٥٠ - باب التزويج على القرآن وبغير صداق
66 paragraphs · vol. 10, p. 205
Page 2 of 2
- vol. 10, p. 212
وَفِيهِ أَنَّ إِصْدَاقَ مَا يُتَمَوَّلُ يُخْرِجُهُ عَنْ يَدِ مَالِكِهِ حَتَّى إنَّ مَنْ أَصْدَقَ جَارِيَةً مَثَلًا حَرُمَ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا وَكَذَا اسْتِخْدَامُهَا بِغَيْرِ إِذْنِ مَنْ أَصْدَقَهَا، وَأَنَّ صِحَّةَ الْمَبِيعِ تَتَوَقَّفُ عَلَى صِحَّةِ تَسْلِيمِهِ فَلَا يَصِحُّ مَا تَعَذَّرَ إِمَّا حِسًّا كَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ وَإِمَّا شَرْعًا كَالْمَرْهُونِ، وَكَذَا الَّذِي لَوْ زَالَ إِزَارُهُ لَانْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ، كَذَا قَالَ عِيَاضٌ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ جَعْلِ الْمَنْفَعَةِ صَدَاقًا وَلَوْ كَانَ تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ، قَالَ الْمَازِرِيُّ: هَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الْبَاءَ لِلتَّعْوِيضِ كَقَوْلِكَ: بِعْتُكَ ثَوْبِي بِدِينَارٍ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَإِلَّا لَوْ كَانَتْ بِمَعْنَى اللَّامِ عَلَى مَعْنَى تَكْرِيمِهِ؛ لِكَوْنِهِ حَامِلًا لِلْقُرْآنِ لَصَارَتِ الْمَرْأَةُ بِمَعْنَى الْمَوْهُوبَةِ وَالْمَوْهُوبَةُ خَاصَّةٌ بِالنَّبِيِّ ﷺ اهـ.
-
وَانْفَصَلَ الْأَبْهَرِيُّ - وَقَبِلَهُ الطَّحَاوِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُمَا كَأَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ - عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ هَذَا خَاصٌّ بِذَلِكَ الرَّجُلِ، لِكَوْنِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْوَاهِبَةِ فَكَذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُنْكِحَهَا لِمَنْ شَاءَ بِغَيْرِ صَدَاقٍ، وَنَحْوُهُ لِلدَّاوُدِيِّ وَقَالَ: إِنْكَاحُهَا إِيَّاهُ بِغَيْرِ صَدَاقٍ؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَقَوَّاهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ لَهُ مَلَّكْتُكَهَا لَمْ يُشَاوِرْهَا وَلَا اسْتَأْذَنَهَا، وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهَا هيَ أَوَّلًا فَوَّضَتْ أَمْرَهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ كَمَا تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ الْبَابِ: فَرَ فِيَّ رَأْيَكَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَلْفَاظِ الْخَبَرِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، فَلِذَلِكَ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى مُرَاجَعَتِهَا فِي تَقْدِيرِ الْمَهْرِ وَصَارَتْ كَمَنْ قَالَتْ لِوَلِيِّهَا زَوِّجْنِي بِمَا تَرَى مِنْ قَلِيلِ الصَّدَاقِ وَكَثِيرِهِ، وَاحْتَجَّ لِهَذَا الْقَوْلِ بِمَا أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ مُرْسَلِ أَبِي النُّعْمَانِ الْأَزْدِيِّ قَالَ: زَوَّجَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ امْرَأَةً عَلَى سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَقَالَ: لَا تَكُونُ لِأَحَدٍ بَعْدَكَ مَهْرًا، وَهَذَا مَعَ إِرْسَالِهِ فِيهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ مَكْحُولٍ قَالَ: لَيْسَ هَذَا لِأَحَدٍ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ .
-
وَأَخْرَجَ أَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ نَحْوُهُ. وَقَالَ عِيَاضٌ: يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ وَجْهَيْنِ أَظْهَرُهُمَا أَنْ يُعَلِّمَهَا مَا مَعَهُ مِنَ الْقُرْآنِ، أَوْ مِقْدَارًا مُعَيَّنًا مِنْهُ وَيَكُونُ ذَلِكَ صَدَاقَهَا، وَقَدْ جَاءَ هَذَا التَّفْسِيرُ عَنْ مَالِكٍ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ الصَّحِيحَةِ: فَعَلَّمَهَا مِنَ الْقُرْآنِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَعَيَّنَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِقْدَارَ مَا يُعَلِّمُهَا وَهُوَ عِشْرُونَ آيَةً، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ بِمَعْنَى اللَّامِ أَيْ لِأَجَلِ مَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ فَأَكْرَمَهُ بِأَنْ زَوَّجَهُ الْمَرْأَةَ بِلَا مَهْرٍ لِأَجْلِ كَوْنِهِ حَافِظًا لِلْقُرْآنِ أَوْ لِبَعْضِهِ، وَنَظِيرُهُ قِصَّةُ أَبِي طَلْحَةَ مَعَ أُمِّ سَلِيمٍ وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: خَطَبَ أَبُو طَلْحَةَ مَعَ أُمِّ سَلِيمٍ، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا مِثْلُكَ يُرَدُّ، وَلَكِنَّكَ كَافِرٌ وَأَنَا مُسْلِمَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِي أَنْ أَتَزَوَّجَكَ، فَإِنْ تُسْلِمْ فَذَاكَ مَهْرِي وَلَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ، فَأَسْلَمَ، فَكَانَ ذَلِكَ مَهْرَهَا، وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: تَزَوَّجَ أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سَلِيمٍ فَكَانَ صَدَاقُ مَا بَيْنَهُمَا الْإِسْلَامَ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَقَالَ فِي آخِرِهِ: فَكَانَ ذَلِكَ صَدَاقَ مَا بَيْنَهُمَا تَرْجَمَ عَلَيْهِ النَّسَائِيُّ التَّزْوِيجُ عَلَى الْإِسْلَامِ، ثُمَّ تَرْجَمَ عَلَى حَدِيثِ سَهْلٍ التَّزْوِيجُ عَلَى سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ، فَكَأَنَّهُ مَالَ إِلَى تَرْجِيحِ الِاحْتِمَالِ الثَّانِي.
