٣١ - باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت

125 paragraphs · vol. 13, p. 144

Page 2 of 4

  1. قَوْلُهُ: (فَأَخْشَى) فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ: وَإِنِّي خَائِفٌ.

    vol. 13, p. 148
  2. قَوْلُهُ: (فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ) أَيْ فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ الَّتِي نُسِخَتْ تِلَاوَتُهَا وَبَقِيَ حُكْمُهَا، وَقَدْ وَقَعَ مَا خَشِيَهُ عُمَرُ أَيْضًا فَأَنْكَرَ الرَّجْمَ طَائِفَةٌ مِنَ الْخَوَارِجِ أَوْ مُعْظَمُهُمْ وَبَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اسْتَنَدَ فِي ذَلِكَ إِلَى تَوْقِيفٍ، وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: سَيَجِيءُ قَوْمٌ يُكَذِّبُونَ بِالرَّجْمِ الْحَدِيثَ.

  3. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ: وَإِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ: مَا بَالُ الرَّجْمِ، وَإِنَّمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ الْجَلْدُ، أَلَا قَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ عُمَرَ اسْتَحْضَرَ أَنَّ نَاسًا قَالُوا ذَلِكَ فَرَدَّ عَلَيْهِمْ، وَفِي الْمُوَطَّأِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ عُمَرَ: إِيَّاكُمْ أَنْ تَهْلِكُوا عَنْ آيَةِ الرَّجْمِ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ لَا أَجِدُ حَدَّيْنِ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَقَدْ رَجَمَ.

  4. قَوْلُهُ: (وَالرَّجْمُ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَقٌّ) أَيْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ فَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ رَجْمُ الثَّيِّبِ وَجَلْدُ الْبِكْرِ كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي قِصَّةِ الْعَسِيفِ قَرِيبًا.

  5. قَوْلُهُ: (إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ) أَيْ بِشَرْطِهَا.

  6. قَوْلُهُ: (إِذَا أَحْصَنَ) أَيْ كَانَ بَالِغًا عَاقِلًا قَدْ تَزَوَّجَ حُرَّةً تَزْوِيجًا صَحِيحًا وَجَامَعَهَا.

  7. قَوْلُهُ: (أَوْ كَانَ الْحَبَلُ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ، فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ الْحَمْلُ أَيْ وُجِدَتِ الْمَرْأَةُ الْخَلِيَّةُ مِنْ زَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ حُبْلَى وَلَمْ تُذْكرْ شُبْهَة وَلَا

    vol. 13, p. 149إِكْرَاه.

  8. قَوْلُهُ: (أَوْ الِاعْتِرَافُ) أَيِ الْإِقْرَارُ بِالزِّنَا وَالِاسْتِمْرَارُ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ: أَوْ كَانَ حَمْلًا أَوِ اعْتِرَافًا وَنُصِبَ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ كَانَ الزِّنَا عَنْ حَمْلٍ أَوْ عَنِ اعْتِرَافٍ.

  9. قَوْلُهُ: (ثُمَّ إِنَّا كُنَّا نَقْرَأُ فِيمَا نَقْرَأُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ) أَيْ مِمَّا نُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ.

  10. قَوْلُهُ: (لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ) أَيْ لَا تَنْتَسِبُوا إِلَى غَيْرِهِمْ.

  11. قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ كُفْرٌ بِكَمْ أَنْ تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ، أَوْ إِنَّ كُفْرًا بِكَمْ) كَذَا هُوَ بِالشَّكِّ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ بِالشَّكِّ، لَكِنْ قَالَ: لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ فَإِنَّهُ كُفْرٌ بِكَمْ، أَوْ إِنَّ كُفْرًا بِكَمْ أَنْ تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ، عَنْ مَالِكٍ: فَإِنَّ كُفْرًا بِكَمْ أَنْ تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ.

  12. قَوْلُهُ: (أَلَا ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ: أَلَا وَإِنَّ بِالْوَاوِ بَدَلَ ثُمَّ، وَأَلَا - بِالتَّخْفِيفِ - حَرْفُ افْتِتَاحِ كَلَامٍ غَيْرِ الَّذِي قَبْلَهُ.

