١١ - باب من رأى أن لا يخلط البسر والتمر إذا كان مسكرا، وأن لا يجعل إدامين في إدام
16 paragraphs · vol. 11, p. 66
- vol. 11, p. 66
٥٦٠٠ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: إِنِّي لَأَسْقِي أَبَا طَلْحَةَ،
vol. 11, p. 67وَأَبَا دُجَانَةَ، وَسُهَيْلَ بْنَ الْبَيْضَاءِ خَلِيطَ بُسْرٍ وَتَمْرٍ إِذْ حُرِّمَتْ الْخَمْرُ، فَقَذَفْتُهَا وَأَنَا سَاقِيهِمْ وَأَصْغَرُهُمْ، وَإِنَّا نَعُدُّهَا يَوْمَئِذٍ الْخَمْرَ. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ سَمِعَ أَنَسًا.
-
٥٦٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِراً رضي الله عنه يَقُولُ: "نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ وَالْبُسْرِ وَالرُّطَبِ" .
-
٥٦٠٢ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا هِشَامٌ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ التَّمْرِ وَالزَّهْوِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَلْيُنْبَذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَةٍ" .
-
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ رَأَى أَنْ لَا يُخْلَطَ الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ إِذَا كَانَ مُسْكِرًا) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: قَوْلُهُ إِذَا كَانَ مُسْكِرًا خَطَأٌ، لِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْخَلِيطَيْنِ عَامٌّ وَإِنْ لَمْ يُسْكِرْ كَثِيرُهُمَا، لِسُرْعَةِ سَرَيَانِ الْإِسْكَارِ إِلَيْهِمَا مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ صَاحِبُهُ بِهِ، فَلَيْسَ النَّهْيُ عَنِ الْخَلِيطَيْنِ لِأَنَّهُمَا يُسْكِرَانِ حَالًا، بَلْ لِأَنَّهُمَا يُسْكِرَانِ مَآلًا؛ فَإِنَّهُمَا إِذَا كَانَا مُسْكِرَيْنِ فِي الْحَالِ لَا خِلَافَ فِي النَّهْيِ عَنْهُمَا. قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: فَعَلَى هَذَا فَلَيْسَ هُوَ خَطَأٌ، بَلْ يَكُونُ أطلق ذلك عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ، وَهُوَ اسْتِعْمَالُ مَشْهُورٌ. وَأَجَابَ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَرُدُّ عَلَى الْبُخَارِيِّ، إِمَّا لِأَنَّهُ يَرَى جَوَازَ الْخَلِيطَيْنِ قَبْلَ الْإِسْكَارِ، وَإِمَّا لِأَنَّهُ تَرْجَمَ عَلَى مَا يُطَابِقُ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ وَهُوَ حَدِيثُ أَنَسٍ، فَإِنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ الَّذِي كَانَ يَسْقِيهِ الْقَوْمَ حِينَئِذٍ كَانَ مُسْكِرًا، وَلِهَذَا دَخَلَ عِنْدَهُمْ فِي عُمُومِ النَّهْيِ عَنِ الْخَمْرِ، حَتَّى قَالَ أَنَسٌ: وَإِنَّا لَنَعُدُّهَا يَوْمئِذٍ الْخَمْرَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُسْكِرًا. قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَأَنْ لَا يَجْعَلَ إدَامَيْنِ فِي إِدَامٍ فَيُطَابِقُ حَدِيثَ جَابِرٍ، وَأَبِي قَتَادَةَ، وَيَكُونُ النَّهْيُ مُعَلَّلًا بِعِلَلٍ مُسْتَقِلَّةٍ، إِمَّا تَحْقِيقُ إِسْكَارِ الْكَثِيرِ وَإِمَّا تَوَقُّعُ الْإِسْكَارِ بِالْخَلْطِ سَرِيعًا وَإِمَّا الْإِسْرَافُ وَالشَّرَهُ، وَالتَّعْلِيلُ بِالْإِسْرَافِ مُبَيَّنٌ فِي حَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ قِرَانِ التَّمْرِ.