-
وَيُؤَيِّدُ أَنَّ الْبَاءَ لِلتَّعْوِيضِ لَا لِلسَّبَبِيَّةِ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ: يَا فُلَانُ، هَلْ تَزَوَّجْتَ؟ قَالَ: لَا، وَلَيْسَ عِنْدِي مَا أَتَزَوَّجُ بِهِ، قَالَ: أَلَيْسَ مَعَكَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ الْحَدِيثَ. وَاسْتَدَلَّ الطَّحَاوِيُّ لِلْقَوْلِ الثَّانِي مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ بِأَنَّ النِّكَاحَ إِذَا وَقَعَ عَلَى مَجْهُولٍ كَانَ كَمَا لَمْ يُسَمِّ فَيَحْتَاجُ إِلَى الرُّجُوعِ إِلَى الْمَعْلُومِ، قَالَ: وَالْأَصْلُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ لَوْ أَنَّ رَجُلًا اسْتَأْجَرَ رَجُلًا عَلَى أَنْ يُعَلِّمَهُ سُورَةً مِنَ الْقُرْآنِ بِدِرْهَمٍ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ لَا تَصِحُّ إِلَّا عَلَى عَمَلٍ مُعَيِّنٍ كَغَسْلِ الثَّوْبِ أَوْ وَقْتٍ مُعَيَّنٍ،
vol. 10, p. 213وَالتَّعْلِيمُ قَدْ لَا يُعْلَمُ مِقْدَارُ وَقْتِهِ، فَقَدْ يَتَعَلَّمُ فِي زَمَانٍ يَسِيرٍ وَقَدْ يَحْتَاجُ إِلَى زَمَانٍ طَوِيلٍ، وَلِهَذَا لَوْ بَاعَهُ دَارَهُ عَلَى أَنْ يُعَلِّمَهُ سُورَةً مِنَ الْقُرْآنِ لَمْ يَصِحَّ، قَالَ: فَإِذَا كَانَ التَّعْلِيمُ لَا تُمْلَكُ بِهِ الْأَعْيَانُ لَا تُمْلَكُ بِهِ الْمَنَافِعُ.
-
وَالْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرَهُ أَنَّ الْمَشْرُوطَ تَعْلِيمُهُ مُعَيَّنٌ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ، وَأَمَّا الِاحْتِجَاجُ بِالْجَهْلِ بِمُدَّةِ التَّعْلِيمِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: اغْتُفِرَ ذَلِكَ فِي بَابِ الزَّوْجَيْنِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ اسْتِمْرَارُ عِشْرَتِهِمَا، وَلِأَنَّ مِقْدَارَ تَعْلِيمِ عِشْرِينَ آيَةً لَا تَخْتَلِفُ فِيهِ أَفْهَامُ النِّسَاءِ غَالِبًا، خُصُوصًا مَعَ كَوْنِهَا عَرَبِيَّةً مِنْ أَهْلِ لِسَانِ الَّذِي يَتَزَوَّجُهَا كَمَا تَقَدَّمَ.