  13. قَوْلُهُ: (لَا تُطْرُونِي) هَذَا الْقَدْرُ مِمَّا سَمِعَهُ سُفْيَانُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، أَفْرَدَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ بِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مُفْرَدًا فِي تَرْجَمَةِ عِيسَى عليه السلام مِنْ أَحَادِيثُ الْأَنْبِيَاءُ عَنِ الْحُمَيْدِيِّ بِسَنَدِهِ هَذَا، وَتَقَدَّمَ شَرْحُ الْإِطْرَاءِ.

  14. قَوْلُهُ: (كَمَا أُطْرِيَ عِيسَى) فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ: كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى.

  15. قَوْلُهُ: (وَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ) فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ: فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُ اللَّهِ فَقُولُوا، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: لَا يَلْزَمُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الشَّيْءِ وُقُوعُهُ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا ادَّعَى فِي نَبِيِّنَا مَا ادَّعَتْهُ النَّصَارَى فِي عِيسَى، وَإِنَّمَا سَبَبُ النَّهْيِ فِيمَا يَظْهَرُ مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ مَعَاذِ بْنِ جَبَلٍ لَمَّا اسْتَأْذَنَ فِي السُّجُودِ لَهُ فَامْتَنَعَ وَنَهَاهُ، فَكَأَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُبَالِغَ غَيْرُهُ بِمَا هُوَ فَوْقَ ذَلِكَ فَبَادَرَ إِلَى النَّهْيِ تَأْكِيدًا لِلْأَمْرِ.

    وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: مَعْنَى قَوْلِهِ: لَا تُطْرُونِي لَا تَمْدَحُونِي كَمَدْحِ النَّصَارَى، حَتَّى غَلَا بَعْضُهُمْ فِي عِيسَى فَجَعَلَهُ إِلَهًا مَعَ اللَّهِ، وَبَعْضُهُمُ ادَّعَى أَنَّهُ هُوَ اللَّهُ، وَبَعْضُهُمُ ابْنُ اللَّهِ.

  16. ثُمَّ أَرْدَفَ النَّهْيَ بِقَوْلِهِ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: وَالنُّكْتَةُ فِي إِيرَادِ عُمَرَ هَذِهِ الْقِصَّةَ هُنَا أَنَّهُ خَشِيَ عَلَيْهِمُ الْغُلُوَّ، يَعْنِي خَشِيَ عَلَى مَنْ لَا قُوَّةَ لَهُ فِي الْفَهْمِ أَنْ يَظُنَّ بِشَخْصٍ اسْتِحْقَاقَهُ الْخِلَافَةَ فَيَقُومُ فِي ذَلِكَ، مَعَ أَنَّ الْمَذْكُورَ لَا يَسْتَحِقُّ فَيُطْرِيهِ بِمَا لَيْسَ فِيهِ فَيَدْخُلُ فِي النَّهْيِ.

  17. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْمُنَاسَبَةُ أَنَّ الَّذِي وَقَعَ مِنْهُ فِي مَدْحِ أَبِي بَكْرٍ لَيْسَ مِنَ الْإِطْرَاءِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ: وَلَيْسَ فِيكُمْ مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ، وَمُنَاسَبَةُ إِيرَادِ عُمَرَ قِصَّةَ الرَّجْمِ وَالزَّجْرِ عَنِ الرَّغْبَةِ عَنِ الْآبَاءِ لِلْقِصَّةِ الَّتِي خَطَبَ بِسَبَبِهَا وَهِيَ قَوْلُ الْقَائِلِ: لَوْ مَاتَ عُمَرُ لَبَايَعْتُ فُلَانًا أَنَّهُ أَشَارَ بِقِصَّةِ الرَّجْمِ إِلَى زَجْرِ مَنْ يَقُولُ لَا أَعْمَلُ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ إِلَّا بِمَا وَجَدْتُهُ فِي الْقُرْآنِ، وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ تَصْرِيحٌ بِاشْتِرَاطِ التَّشَاوُرِ إِذَا مَاتَ الْخَلِيفَةُ، بَلْ إِنَّمَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ، كَمَا أَنَّ الرَّجْمَ لَيْسَ فِيمَا يُتْلَى مِنَ الْقُرْآنِ وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ طَرِيقِ السُّنَّةِ.