قُلْتُ: وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ مُرَادَ الْبُخَارِيِّ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ أَوَّلَ النَّهْيَ عَنِ الْخَلِيطَيْنِ بِأَحَدِ تَأْوِيلَيْنِ: أَحَدُهُمَا حَمْلُ الْخَلِيطِ عَلَى الْمَخْلُوطِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ نَبِيذُ تَمْرٍ وَحْدَهُ مَثَلًا قَدِ اشْتَدَّ، وَنَبِيذُ زَبِيبٍ وَحْدَهُ مَثَلًا قَدِ اشْتَدَّ، فَيُخْلَطَانِ لِيَصِيرَا خَلًّا، فَيَكُونُ النَّهْيُ مِنْ أَجْلِ تَعَمُّدِ التَّخْلِيلِ، وَهَذَا مُطَابِقٌ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ. ثَانِيهُمَا أَنْ يَكُونَ عِلَّةُ النَّهْيِ عَنِ الْخَلْطِ الْإِسْرَافُ، فَيَكُونُ كَالنَّهْيِ عَنِ الْجَمْعِ بَيْنَ إدَامَيْنِ. وَيُؤَيِّدُ الثَّانِي قَوْلُهُ فِي التَّرْجَمَةِ: وَأَنْ لَا يَجْعَلُ إدَامَيْنِ فِي إِدَامٍ وَقَدْ حَكَى أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُمْ ح مَلُوا النَّهْيَ عَنِ الْخَلِيطَيْنِ عَلَى الثَّانِي، وَجَعَلُوهُ نَظِيرَ النَّهْيِ عَنِ الْقِرَانِ بَيْنَ التَّمْرِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْأَطْعِمَةِ، قَالُوا: فَإِذَا وَرَدَ النَّهْيُ عَنِ الْقِرَانِ بَيْنَ التَّمْرَتيْنِ وَهُمَا مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ فَكَيْفَ إِذَا وَقَعَ الْقِرَانُ بَيْنَ نَوْعَيْنِ؟ وَلِهَذَا عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ مَنْ رَأَى وَلَمْ يَجْزِمْ بِالْحُكْمِ. وَقَدْ نَصَرَ الطَّحَاوِيُّ مَنْ حَمَلَ النَّهْيَ عَنِ الْخَلِيطَيْنِ عَلَى مَنْعِ السَّرَفِ فَقَالَ: كَانَ ذَلِكَ لِمَا كَانُوا فِيهِ مِنْ ضِيقِ الْعَيْشِ. وَسَاقَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي النَّهْيِ عَنِ الْقِرَانِ بَيْنَ التَّمْرَتَيْنِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَحَدُ مَنْ رَوَى النَّهْيَ عَنِ الْخَلِيطَيْنِ وَكَانَ يَنْبِذُ الْبُسْرَ، فَإِذَا نَظَرَ إِلَى بُسْرَةٍ فِي بَعْضِهَا تَرْطِيبٌ قَطَعَهُ كَرَاهَةَ أَنْ يَقَعَ فِي النَّهْيِ، وَهَذَا عَلَى قَاعِدَتِهِمْ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَوْ فَهِمَ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْخَلِيطَيْنِ كَالنَّهْيِ عَنِ الْقِرَانِ لِمَا خَالَفَهُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ عِنْدَهُ عَلَى غَيْرِهِ.
-
ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَنَسٍ الَّذِي تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ، وَفِيهِ أَنَّهُ سَقَاهُ خَلِيطَ بُسْرٍ وَتَمْرٍ، فَدَلَّ عَلَى: أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّهْيِ عَنِ الْخَلِيطَيْنِ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَهُ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ خَلْطِ الْبُسْرِ بِالتَّمْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، لِأَنَّ ذَلِكَ عَادَةً يَقْتَضِي إِسْرَاعَ الْإِسْكَارِ
vol. 11, p. 68بِخِلَافِ الْمُنْفَرِدَيْنِ، وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُ حَدِيثِ أَنَسٍ هَذَا فِي الْخَلِيطَيْنِ عَلَى مَا ادَّعَاهُ صَاحِبُ التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ، وَحَمْلُ عِلَّةِ النَّهْيِ لِخَوْفِ الْإِسْرَاعِ أَظْهَرُ مِنْ حَمْلِهَا عَلَى الْإِسْرَافِ، لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ نِصْفِ رِطْلٍ مِنْ تَمْرٍ وَنِصْفِ رِطْلٍ مِنْ بُسْرٍ إِذَا خُلِطَا مَثَلًا، وَبَيْنَ رِطْلٍ مِنْ زَبِيبٍ صِرْفٍ، بَلْ هُوَ أَوْلَى لِقِلَّةِ الزَّبِيبِ عِنْدَهُمْ إِذْ ذَاكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى التَّمْرِ وَالرُّطَبِ، وَقَدْ وَقَعَ الْإِذْنُ بِأَنْ يُنْبَذَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَةٍ، وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، فَلَوْ كَانَتِ الْعِلَّةُ الْإِسْرَافَ لَمَا أَطْلَقَ ذَلِكَ. وَحَكَى الطَّحَاوِيُّ فِي اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ عَنِ اللَّيْثِ قَالَ: لَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يُخْلَطَ نَبِيذُ التَّمْرِ وَنَبِيذُ الزَّبِيبِ ثُمَّ يُشْرَبَانِ جَمِيعًا، وَإِنَّمَا جَاءَ النَّهْيُ أَنْ يُنْبَذَا جَمِيعًا ثُمَّ يُشْرَبَا لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يَشْتَدُّ بِهِ صَاحِبُهُ.