-
وَانْفَصَلَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ زَوَّجَهَا إِيَّاهُ لِأَجْلِ مَا مَعَهُ مِنَ الْقُرْآنِ الَّذِي حَفِظَهُ وَسَكَتَ عَنِ الْمَهْرِ فَيَكُونُ ثَابِتًا لَهَا فِي ذِمَّتِهِ إِذَا أَيْسَرَ كَنِكَاحِ التَّفْوِيضِ، وَإِنْ ثَبَتَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُتَقَدِّمُ حَيْثُ قَالَ فِيهِ: فَإِذَا رَزَقَكَ اللَّهُ فَعَوِّضْهَا كَانَ فِيهِ تَقْوِيَةٌ لِهَذَا الْقَوْلِ، لَكِنَّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ زَوَّجَهُ لِأَجْلِ مَا حَفِظَهُ مِنَ الْقُرْآنِ، وَأَصْدَقَ عَنْهُ، كَمَا كَفَّرَ عَنِ الَّذِي وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ فِي رَمَضَانَ، وَيَكُونُ ذِكْرُ الْقُرْآنِ وَتَعْلِيمُهُ عَلَى سَبِيلِ التَّحْرِيضِ عَلَى تَعَلُّمِ الْقُرْآنِ وَتَعْلِيمِهِ وَتَنْوِيهًا بِفَضْلِ أَهْلِهِ، قَالُوا: وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلِ التَّعْلِيمَ صَدَاقًا أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ مَعْرِفَةُ الزَّوْجِ بِفَهْمِ الْمَرْأَةِ، وَهَلْ فِيهَا قَابِلِيَّةُ التَّعْلِيمِ بِسُرْعَةٍ أَوْ بِبُطْءٍ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا تَتَفَاوَتُ فِيهِ الْأَغْرَاضُ؟ وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ قَدْ تَقَدَّمَ فِي بَحْثِ الطَّحَاوِيِّ، وَيُؤَيِّدُ قَوْلَ الْجُمْهُورِ قَوْلُهُ ﷺ أَوَّلًا: هَلْ مَعَكَ شَيْءٌ تُصْدِقُهَا، وَلَوْ قَصَدَ اسْتِكْشَافَ فَضْلِهِ لَسَأَلَهُ عَنْ نَسَبِهِ وَطَرِيقَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
-
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ جَعْلَ تَعْلِيمَهَا الْقُرْآنَ مَهْرًا وَقَدْ لَا تَتَعَلَّمُ؟ أُجِيبُ: كَمَا يَصِحُّ جَعْلُ تَعْلِيمِهَا الْكِتَابَةَ مَهْرًا وَقَدْ لَا تَتَعَلَّمُ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ عِنْدَ مَنْ أَجَازَ جَعْلَ الْمَنْفَعَةِ مَهْرًا هَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَعْلَمَ حِذْقَ الْمُتَعَلِّمِ أَوْ لَا كَمَا تَقَدَّمَ؟ وَفِيهِ جَوَازُ كَوْنِ الْإِجَارَةِ صَدَاقًا وَلَوْ كَانَتِ الْمَصْدُوقَةَ الْمُسْتَأْجَرَةَ، فَتَقُومُ الْمَنْفَعَةُ مِنَ الْإِجَارَةِ مَقَامَ الصَّدَاقِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِيهِ خِلَافٌ، وَمَنَعَهُ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْحُرِّ وَأَجَازُوهُ فِي الْعَبْدِ إِلَّا فِي الْإِجَارَةِ فِي تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ فَمَنَعُوهُ مُطْلَقًا؛ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمْ فِي أَنَّ أَخْذَ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ لَا يَجُوزُ، وَقَدْ نَقَلَ عِيَاضٌ جَوَازَ الِاسْتِئْجَارِ لِتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ عَنِ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً إِلَّا الْحَنَفِيَّةَ.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ: زَوَّجَهُ عَلَى أَنْ يُعَلِّمَهَا مِنَ الْقُرْآنِ فَكَأَنَّهَا كَانَتْ إِجَارَةً، وَهَذَا كَرِهَهُ مَالِكٌ وَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُفْسَخُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ، قَالَ: وَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ بِالتَّعْلِيمِ. وَقَدْ رَوَى يَحْيَى بْنُ مُضَرَ، عَنْ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ ذَلِكَ أُجْرَةٌ عَلَى تَعْلِيمِهَا، وَبَذْلِكَ جَازَ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ، وَبِالْوَجْهَيْنِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ: وَإِذَا جَازَ أَنْ يُؤْخَذَ عَنْهُ الْعِوَضُ جَازَ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا، وَقَدْ أَجَازَهُ مَالِكٌ مِنْ إِحْدَى الْجِهَتَيْنِ فَيَلْزَمُ أَنْ يُجِيزَهُ مِنَ الْجِهَةِ الْأُخْرَى.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَوْلُهُ عَلِّمْهَا نَصٌّ فِي الْأَمْرِ بِالتَّعْلِيمِ، وَالسِّيَاقُ يَشْهَدُ بِأَنَّ ذَلِكَ لِأَجْلِ النِّكَاحِ فَلَا يُلْتَفَتُ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ ذَلِكَ كَانَ إِكْرَامًا لِلرَّجُلِ فَإِنَّ الْحَدِيثَ يُصَرِّحُ بِخِلَافِهِ، وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْبَاءَ بِمَعْنَى اللَّامِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ لُغَةً وَلَا مَسَاقًا، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ: زَوِّجْنِي فُلَانَةً فَقَالَ: زَوَّجْتُكَهَا بِكَذَا كَفَى ذَلِكَ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى قَوْلِ الزَّوْجِ قَبِلْتُ قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَدِ اسْتَشْكَلَ مِنْ جِهَةِ طُولِ الْفَصْلِ بَيْنَ الِاسْتِيجَابِ وَالْإِيجَابِ وَفِرَاقِ الرَّجُلِ الْمَجْلِسِ لِالْتِمَاسِ مَا يَصْدُقُهَا إِيَّاهُ، وَأَجَابَ الْمُهَلَّبُ بِأَنَّ بِسَاطَ الْقِصَّةِ أَغْنَى عَنْ ذَلِكَ، وَكَذَا كُلُّ رَاغِبٍ فِي التَّزْوِيجِ إِذَا اسْتَوْجَبَ، فَأُجِيبَ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ، وَسَكَتَ كَفَى إِذَا ظَهَرَ قَرِينَةُ الْقَبُولِ، وَإِلَّا فَيُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ رِضَاهُ بِالْقَدْرِ الْمَذْكُورِ.