  18. وَأَمَّا الزَّجْرُ عَنِ الرَّغْبَةِ عَنِ الْآبَاءِ فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْخَلِيفَةَ يَتَنَزَّلُ لِلرَّعِيَّةِ مَنْزِلَةَ الْأَبِ فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَرْغَبُوا إِلَى غَيْرِهِ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ طَاعَتُهُ بِشَرْطِهَا كَمَا تَجِبُ طَاعَةُ الْأَبِ، هَذَا الَّذِي ظَهَرَ لِي مِنَ الْمُنَاسَبَةِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.

  19. قَوْلُهُ: (أَلَا وَإِنَّهَا) أَيْ بَيْعَةَ أَبِي بَكْرٍ.

  20. قَوْلُهُ: (قَدْ كَانَتْ كَذَلِكَ) أَيْ فَلْتَةً، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ عِيسَى، عَنْ مَالِكٍ، حَكَى ثَعْلَبٌ، عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ، وَأَخْرَجَهُ سَيْفٌ فِي الْفُتُوحِ بِسَنَدِهِ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ قَالَ: الْفَلْتَةُ اللَّيْلَةُ الَّتِي يُشَكُّ فِيهَا هَلْ هِيَ مِنْ رَجَبٍ أَوْ شَعْبَانَ وَهَلْ مِنَ الْمُحَرَّمِ أَوْ صَفَرٍ، كَانَ الْعَرَبُ لَا يُشْهِرُونَ السِّلَاحَ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ فَكَانَ مَنْ لَهُ ثَأْرٌ تَرَبَّصَ فَإِذَا جَاءَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةُ انْتَهَزَ الْفُرْصَةَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَحَقَّقَ انْسِلَاخُ الشَّهْرِ فَيَتَمَكَّنُ مِمَّنْ يُرِيدُ إِيقَاعَ الشَّرِّ بِهِ وَهُوَ آمِنٌ فَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ الشَّرُّ الْكَثِيرُ، فَشَبَّهَ عُمَرُ الْحَيَاةَ النَّبَوِيَّةَ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْفَلْتَةَ بِمَا وَقَعَ مِنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ، وَوَقَى اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ بِبَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ لِمَا وَقَعَ مِنْهُ مِنَ النُّهُوضِ فِي قِتَالِهِمْ وَإِخْمَادِ شَوْكَتِهِمْ، كَذَا قَالَ. وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: الْجَامِعُ بَيْنَهُمَا انْتِهَازُ الْفُرْصَةِ، لَكِنْ كَانَ يَنْشَأُ عَنْ أَخْذِ الثَّأْرِ الشَّرُّ الْكَثِيرُ، فَوَقَى اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ شَرَّ ذَلِكَ فَلَمْ يَنْشَأْ عَنْ بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ شَرٌّ، بَلْ

    vol. 13, p. 150أَطَاعَهُ النَّاسُ كُلُّهُمْ مَنْ حَضَرَ الْبَيْعَةَ وَمَنْ غَابَ عَنْهَا. وَفِي قَوْلِهِ: وَقَى اللَّهُ شَرَّهَا إِيمَاءٌ إِلَى التَّحْذِيرِ مِنَ الْوُقُوعِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ حَيْثُ لَا يُؤْمَنُ مِنْ وُقُوعِ الشَّرِّ وَالِاخْتِلَافِ.

  21. قَوْلُهُ: (وَلَكِنَّ اللَّهَ وَقَى شَرَّهَا) أَيْ وَقَاهُمْ مَا فِي الْعَجَلَةِ غَالِبًا مِنَ الشَّرِّ؛ لِأَنَّ مِنَ الْعَادَةِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى الْحِكْمَةِ فِي الشَّيْءِ الَّذِي يَفْعَلُ بَغْتَةً لَا يَرْضَاهُ، وَقَدْ بَيَّنَ عُمَرُ سَبَبَ إِسْرَاعِهِمْ بِبَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ لِمَا خَشَوْا أَنْ يُبَايِعَ الْأَنْصَارُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: عَاجَلُوا بِبَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ خِيفَةَ انْتِشَارِ الْأَمْرِ وَأَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهُ فَيَقَعَ الشَّرُّ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: مَعْنَى قَوْلِهِ: كَانَتْ فَلْتَةً أَنَّهَا وَقَعَتْ مِنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ مَعَ جَمِيعِ مَنْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُشَاوَرَ.