-
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ سَمِعَ أَنَسًا) أَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيقِ بَيَانَ سَمَاعِ قَتَادَةَ، لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي سَاقَهَا قَبْلَ مُعَنْعَنًا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ وَلَفْظُهُ نَهَى أَنْ يُخْلَطَ التَّمْرُ وَالزَّهْوُ ثُمَّ يُشْرَبُ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَامَّةَ خَمْرِهِمْ يَوْمئِذٍ، وَهَذَا السِّيَاقُ أَظْهَرُ فِي الْمُرَادِ الَّذِي حُمِلَتْ عَلَيْهِ لَفْظُ التَّرْجَمَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ فِي الْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَهِشَامٌ هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ.
-
الْحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ جَابِرٍ، وأَوْرَدَهُ بِلَفْظِ: نَهَى عَنِ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ وَالْبُسْرِ وَالرُّطَبِ، وَلَيْسَ صَرِيحًا فِي النَّهْيِ عَنِ الْخَلِيطِ، وَقَدْ بَيَّنَهُ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَيَحْيَى الْقَطَّانِ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِلَفْظِ: لَا تَجْمَعُوا بَيْنَ الرُّطَبِ والْبُسْرِ وَبَيْنَ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ نَبِيذًا وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ، عَنْ عَطَاءٍ نُهِيَ أَنْ يُنْبَذَ التَّمْرُ والزبيب جَمِيعًا وَالرُّطَبُ وَالْبُسْرُ جَمِيعًا.
- الْحَدِيثُ الثَّالِثُ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ:
-
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ أَيْضًا، وَهِشَامٌ هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ أَيْضًا.
-
قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ) هُوَ الْأَنْصَاريُّ الْمَشْهُورُ.
-
قَوْلُهُ: (نَهَى) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: لَا تَنْبِذُوا الزَّهْوَ وَالرُّطَبَ جَمِيعًا الْحَدِيثَ.
-
قَوْلُهُ: (وَلْيُنْبَذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ كُلِّ اثْنَيْنِ مِنْهُمَا، فَيَكُونُ الْجَمْعُ بَيْنَ أَكْثَرَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
-
قَوْلُهُ: (عَلَى حِدَةٍ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الدَّالِ بَعْدَهَا هَاءُ تَأْنِيثٍ أَيْ وَحْدَهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ عَلَى حِدَتِهِ وَهَذَا مِمَّا يُؤَيِّدُ رَدَّ التَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا كَمَا بَيَّنْتُهُ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: مَنْ شَرِبَ مِنْكُمُ النَّبِيذَ فَلْيَشْرَبْهُ زَبِيبًا فَرْدًا أَوْ تَمْرًا فَرْدًا أَوْ بُسْرًا فَرْدًا، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ سَبَبَ النَّهْيِ مِنْ طَرِيقِ الْحَرَّانِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِسَكْرَانَ فَضَرَبَهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ شربِهِ، فَقَالَ: شَرِبْتُ نَبِيذَ تَمْرٍ وزبيب، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تَخْلِطُوهُمَا، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَكْفِي وَحْدَهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَذَهَبَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ سَبَبَ النَّهْيِ عَنِ الْخَلِيطِ أَنَّ الْإِسْكَارَ يَسْرُعُ إِلَيْهِ بِسَبَبِ الْخَلْطِ قَبْلَ أَنْ يَشْتَدَّ فَيَظُنُّ الشَّارِبُ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الْإِسْكَارِ، وَيَكُونُ قَدْ بَلَغَهُ. قَالَ: وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّ النَّهْيَ، فِي ذَلِكَ لِلتَّنْزِيهِ. وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ إِذَا صَارَ مُسْكِرًا، وَلَا تَخْفَى عَلَامَتُهُ. وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: هُوَ لِلتَّحْرِيمِ. وَاخْتُلِفَ فِي خَلْطِ نَبِيذِ الْبُسْرِ الَّذِي لَمْ يَشْتَدَّ مَعَ نَبِيذِ التَّمْرِ الَّذِي لَمْ يَشْتَدَّ عِنْدَ الشُّرْبِ هَلْ يَمْتَنِعُ أَوْ يَخْتَصُّ النَّهْيُ عَنِ الْخَلْطِ عِنْدَ الِانْتِبَاذِ؟ فَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا فَرْقَ. وَقَالَ اللَّيْثُ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ عِنْدَ الشُّرْبِ. وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ سَبَبَ النَّهْيِ أَنَّ النَّبِيذَ يَكُونُ حُلْوًا، فَإِذَا أُضِيفَ إِلَيْهِ الْآخَرُ أَسْرَعَتِ إِلَيْهِ الشِّدَّةُ.