-
وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ ثُبُوتِ الْعَقْدِ بِدُونِ لَفْظِ النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ، وَخَالَفَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ، وَمِنَ الْمَالِكِيَّةِ ابْنُ دِينَارٍ وَغَيْرُهُ. وَالْمَشْهُورُ عَنِ الْمَالِكِيَّةِ جَوَازُهُ بِكُلِّ لَفْظٍ دَلَّ عَلَى مَعْنَاهُ إِذَا قُرِنَ بِذِكْرِ الصَّدَاقِ أَوْ قَصْدِ النِّكَاحِ كَالتَّمْلِيكِ
vol. 10, p. 214وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْبَيْعِ، وَلَا يَصِحُّ عِنْدَهُمْ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ وَلَا الْعَارِيَّةِ وَلَا الْوَصِيَّةِ، وَاخْتُلِفَ عِنْدَهُمْ فِي الْإِحْلَالِ وَالْإِبَاحَةِ، وَأَجَازَهُ الْحَنَفِيَّةُ بِكُلِّ لَفْظٍ يَقْتَضِي التَّأْبِيدَ مَعَ الْقَصْدِ، وَمَوْضِعُ الدَّلِيلِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ وُرُودُ قَوْلِهِ ﷺ : مَلَّكْتُكَهَا، لَكِنْ وَرَدَ أَيْضًا بِلَفْظِ: زَوَّجْتُكَهَا قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: هَذِهِ لَفْظَةٌ وَاحِدَةٌ فِي قِصَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَاخْتُلِفَ فِيهَا مَعَ اتِّحَادِ مَخْرَجِ الْحَدِيثِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْوَاقِعَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أَحَدُ الْأَلْفَاظِ الْمَذْكُورَةِ، فَالصَّوَابُ فِي مِثْلِ هَذَا النَّظَرُ إِلَى التَّرْجِيحِ.
-
وَقَدْ نُقِلَ عَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ أَنَّ الصَّوَابَ رِوَايَةُ مَنْ رَوَى: زَوَّجْتُكَهَا وَأَنَّهُمْ أَكْثَرُ وَأَحْفَظُ، قَالَ: وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: يَحْتَمِلُ صِحَّةُ اللَّفْظَيْنِ، وَيَكُونُ قَالَ: لَفْظَ التَّزْوِيجِ أَوَّلًا، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِالتَّزْوِيجِ السَّابِقِ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَهَذَا بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ سِيَاقَ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي تَعْيِينَ لَفْظَةِ قَبِلْتُ لَا تَعَدُّدَهَا وَأَنَّهَا هيَ الَّتِي انْعَقَدَ بِهَا النِّكَاحُ، وَمَا ذَكَرَهُ يَقْتَضِي وُقُوعُ أَمْرٍ آخَرَ انْعَقَدَ بِهِ النِّكَاحُ، وَالَّذِي قَالَهُ بَعِيدٌ جِدًّا، وَأَيْضًا فَلِخَصْمِهِ أَنْ يَعْكِسَ وَيَدَّعِيَ أَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ بِلَفْظِ التَّمْلِيكِ، ثُمَّ قَالَ: زَوَّجْتُكَهَا بِالتَّمْلِيكِ السَّابِقِ. قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِرِوَايَةِ أَمْكَنَّاكَهَا مَعَ ثُبُوتِهَا، وَكُلُّ هَذَا يَقْتَضِي تَعَيُّنَ الْمَصِيرِ إِلَى التَّرْجِيحِ اهـ.
-
وَأَشَارَ بِالْمُتَأَخِّرِ إِلَى النَّوَوِيِّ فَإِنَّهُ كَذَلِكَ قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ التِّينِ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ عَقَدَ بِلَفْظِ التَّمْلِيكِ وَالتَّزْوِيجِ مَعًا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، فَلَيْسَ أَحَدُ اللَّفْظَيْنِ بِأَوْلَى مِنَ الْآخَرِ فَسَقَطَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ، هَذَا عَلَى تَقْدِيرِ تَسَاوِي الرِّوَايَتَيْنِ فَكَيْفَ مَعَ التَّرْجِيحِ؟ قَالَ: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ مَعْمَرًا وَهِمَ فِيهِ، وَرُدَّ عَلَيْهِ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِ مَعْمَرٍ مِثْلَ مَعْمَرٍ اهـ.