  22. وَأَنْكَرَ هَذِهِ الْكَرَابِيسِيُّ صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ: بَلِ الْمُرَادُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَمَنْ مَعَهُ تَفَلَّتُوا فِي ذَهَابِهِمْ إِلَى الْأَنْصَارِ فَبَايَعُوا أَبَا بَكْرٍ بِحَضْرَتِهِمْ، وَفِيهِمْ مَنْ لَا يَعْرِفُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْعَتِهِ، فَقَالَ: مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ، فَالْمُرَادُ بِالْفَلْتَةِ مَا وَقَعَ مِنْ مُخَالَفَةِ الْأَنْصَارِ وَمَا أَرَادُوهُ مِنْ مُبَايَعَةِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: كَانَتْ فَلْتَةً أَنَّ ابْتِدَاءَهَا كَانَ عَنْ غَيْرِ مَلَأٍ كَثِيرٍ، وَالشَّيْءُ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ يُقَالُ لَهُ الْفَلْتَةُ فَيُتَوَقَّعُ فِيهِ مَا لَعَلَّهُ يَحْدُثُ مِنَ الشَّرِّ بِمُخَالَفَةِ مَنْ يُخَالِفُ فِي ذَلِكَ عَادَةً، فَكَفَى اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ الشَّرَّ الْمُتَوَقَّعَ فِي ذَلِكَ عَادَةً، لَا أَنَّ بَيْعَةَ أَبِي بَكْرٍ كَانَ فِيهَا شَرٌّ.

  23. قَوْلُهُ: (وَلَيْسَ فِيكُمْ مَنْ تُقْطَعُ الْأَعْنَاقُ إِلَيْهِ مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يُرِيدُ أَنَّ السَّابِقَ مِنْكُمُ الَّذِي لَا يُلْحَقُ فِي الْفَضْلِ لَا يَصِلُ إِلَى مَنْزِلَةِ أَبِي بَكْرٍ، فَلَا يَطْمَعُ أَحَدٌ أَنْ يَقَعَ لَهُ مِثْلُ مَا وَقَعَ لِأَبِي بَكْرٍ مِنَ الْمُبَايَعَةِ لَهُ أَوَّلًا فِي الْمَلَأِ الْيَسِيرِ، ثُمَّ اجْتِمَاعِ النَّاسِ عَلَيْهِ وَعَدَمِ اخْتِلَافِهِمْ عَلَيْهِ لِمَا تَحَقَّقُوا مِنِ اسْتِحْقَاقِهِ فَلَمْ يَحْتَاجُوا فِي أَمْرِهِ إِلَى نَظَرٍ وَلَا إِلَى مُشَاوَرَةٍ أُخْرَى، وَلَيْسَ غَيْرُهُ فِي ذَلِكَ مِثْلَهُ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.

  24. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى التَّحْذِيرِ مِنَ الْمُسَارَعَةِ إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ حَيْثُ لَا يَكُونُ هُنَاكَ مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ لِمَا اجْتَمَعَ فِيهِ مِنَ الصِّفَاتِ الْمَحْمُودَةِ مِنْ قِيَامِهِ فِي أَمْرِ اللَّهِ، وَلِينِ جَانِبِهِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَحُسْنِ خُلُقِهِ، وَمَعْرِفَتِهِ بِالسِّيَاسَةِ وَوَرَعِهِ التَّامِّ مِمَّنْ لَا يُوجَدُ فِيهِ مِثْلُ صِفَاتِهِ لَا يُؤْمَنُ مِنْ مُبَايَعَتِهِ عَنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ - الِاخْتِلَافُ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ الشَّرُّ، وَعَبَّرَ بِقَوْلِهِ: تُقْطَعُ الْأَعْنَاقُ لِكَوْنِ النَّاظِرِ إِلَى السَّابِقِ تَمْتَدُّ عُنُقُهُ لِيَنْظُرَ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ مَقْصُودُهُ مِنْ سَبْقِ مَنْ يُرِيدُ سَبْقَهُ قِيلَ انْقَطَعَتْ عُنُقُهُ، أَوْ لِأَنَّ الْمُتَسَابِقَيْنِ تَمْتَدُّ إِلَى رُؤْيَتِهِمَا الْأَعْنَاقُ حَتَّى يَغِيبَ السَّابِقُ عَنِ النَّظَرِ، فَعَبَّرَ عَنِ امْتِنَاعِ نَظَرِهِ بِانْقِطَاعِ عُنُقِهِ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: هُوَ مَثَلٌ، يُقَالُ لِلْفَرَسِ الْجَوَادِ: تَقَطَّعَتْ أَعْنَاقُ الْخَيْلِ دُونَ لَحَاقِهِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي مَعْشَرٍ الْمَذْكُورَةِ: وَمِنْ أَيْنَ لَنَا مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ تُمَدُّ أَعْنَاقُنَا إِلَيْهِ.

