ: وَيُؤْخَذُ أَيْضًا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا فَقَدْ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْوُضُوءِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ.
-
٣ - بَاب قَوْلُهُ: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾
-
٤٩٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه سَأَلَهُمْ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ قَالُوا: فَتْحُ الْمَدَائِنِ وَالْقُصُورِ، قَالَ: مَا تَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ؟ قَالَ: أَجَلٌ أَوْ مَثَلٌ ضُرِبَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ نُعِيَتْ لَهُ نَفْسُهُ.
-
قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ سَأَلَهُمْ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ وَسَأَذْكُرُ شَرْحَهُ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ.
-
٤ - بَاب قَوْلُهُ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ تَوَّابٌ عَلَى الْعِبَادِ، وَالتَّوَّابُ مِنْ النَّاسِ التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ
٤٩٧٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ، فَكَأَنَّ بَعْضَهُمْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ فَقَالَ: لِمَ تُدْخِلُ هَذَا مَعَنَا وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ؟
vol. 9, p. 735فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّهُ مَنْ حَيْثُ عَلِمْتُمْ فَدَعَا ذَاتَ يَوْمٍ فَأَدْخَلَهُ مَعَهُمْ فَمَا رُئِيتُ أَنَّهُ دَعَانِي يَوْمَئِذٍ إِلَّا لِيُرِيَهُمْ. قَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أُمِرْنَا نَحْمَدُ اللَّهَ وَنَسْتَغْفِرُهُ إِذَا نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا، وَسَكَتَ بَعْضُهُمْ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا. فَقَالَ لِي: أَكَذَاكَ تَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ؟ فَقُلْتُ: لَا قَالَ: فَمَا تَقُولُ؟ قُلْتُ: هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمَهُ لَهُ قَالَ: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَذَلِكَ عَلَامَةُ أَجَلِكَ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَقُولُ.
-
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ تَوَّابٌ عَلَى الْعِبَادِ. وَالتَّوَّابُ مِنَ النَّاسِ التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ) هُوَ كَلَامُ الْفَرَّاءِ فِي مَوْضِعَيْنِ.
-
قَوْلُهُ: (كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ) أَيْ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَكَانَتْ عَادَةُ عُمَرَ إِذَا جَلَسَ لِلنَّاسِ أَنْ يَدْخُلُوا عَلَيْهِ عَلَى قَدْرِ مَنَازِلِهِمْ فِي السَّابِقَةِ، وَكَانَ رُبَّمَا أَدْخَلَ مَعَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ إِذَا كَانَ فِيهِ مَزِيَّةً تَجْبُرُ مَا فَاتَهُ مِنْ ذَلِكَ.
-
قَوْلُهُ: (فَكَأَنَّ بَعْضَهُمْ وَجَدَ) أَيْ غَضِبَ وَلَفْظُ وَجَدَ الْمَاضِي يُسْتَعْمَلُ بِالِاشْتِرَاكِ بِمَعْنَى الْغَضَبِ وَالْحُبِّ وَالْغِنَى وَاللِّقَاءِ، سَوَاءٌ كَانَ الَّذِي يُلْقَى ضَالَّةً أَوْ مَطْلُوبًا أَوْ إِنْسَانًا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
-
قَوْلُهُ: (لِمَ تُدْخِلُ هَذَا مَعَنَا، وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ) ؟ وَلِابْنِ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلَكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ كَانَ أُنَاسٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَجَدُوا عَلَى عُمَرَ فِي إِدْنَائِهِ ابْنَ عَبَّاسٍ وَفِي تَارِيخِ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ نَحْوُهُ، وَزَادَ وَكَانَ عُمَرُ أَمَرَهُ أَنْ لَا يَتَكَلَّمُ حَتَّى يَتَكَلَّمُوا، فَسَأَلَهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَلَمْ يُجِيبُوا. وَأَجَابَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَقَالَ عُمَرُ: أَعَجَزْتُمْ أَنْ تَكُونُوا مِثْلَ هَذَا الْغُلَامِ؟ ثُمَّ قَالَ: إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكَ أَنْ تَتَكَلَّمَ فَتَكَلَّمِ الْآنَ مَعَهُمْ.
-
وَهَذَا الْقَائِلُ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ هُنَا بِقَوْلِهِ بَعْضُهُمْ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ أَحَدُ الْعَشَرَةِ كَمَا وَقَعَ مُصَرَّحًا بِهِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ كَانَ عُمَرُ يُدْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: إِنَّ لَنَا أَبْنَاءً مِثْلَهُ وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ مِثْلَهُ أَيْ فِي مِثْلِ سِنِّهِ، لَا فِي مِثْلِ فَضْلِهِ وَقَرَابَتِهِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَكِنْ لَا أَعْرِفُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَلَدًا فِي مِثْلِ سِنِّ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَإِنَّ أَكْبَرَ أَوْلَادِهِ مُحَمَّدٌ وَبِهِ كَانَ يُكَنَّى، لَكِنَّهُ مَاتَ صَغِيرًا وَأَدْرَكَ عُمَرَ مِنْ أَوْلَادِهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ وُلِدَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ لَكِنَّهُ إِنْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يُدْرِكْ مِنَ الْحَيَاةِ النَّبَوِيَّةِ إِلَّا سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ. لِأَنَّ أَبَاهُ تَزَوَّجَ أُمَّهُ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ فَهُوَ أَصْغَرُ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِأَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ، فَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِالْمِثْلِيَّةِ غَيْرَ السِّنِّ، أَوْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ لَنَا مَنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فِي مِثْلِ سِنِّ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنَ الْبَدْرِيِّينَ إِذْ ذَاكَ غَيْرُ الْمُتَكَلِّمِ.
-
قَوْلُهُ: (فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّهُ مَنْ حَيْثُ عَلِمْتُمْ) فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ: إِنَّهُ مِمَّنْ عَلِمْتُمْ وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ إِنَّهُ مِنْ حَيْثُ نَعْلَمُ وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى قَرَابَتِهِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ إِلَى مَعْرِفَتِهِ وَفِطْنَتِهِ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قَالَ الْمُهَاجِرُونَ لِعُمَرَ: أَلَا تَدْعُو أَبْنَاءَنَا كَمَا تَدْعُو ابْنَ عَبَّاسٍ؟ قَالَ: ذَاكُمْ فَتَى الْكُهُولِ، إِنَّ لَهُ لِسَانًا سَئُولًا وَقَلْبًا عَقُولًا وَأَخْرَجَ الْخَرَائِطِيُّ فِي مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ، وَالزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَا: قَالَ الْعَبَّاسُ لِابْنِهِ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ - يَعْنِي عُمَرَ - يُدْنِيكَ، فَلَا تُفْشِيَنَّ لَهُ سِرًّا، وَلَا تَغْتَابَنَّ عِنْدَهُ أَحَدًا، وَلَا يَسْمَعُ مِنْكَ كَذِبًا وَفِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ بَدَلَ الثَّالِثَةِ، وَلَا تَبْتَدِئْهُ بِشَيْءٍ حَتَّى يَسْأَلَكَ عَنْهُ.
-
قَوْلُهُ: (فَدَعَا ذَاتَ يَوْمٍ فَأَدْخَلَهُ مَعَهُمْ) فِي رِوَايَةٍ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ فَدَعَاهُ وَفِي