-
وَهَذِهِ صُورَةٌ أُخْرَى، كَأَنَّهُ يَخُصُّ النَّهْيَ بِمَا إِذَا نُبِذَ أَحَدُهُمَا ثُمَّ أُضِيفَ إِلَيْهِ الْآخَرُ، لَا مَا إِذَا نُبِذَا مَعًا. وَاخْتُلِفَ فِي الْخَلِيطَيْنِ مِنَ الْأَشْرِبَةِ غَيْرِ النَّبِيذِ، فَحَكَى ابْنُ التِّينِ عَنْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُخْلَطَ لِلْمَرِيضِ شَرَابَيْنِ، وَرَدَّهُ بِأَنَّهُمَا لَا يَسْرُعُ إِلَيْهِمَا الْإِسْكَارُ اجْتِمَاعًا وَانْفِرَادًا، وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ قَائِلُ ذَلِكَ يَرَى أَنَّ الْعِلَّةَ الْإِسْرَافُ كَمَا تَقَدَّمَ، لَكِنْ يُقَيَّدُ كَلَامُ هَذَا فِي مَسْأَلَةِ الْمَرِيضِ بِمَا إِذَا كَانَ الْمُفْرَدُ كَافِيًا فِي دَوَاءِ ذَلِكَ
vol. 11, p. 69الْمَرَضِ، وَإِلَّا فَلَا مَانِعَ حِينَئِذٍ مِنَ التَّرْكِيبِ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: ثَبَتَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ لِمَا يَحْدُثُ عَنْهَا مِنَ السُّكْرِ، وَجَوَازُ النَّبِيذِ الْحُلْوِ الَّذِي لَا يَحْدُثُ عَنْهُ سُكْرٌ، وَثَبَتَ النَّهْيُ عَنِ الِانْتِبَاذِ فِي الْأَوْعِيَةِ ثُمَّ نُسِخَ، وَعَنِ الْخَلِيطَيْنِ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ: فَقَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ وَأَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ بِالتَّحْرِيمِ وَلَوْ لَمْ يُسْكِرْ، وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ بِالْحِلِّ. قَالَ: وَاتَّفَقَ عُلَمَاؤُنَا عَلَى الْكَرَاهَةِ، لَكِنِ اخْتَلَفُوا هَلْ هُوَ لِلتَّحْرِيمِ أَوْ لِلتَّنْزِيهِ؟ وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ الْمَنْعِ: فَقِيلَ: لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يَشُدُّ الْآخَرَ، وَقِيلَ: لِأَنَّ الْإِسْكَارَ يَسْرُعُ إِلَيْهِمَا. قَالَ: وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْعَسَلَ بِاللَّبَنِ لَيْسَ بِخَلِيطَيْنِ، لِأَنَّ اللَّبَنَ لَا يُنْبَذُ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَا يَجُوزُ خَلْطُ شَرَابَيْ سُكَّرٍ كَالْوَرْدِ وَالْجُلَّابِ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
قَالَ: وَاخْتَلَفُوا فِي الْخَلِيطَيْنِ لِأَجْلِ التَّخْلِيلِ، ثُمَّ قَالَ: وَيَتَحَصَّلُ لَنَا أَرْبَعُ صُوَرٍ: أَنْ يَكُونَ الْخَلِيطَانِ مَنْصُوصَيْنِ فَهُوَ حَرَامٌ، أَوْ مَنْصُوصٌ وَمَسْكُوتٌ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا لَوِ انْفَرَدَ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ قِيَاسًا عَلَى الْمَنْصُوصِ، أَوْ مَسْكُوتٌ عَنْهُمَا وَكُلٌّ مِنْهُمَا لَوِ انْفَرَدَ لَمْ يُسْكِرْ جَازَ. قَالَ: وَهُنَا مَرْتَبَةٌ رَابِعَةٌ وَهِيَ مَا لَوْ خَلَطَ شَيْئَيْنِ وَأَضَافَ إِلَيْهِمَا دَوَاءً يَمْنَعُ الْإِسْكَارَ فَيَجُوزُ فِي الْمَسْكُوتِ عَنْهُ وَيُكْرَهُ فِي الْمَنْصُوصِ. وَمَا نَقَلَهُ عَنِ أَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ وُجِدَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ بِمَا يُوَافِقُهُ فَقَالَ: ثَبَتَ نَهْيُ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ الْخَلِيطَيْنِ، فَلَا يَجُوزُ بِحَالٍ. وَعَنْ مَالِكٍ قَالَ: أَدْرَكْتُ عَلَى ذَلِكَ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: ذَهَبَ إِلَى تَحْرِيمِ الْخَلِيطَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الشَّرَابُ مِنْهُمَا مُسْكِرًا جَمَاعَةٌ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. وَقَالُوا: مَنْ شَرِبَ الْخَلِيطَيْنِ أَثِمَ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الشِّدَّةِ أَثِمَ مِنْ جِهَتَيْنِ، وَخَصَّ اللَّيْثُ النَّهْيَ بِمَا إِذَا نُبِذَا مَعًا اهـ.