-
وَزَعَمَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي التَّحْقِيقِ أَنَّ رِوَايَةَ أَبِي غَسَّانَ أَنْكَحْتُكَهَا، وَرِوَايَةَ الْبَاقِينَ: زَوَّجْتُكَهَا إِلَّا ثَلَاثَةَ أَنْفُسٍ، وَهُمْ: مَعْمَرٌ، وَيَعْقُوبُ، وَابْنُ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: وَمَعْمَرٌ كَثِيرُ الْغَلَطِ، وَالْآخَرَانِ لَمْ يَكُونَا حَافِظَيْنِ اهـ.
-
وَقَدْ غَلِطَ فِي رِوَايَةِ أَبِي غَسَّانَ فَإِنَّهَا بِلَفْظِ أَمْكَنَّاكَهَا فِي جَمِيعِ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ، نَعَمْ وَقَعَتْ بِلَفْظِ: زَوَّجْتُكَهَا عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ حُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي غَسَّانَ، وَالْبُخَارِيِّ أَخْرَجَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ أَبِي غَسَّانَ بِلَفْظِ: أَمْكَنَّاكَهَا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ سَعِيدٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِلَفْظِ: أَنْكَحْتُكَهَا فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَلْفَاظٍ عَنْ أَبِي غَسَّانَ، وَرِوَايَةُ: أَنْكَحْتُكَهَا فِي الْبُخَارِيِّ، لِابْنِ عُيَيْنَةَ كَمَا حَرَّرْتُهُ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنَ الطَّعْنِ فِي الثَّلَاثَةِ مَرْدُودٌ، وَلَا سِيَّمَا عَبْدَ الْعَزِيزِ فَإِنَّ رِوَايَتَهُ تَتَرَجَّحُ بِكُونِ الْحَدِيثُ عَنْ أَبِيهِ، وَآلُ الْمَرْءِ أَعْرَفُ بِحَدِيثِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ، نِعْمَ الَّذِي تَحَرَّرَ مِمَّا قَدَّمْتُهُ أَنَّ الَّذِينَ رَوَوْهُ بِلَفْظِ التَّزْوِيجِ أَكْثَرُ عَدَدًا مِمَّنْ رَوَاهُ بِغَيْرِ لَفْظِ التَّزْوِيجِ، وَلَا سِيَّمَا وَفِيهِم مِنَ الْحُفَّاظِ مِثْلُ مَالِكٍ، وَرِوَايَةُ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: أَنْكَحْتُكَهَا مُسَاوِيَةٌ لِرِوَايَتِهِمْ، وَمِثْلُهَا رِوَايَةُ زَائِدَةَ، وَعَدَّ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِيمَنْ رَوَاهُ بِلَفْظِ التَّزْوِيجِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَرِوَايَتُهُ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ، وَأَمَّا فِي النِّكَاحِ فَبِلَفْظِ: مَلَّكْتُكَهَا، وَقَدْ تَبِعَ الْحَافِظُ صَلَاحُ الدِّينِ الْعَلَائِيُّ، ابْنَ الْجَوْزِيِّ فَقَالَ فِي تَرْجِيحِ رِوَايَةِ التَّزْوِيجِ: وَلَا سِيَّمَا وَفِيهِمْ مَالِكٌ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ اهـ.
-
وَقَدْ تَحَرَّرَ أَنَّهُ اخْتُلِفَ عَلَى حَمَّادٍ فِيهَا كَمَا اخْتُلِفَ عَلَى الثَّوْرِيِّ فَظَهَرَ أَنَّ رِوَايَةَ التَّمْلِيكِ وَقَعَتْ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ الثَّوْرِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، وَيَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ: مَلَّكْتُكَهَا وَهِيَ بِمَعْنَاهَا، وَانْفَرَدَ أَبُو غَسَّانَ بِرِوَايَةِ: أَمْكَنَّاكَهَا، وَأَخْلَقُ بِهَا أَنْ تَكُونَ تَصْحِيفًا مِنْ مَلَّكْنَاكَهَا؛ فَرِوَايَةُ التَّزْوِيجِ أَوِ الْإِنْكَاحِ أَرْجَحُ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ تَسَاوِيَ الرِّوَايَاتِ يَقِفُ الِاسْتِدْلَالُ بِهَا لِكُلٍّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ.
-
وَقَدْ قَالَ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ لَا حُجَّةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِمَنْ أَجَازَ انْعِقَادَ النِّكَاحِ بِلَفْظِ التَّمْلِيكِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ كَانَ وَاحِدًا فَلَمْ يَكُنِ اللَّفْظُ إِلَّا وَاحِدًا، وَاخْتَلَفَ الرُّوَاةُ
vol. 10, p. 215فِي اللَّفْظِ الْوَاقِعِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ كَانَ بِلَفْظِ التَّزْوِيجِ عَلَى وَفْقِ قَوْلِ الْخَاطِبِ زَوِّجْنِيهَا إِذْ هُوَ الْغَالِبُ فِي أَمْرِ الْعُقُودِ؛ إِذْ قَلَّمَا يَخْتَلِفُ فِيهِ لَفْظُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَمِنْ رَوَى بِلَفْظٍ غَيْرَ لَفْظِ التَّزْوِيجِ لَمْ يَقْصِدْ مُرَاعَاةَ اللَّفْظِ الَّذِي انْعَقَدَ بِهِ الْعَقْدُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْخَبَرَ عَنْ جَرَيَانِ الْعَقْدِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ.