  25. قَوْلُهُ: (مِنْ غَيْرِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ مِنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَبِسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ فَلَا يُبَايَعُ بِالْمُوَحَّدَةِ، وَجَاءَ بِالْمُثَنَّاةِ وَهُوَ أَوْلَى لِقَوْلِهِ هُوَ وَالَّذِي تَابَعَهُ.

  26. قَوْلُهُ: (تَغِرَّةَ أَنْ يُقْتَلَا) بِمُثَنَّاةٍ مَفْتُوحَةٍ وَغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ مَكْسُورَةٍ وَرَاءٍ ثَقِيلَةٍ بَعْدَهَا هَاءُ تَأْنِيثٍ أَيْ حَذَرًا مِنَ الْقَتْلِ، وَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ أَغَرَرْتُهُ تَغْرِيرًا أَوْ تَغِرَّةً، وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ غَرَّرَ بِنَفْسِهِ وَبِصَاحِبِهِ وَعَرَّضَهُمَا لِلْقَتْلِ.

  27. قَوْلُهُ: (وَإِنَّهُ قَدْ كَانَ مِنْ خَبَرِنَا) كَذَا لِلْأَكْثَرِ مِنَ الْخَبَرِ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، وَوَقَعَ لِلْمُسْتَمْلِي بِسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالضَّمِيرُ لِأَبِي بَكْرٍ، وَعَلَى هَذَا فَيُقْرَأُ: إِنَّ الْأَنْصَارَ بِالْكَسْرِ عَلَى أَنَّهُ ابْتِدَاءُ كَلَامٍ آخَرَ، وَعَلَى رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ بِفَتْحِ هَمْزَةِ أَنَّ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ كَانَ.

  28. قَوْلُهُ: (خَالَفُونَا) أَيْ لَمْ يَجْتَمِعُوا مَعَنَا فِي مَنْزِلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

  29. قَوْلُهُ: (وَخَالَفَ عَنَّا عَلِيٌّ، وَالزُّبَيْرُ وَمَنْ مَعَهُمَا) فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ، وَمَعْمَرٍ: وَأَنَّ عَلِيًّا، وَالزُّبَيْرَ وَمَنْ كَانَ مَعَهُمَا تَخَلَّفُوا فِي بَيْتِ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ لَكِنْ قَالَ الْعَبَّاسَ بَدَلَ الزُّبَيْرِ.

  30. قَوْلُهُ: (يَا أَبَا بَكْرٍ انْطَلِقْ بِنَا إِلَى إِخْوَانِنَا) زَادَ فِي رِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ، عَنْ مَالِكٍ: فَبَيْنَمَا نَحْنُ فِي مَنْزِلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا بِرَجُلٍ يُنَادِي مِنْ وَرَاءِ الْجِدَارِ: اخْرُجْ إِلَيَّ يَا ابْنَ

    vol. 13, p. 151الْخَطَّابِ، فَقُلْتُ: إِلَيْكَ عَنِّي؛ فَإِنِّي مَشْغُولٌ، قَالَ: اخْرُجْ إِلَيَّ فَإِنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ، إِنَّ الْأَنْصَارَ اجْتَمَعُوا فَأَدْرِكُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثُوا أَمْرًا يَكُونُ بَيْنَكُمْ فِيهِ حَرْبٌ، فَقُلْتُ لِأَبِي بَكْرٍ: انْطَلِقْ.

  31. قَوْلُهُ: (فَانْطَلَقْنَا نُرِيدُهُمْ) زَادَ جُوَيْرِيَةُ: فَلَقِيَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ بِيَدِهِ يَمْشِي بَيْنِي وَبَيْنَهُ.