-
وَجَرَى ابْنُ حَزْمٍ عَلَى عَادَتِهِ فِي الْجُمُودِ فَخَصَّ النَّهْيَ عَنِ الْخَلِيطَيْنِ بِخَلْطٍ وَاحِدٍ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ وَهِيَ: التَّمْرُ وَالرُّطَبُ وَالزَّهْوُ وَالْبُسْرُ وَالزَّبِيبُ فِي أَحَدِهَا أَوْ فِي غَيْرِهَا، فَأَمَّا لَوْ خُلِطَ وَاحِدٌ مِنْ غَيْرِهَا فِي وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِهَا لَمْ يَمْتَنِعْ كَاللَّبَنِ وَالْعَسَلِ مَثَلًا، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي الْأَشْرِبَةِ مِنْ طَرِيقِ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ نَبِيذًا مِمَّا يَبْغِي أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: النَّهْيُ عَنِ الْخَلِيطَيْنِ ظَاهِرٌ فِي التَّحْرِيمِ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، وَعَنْ مَالِكٍ يُكْرَهُ فَقَطْ، وَشَذَّ مَنْ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَحِلُّ مُنْفَرِدًا فَلَا يُكْرَهُ مُجْتَمِعًا، قَالَ: وَهَذِهِ مُخَالَفَةٌ لِلنَّصِّ، وَقِيَاسٌ مَعَ وُجُودِ الْفَارِقِ، فَهُوَ فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ.
-
ثُمَّ هُوَ مُنْتَقَضٌ بِجَوَازِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْأُخْتَيْنِ مُنْفَرِدَةً وَتَحْرِيمُهُمَا مُجْتَمِعَتَيْنِ، قَالَ: وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَنْ قَالَ مِنْهُمُ: إِنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ السَّرَفِ، قَالَ: وَهَذَا تَبْدِيلٌ لَا تَأْوِيلَ، وَيَشْهَدُ بِبُطْلَانِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ، قَالَ: وَتَسْمِيَةُ الشَّرَابِ إِدَامًا قَوْلُ مَنْ ذَهَلَ عَنِ الشَّرْعِ وَاللُّغَةِ وَالْعُرْفِ، قَالَ: وَالَّذِي يُفْهَمُ مِنَ الْأَحَادِيثِ التَّعْلِيلُ بِخَوْفِ إِسْرَاعِ الشِّدَّةِ بِالْخَلْطِ، وَعَلَى هَذَا يُقْتَصَرُ فِي النَّهْيِ عَنِ الْخَلْطِ عَلَى مَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْإِسْرَاعُ، قَالَ: وَأَفْرَطَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، فَمَنَعَ الْخَلْطَ وَإِنْ لَمْ تُوجَدِ الْعِلَّةُ الْمَذْكُورَةُ، وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَمْنَعَ مِنْ خَلْطِ الْعَسَلِ وَاللَّبَنِ وَالْخَلِّ وَالْعَسَلِ، قُلْتُ: حَكَاهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَقَالَ: إِنَّهُ حَمَلَ النَّهْيَ عَنِ الْخَلِيطَيْنِ مِنَ الْأَشْرِبَةِ عَلَى عُمُومِهِ، وَاسْتَغْرَبَهُ.