-
وَقِيلَ: إِنَّ بَعْضَهَمْ رَوَاهُ بِلَفْظِ الْإِمْكَانِ، وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ هَذَا الْعَقْدَ بِهَذَا اللَّفْظِ لَا يَصِحُّ، كَذَا قَالَ، وَمَا ذُكِرَ كَافٍ فِي دَفْعِ احْتِجَاجِ الْمُخَالِفِ بِانْعِقَادِ النِّكَاحِ بِالتَّمْلِيكِ وَنَحْوِهِ. وَقَالَ الْعَلَائِيُّ: مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَقُلْ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ كُلَّهَا تِلْكَ السَّاعَةَ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَالَ لَفْظَةً مِنْهَا، وَعَبَّرَ عَنْهُ بَقِيَّةُ الرُّوَاةِ بِالْمَعْنَى، فَمَنْ قَالَ بِأَنَّ النِّكَاحَ يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ التَّمْلِيكِ، ثُمَّ احْتَجَّ بِمَجِيئِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِذَا عُورِضَ بِبَقِيَّةِ الْأَلْفَاظِ لَمْ يَنْتَهِضِ احْتِجَاجُهُ، فَإِنْ جَزَمَ بِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي تَلَفَّظَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ، وَمَنْ قَالَ غَيْرَهُ ذَكَرَهُ بِالْمَعْنَى قَلَبَهُ عَلَيْهِ مُخَالِفُهُ، وَادَّعَى ضِدَّ دَعْوَاهُ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا التَّرْجِيحُ بِأَمْرٍ خَارِجِيٍّ، وَلَكِنَّ الْقَلْبَ إِلَى تَرْجِيحِ رِوَايَةِ التَّزْوِيجِ أَمْيَلُ؛ لِكَوْنِهَا رِوَايَةَ الْأَكْثَرِينَ، وَلِقَرِينَةِ قَوْلِ الرَّجُلِ الْخَاطِبِ: زَوِّجْنِيهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ النَّقْلُ عَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ أَنَّهُ رَجَّحَ رِوَايَةَ مَنْ قَالَ زَوَّجْتُكَهَا.
-
وَبَالَغَ ابْنُ التِّينِ فَقَالَ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ رِوَايَةُ زَوَّجْتُكَهَا، وَأَنَّ رِوَايَةَ مَلَّكْتُكَهَا وَهْمٌ، وَتَعَلَّقَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ أَئِمَّةٌ فَلَوْلَا أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ عِنْدَهُمْ مُتَرَادِفَةٌ مَا عَبَّرُوا بِهَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ كل لَفْظٌ مِنْهَا يَقُومُ مَقَامَ الْآخَرِ عِنْدَ ذَلِكَ الْإِمَامِ، وَهَذَا لَا يَكْفِي فِي الِاحْتِجَاجِ بِجَوَازِ انْعِقَادِ النِّكَاحِ بِكُلِّ لَفْظَةٍ مِنْهَا، إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَدْفَعُ مُطَالَبَتَهُمْ بِدَلِيلِ الْحَصْرِ فِي اللَّفْظَيْنِ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى إِيقَاعِ الطَّلَاقِ بِالْكِنَايَاتِ بِشَرْطِهَا وَلَا حَصْرَ فِي الصَّرِيحِ، وَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ النِّكَاحَ يَنْعَقِدُ بِكُلِّ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، وَاخْتَلَفَ التَّرْجِيحُ فِي مَذْهَبِهِ فَأَكْثَرُ نُصُوصِهِ تَدُلُّ عَلَى مُوَافَقَةِ الْجُمْهُورِ، وَاخْتَارَ ابْنُ حَامِدٍ وَأَتْبَاعُهُ الرِّوَايَةَ الْأُخْرَى الْمُوَافِقَةَ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَاسْتَدَلَّ ابْنُ عَقِيلٍ مِنْهُمْ لِصِحَّةِ الرِّوَايَةِ الْأُولَى بِحَدِيثِ: أَعْتَقَ صَفِيَّةَ وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا، فَإِنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ: عَتَقْتُ أَمَتِي وَجَعَلْتُ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا أَنَّهُ يَنْعَقِدُ نِكَاحُهَا بِذَلِكَ، وَاشْتَرَطَ مَنْ ذَهَبَ إِلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى بِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ تَزَوَّجْتُهَا، وَهِيَ زِيَادَةٌ عَلَى مَا فِي الْخَبَرِ وَعَلَى نَصِّ أَحْمَدَ، وَأُصُولُهُ تَشْهَدُ بِأَنَّ الْعُقُودَ تَنْعَقِدُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى مَقْصُودِهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ.