  32. قَوْلُهُ: (لَقِيَنَا رَجُلَانِ صَالِحَانِ) فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: شَهِدَا بَدْرًا، كَمَا تَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ: رَجُلَا صِدْقٍ عُوَيْمَ بْنَ سَاعِدَةَ، وَمَعْنَ بْنَ عَدِيٍّ كَذَا أَدْرَجَ تَسْمِيَتَهُمَا، وَبَيَّنَ مَالِكٌ أَنَّهُ قَوْلُ عُرْوَةَ وَلَفْظُهُ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ أَنَّهُمَا مَعْنُ بْنُ عَدِيٍّ، وَعُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: هُمَا وَلَمْ يَذْكُرْ عُرْوَةَ، ثُمَّ وَجَدْتُهُ مِنْ رِوَايَةِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ رِوَايَةً فِي هَذَا الْبَابِ بِزِيَادَةٍ، فَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ وَقَالَ فِيهِ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ الرَّجُلَيْنِ فَسَمَّاهُمَا وَزَادَ: فَأَمَّا عُوَيْمٌ فَهُوَ الَّذِي بَلَغَنَا أَنَّهُ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنِ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾؟ قَالَ: نِعْمَ الْمَرْءُ مِنْهُمْ عُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ.

  33. وَأَمَّا مَعْنٌ فَبَلَغَنَا أَنَّ النَّاسَ بَكَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ تَوَفَّاهُ اللَّهُ وَقَالُوا: وَدِدْنَا أَنَّا مِتْنَا قَبْلَهُ لِئَلَّا نُفْتَتَنَ بَعْدَهُ، فَقَالَ مَعْنُ بْنُ عَدِيٍّ: وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنْ لَوْ مِتُّ قَبْلَهُ حَتَّى أُصَدِّقَهُ مَيِّتًا كَمَا صَدَّقْتُهُ حَيًّا، وَاسْتُشْهِدَ بِالْيَمَامَةِ.

  34. قَوْلُهُ: (مَا تَمَالَأَ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْهَمْزِ أَيِ اتَّفَقَ، وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ: الَّذِي صَنَعَ الْقَوْمُ أَيْ مِنِ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنْ يُبَايِعُوا لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ.

  35. قَوْلُهُ: (لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَقْرَبُوهُمْ) لَا بَعْدَ أَنْ زَائِدَةٌ.

  36. قَوْلُهُ: (اقْضُوا أَمْرَكُمْ) فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ امْهَلُوا حَتَّى تَقْضُوا أَمْرَكُمْ، وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْأَنْصَارَ كُلَّهَا لَمْ تَجْتَمِعْ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ.

  37. قَوْلُهُ: (مُزَمَّلٌ) بِزَايٍ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ الْمَفْتُوحَةِ أَيْ مُلَفَّفٌ.

  38. قَوْلُهُ: (بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالنُّونِ أَيْ فِي وَسَطِهِمْ.

  39. قَوْلُهُ: (يُوعَكُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ يَحْصُلُ لَهُ الْوَعْكُ - وَهُوَ الْحُمَّى بِنَافِضٍ - وَلِذَلِكَ زُمِّلَ، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ: وُعِكَ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمَاضِي، وَزَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ لِسَعْدٍ مِنْ هَوْلِ ذَلِكَ الْمَقَامِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ سَعْدًا كَانَ مِنَ الشُّجْعَانِ وَالَّذِينَ كَانُوا عِنْدَهُ أَعْوَانَهُ وَأَنْصَارَهُ وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى تَأْمِيرِهِ، وَسِيَاقُ عُمَرَ يَقْتَضِي أَنَّهُ جَاءَ فَوَجَدَهُ مَوْعُوكًا، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ حَصَلَ لَهُ بَعْدَ كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ لَكَانَ لَهُ بَعْضُ اتِّجَاهٍ لِأَنَّ مِثْلَهُ قَدْ يَكُونُ مِنَ الْغَيْظِ، وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: قَالُوا: سَعْدٌ وُجِعَ يُوعَكُ، وَكَأَنَّ سَعْدًا كَانَ مَوْعُوكًا فَلَمَّا اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ - وَهُوَ مَنْسُوبَةٌ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ كَانَ كَبِيرَ بَنِي سَاعِدَةَ خَرَجَ إِلَيْهِمْ مِنْ مَنْزِلِهِ وَهُوَ بِتِلْكَ الْحَالَةِ، فَطَرَقَهُمْ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ.

  40. قَوْلُهُ: (تَشَهَّدَ خَطِيبُهُمْ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، وَكَانَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شِمَاسٍ يُدْعَى خَطِيبَ الْأَنْصَارِ فَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ هُوَ.