-
وَفِيهِ أَنَّ مَنْ رَغِبَ في تَزْوِيجَ مَنْ هُوَ أَعْلَى قَدْرًا مِنْهُ لَا لَوْمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ بِصَدَدِ أَنْ يُجَابَ إِلَّا إِنْ كَانَ مِمَّا تَقْطَعُ الْعَادَةُ بِرَدِّهِ كَالسُّوقِيِّ يَخْطُبُ مِنَ السُّلْطَانِ بِنْتَهُ أَوْ أُخْتَهُ. وَأَنَّ مَنْ رَغِبَتْ فِي تَزْوِيجِ مَنْ هُوَ أَعْلَى مِنْهَا لَا عَارَ عَلَيْهَا أَصْلًا، وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ هُنَاكَ غَرَضٌ صَحِيحٌ أَوْ قَصْدٌ صَالِحٌ؛ إِمَّا لِفَضْلٍ دِينِيٍّ فِي الْمَخْطُوبِ، أَوْ لِهَوًى فِيهِ يَخْشَى مِنَ السُّكُوتِ عَنْهُ الْوُقُوعُ فِي مَحْذُورٍ.
-
وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ مَنْ جَعَلَ عِتْقَ الْأَمَةِ عِوَضًا عَنْ بُضْعِهَا، كَذَا ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ، وَلَفْظُهُ: إِنَّ مَنْ أَعْتَقَ أَمَةً كَانَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَيَجْعَلَ عِتْقَهَا عِوَضًا عَنْ بُضْعِهَا، وَفِي أَخْذِهِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ بُعْدٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ مُفَصَّلًا قَبْلَ هَذَا. وَفِيهِ أَنَّ سُكُوتَ مَنْ عُقِدَ عَلَيْهَا وَهِيَ سَاكِتَةٌ لَازِمٌ إِذَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ كَلَامِهَا خَوْفٌ أَوْ حَيَاءٌ أَوْ غَيْرُهُمَا.
-
وَفِيهِ جَوَازُ نِكَاحِ الْمَرْأَةِ دُونَ أَنْ تُسْأَلَ هَلْ لَهَا وَلِيٌّ خَاصٌّ أَوْ لَا، وَدُونَ أَنْ تُسْأَلَ هَلْ هِيَ فِي عِصْمَةِ رَجُلٍ أَوْ فِي عِدَّتِهِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ حَمْلًا عَلَى ظَاهِرِ الْحَالِ، وَلَكِنَّ الْحُكَّامَ يَحْتَاطُونَ فِي ذَلِكَ وَيَسْأَلُونَهَا قُلْتُ: وَفِي أَخْذِ هَذَا الْحُكْمِ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ نَظَرٌ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ النَّبِيَّ ﷺ اطَّلَعَ عَلَى جَلِيَّةِ أَمْرِهَا أَوْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ مَنْ حَضَرَ مَجْلِسَهُ مِمَّنْ يَعْرِفُهَا، وَمَعَ هَذَا الِاحْتِمَالِ لَا يَنْتَهِضُ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ، وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُزَوِّجَ امْرَأَةً حَتَّى يَشْهَدَ عَدْلَانِ أَنَّهَا لَيْسَ لَهَا وَلِيٌّ خَاصٌّ،
vol. 10, p. 216وَلَا أَنَّهَا فِي عِصْمَةِ رَجُلٍ وَلَا فِي عِدَّتِهِ، لَكِنِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ هَلْ هَذَا عَلَى سَبِيلِ الِاشْتِرَاطِ أَوْ الِاحْتِيَاطِ، وَالثَّانِي الْمُصَحَّحُ عِنْدَهُمْ.
-
وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ تَقَدُّمُ الْخِطْبَةِ إِذْ لَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ طَرِيقِ هَذَا الْحَدِيثِ وُقُوعَ حَمْدٍ وَلَا تَشَهُّدٍ وَلَا غَيْرِهِمَا مِنْ أَرْكَانِ الْخُطْبَةِ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الظَّاهِرِيَّةُ فَجَعَلُوهَا وَاجِبَةً، وَوَافَقَهُمْ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَبُو عَوَانَةَ فَتَرْجَمَ فِي صَحِيحِهِ بَابُ وُجُوبِ الْخُطْبَةِ عِنْدَ الْعَقْدِ.
-
وَفِيهِ أَنَّ الْكَفَاءَةَ فِي الْحُرِّيَّةِ وَفِي الدِّينِ وَفِي النَّسَبِ لَا فِي الْمَالِ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ كَانَ لَا شَيْءَ لَهُ وَقَدْ رَضِيَتْ بِهِ، كَذَا قَالَهُ ابْنُ بَطَّالٍ، وَمَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ لَهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ كَانَتْ ذَاتَ مَالٍ.
-
وَفِيهِ أَنَّ طَالِبَ الْحَاجَةِ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُلِحَّ فِي طَلَبِهَا بَلْ يَطْلُبُهَا بِرِفْقٍ وَتَأَنٍّ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ طَالِبُ الدُّنْيَا وَالدِّينِ مِنْ مُسْتَفْتٍ وَسَائِلٍ وَبَاحِثٍ عَنْ عِلْمٍ.
-
وَفِيهِ أَنَّ الْفَقِيرَ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ مَنْ عَلِمَتْ بِحَالِهِ وَرَضِيَتْ بِهِ إِذَا كَانَ وَاجِدًا لِلْمَهْرِ وَكَانَ عَاجِزًا عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الْحُقُوقِ؛ لِأَنَّ الْمُرَاجَعَةَ وَقَعَتْ فِي وِجْدَانِ الْمَهْرِ وَفَقْدِهِ لَا فِي قَدْرٍ زَائِدٍ قَالَهُ الْبَاجِيُّ، وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ اطَّلَعَ مِنْ حَالِ الرَّجُلِ عَلَى أَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى اكْتِسَابِ قُوتِهِ وَقُوتِ امْرَأَتِهِ، وَلَا سِيَّمَا مَعَ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ ذَلِكَ الْعَصْرِ مِنْ قِلَّةِ الشَّيْءِ وَالْقَنَاعَةِ بِالْيَسِيرِ.
-
وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى صِحَّةِ النِّكَاحِ بِغَيْرِ شُهُودٍ، وَرُدَّ بِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ بِحَضْرَةِ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ كَمَا تَقَدَّمَ ظَاهِرًا فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: هُوَ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ: لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ.
-
وتعقب، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى صِحَّةِ النِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ، وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلِيٌّ خَاصٌّ، وَالْإِمَامُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ اسْتِمْتَاعِ الرَّجُلِ بِشَوْرَةِ امْرَأَتِهِ، وَمَا يَشْتَرِي بِصَدَاقِهَا لِقَوْلِهِ: إِنْ لَبِسَتْهُ مع أَنَّ النِّصْفَ لَهَا، وَلَمْ يَمْنَعْهُ مَعَ ذَلِكَ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ بِنِصْفِهِ الَّذِي وَجَبَ لَهَا؛ بَلْ جَوَّزَ لَهُ لُبْسَهُ كُلِّهِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الْمَنْعُ لِكَوْنِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ثَوْبٌ آخَرُ قَالَهُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي زَيْدٍ، وَتَعَقَّبَهُ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ السِّيَاقَ يُرْشِدُ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ تَعَذُّرُ الِاكْتِفَاءِ بِنِصْفِ الْإِزَارِ لَا فِي إِبَاحَةِ لُبْسِهِ كُلِّهِ، وَمَا الْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَلْبَسُهُ مُهَايَأَةً لِثُبُوتِ حَقِّهِ فِيهِ، لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لِلرَّجُلِ مَا يَسْتَتِرُ بِهِ إِذَا جَاءَتْ نَوْبَتُهَا فِي لُبْسِهِ قَالَ لَهُ: إِنْ لَبِسَتْهُ جَلَسْتَ وَلَا إِزَارَ لَكَ وَفِيهِ نَظَرُ الْإِمَامِ فِي مَصَالِحِ رَعِيَّتِهِ، وَإِرْشَادُهُ إِلَى مَا يُصْلِحُهُمْ. وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا الْمُرَاوَضَةُ فِي الصَّدَاقِ، وَخِطْبَةُ الْمَرْءِ لِنَفْسِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ إِعْفَافُ الْمُسْلِمِ بِالنِّكَاحِ كَوُجُوبِ إِطْعَامِهِ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ، قَالَ ابْنُ التِّينِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ فَوَائِدَ الْحَدِيثِ: فَهَذِهِ إِحْدَى وَعِشْرُونَ فَائِدَةً، بَوَّبَ الْبُخَارِيُّ عَلَى أَكْثَرِهَا. قُلْتُ: وَقَدْ فَصَلْتُ مَا تَرْجَمَ بِهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ غَيْرِهِ، وَمَنْ تَأَمَّلَ مَا جَمَعْتُهُ هُنَا عَلِمَ أَنَّهُ يَزِيدُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِقْدَارَ مَا ذَكَرَ أَوْ أَكْثَرَ.
-
وَوَقَعَ التَّنْصِيصُ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ زَوَّجَ رَجُلًا امْرَأَةً بِخَاتَمٍ مِنْ حَدِيدٍ، وَهَذَا هُوَ النُّكْتَةُ فِي ذِكْرِ الْخَاتَمِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْعُرُوضِ، أَخْرَجَهُ الْبَغَوِيُّ فِي مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ مِنْ طَرِيقِ الْقَعْنَبِيِّ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ضُمَيْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْكِحْنِي فُلَانَةَ، قَالَ: مَا تُصْدِقُهَا؟ قَالَ: مَا مَعِي شَيْءٌ. قَالَ: لِمَنْ هَذَا الْخَاتَمُ؟ قَالَ: لِي، قَالَ: فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ، فَأَنْكَحَهُ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ ضَعِيفَ السَّنَدِ لَكِنَّهُ يَدْخُلُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأُمَّهَاتِ.