٩ - باب ما جاء في المتأولين
70 paragraphs · vol. 13, p. 303
Page 2 of 2
- vol. 13, p. 308
قَوْلُهُ: (وَلَيْسَ مِنْ أَصْحَابِكَ أَحَدٌ إِلَّا لَهُ هُنَالِكَ) وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي هُنَاكَ مِنْ قَوْمِهِ مَنْ يَدْفَعُ اللَّهَ بِهِ عَنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ، وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ وَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ إِلَّا لَهُ بِمَكَّةَ مَنْ يَحْفَظُهُ فِي عِيَالِهِ غَيْرِي.
-
قَوْلُهُ: (قَالَ: صَدَقَ، وَلَا تَقُولُوا لَهُ إِلَّا خَيْرًا) وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ﷺ عَرَفَ صِدْقَهُ مِمَّا ذُكِرَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِوَحْيٍ.
-
قَوْلُهُ: (فَعَادَ عُمَرُ) أَيْ عَادَ إِلَى الْكَلَامِ الْأَوَّلِ فِي حَاطِبٍ وَفِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ؛ فَأَمَّا الْمَرَّةُ الْأُولَى
vol. 13, p. 309فَكَانَ فِيهَا مَعْذُورًا لِأَنَّهُ لَمْ يَتَّضِحْ لَهُ عُذْرُهُ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَكَانَ اتَّضَحَ عُذْرُهُ وَصَدَّقَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِيهِ وَنَهَى أَنْ يَقُولُوا لَهُ إِلَّا خَيْرًا، فَفِي إِعَادَةِ عُمَرَ الْكَلَامَ إِشْكَالٌ. وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ صِدْقَهُ فِي عُذْرِهِ لَا يَدْفَعُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنَ الْقَتْلِ، وَتَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ فِي تَفْسِيرِ الْمُمْتَحَنَةِ.
-
قَوْلُهُ: (فَلِأَضْرِبَ عُنُقَهُ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ هُوَ بِكَسْرِ اللَّامِ وَنَصْبِ الْبَاءِ وَهُوَ فِي تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ وَهُوَ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أَيِ اتْرُكْنِي لِأَضْرِبَ عُنُقَهُ فَتَرْكُكَ لِي مِنْ أَجْلِ الضَّرْبِ، وَيَجُوزُ سُكُونُ الْبَاءِ وَالْفَاءُ زَائِدَةٌ عَلَى رَأْيِ الْأَخْفَشِ وَاللَّامُ لِلْأَمْرِ، وَيَجُوزُ فَتْحُهَا عَلَى لُغَةٍ وَأَمْرُ الْمُتَكَلِّمِ نَفْسَهُ بِاللَّامِ فَصِيحٌ قَلِيلُ الِاسْتِعْمَالِ.
-
وَفِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ: دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ عُمَرُ فَاخْتَرَطْتُ سَيْفِي وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْكِنِّي مِنْهُ فَإِنَّهُ قَدْ كَفَرَ، وَقَدْ أَنْكَرَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَقَالَ لَيْسَتْ بِمَعْرُوفَةٍ؛ قَالَهُ فِي الرَّدِّ عَلَى الْجَاحِظِ لِأَنَّهُ احْتَجَّ بِهَا عَلَى تَكْفِيرِ الْعَاصِي، وَلَيْسَ لِإِنْكَارِ الْقَاضِي مَعْنًى لِأَنَّهَا وَرَدَتْ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ وَذَكَرَ الْبَرْقَانِيُّ فِي مُسْتَخْرَجِهِ أَنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَهَا، وَرَدَّهُ الْحُمَيْدِيُّ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مُسْلِمًا خَرَّجَ سَنَدَهَا وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهَا، وَإِذَا ثَبَتَ فَلَعَلَّهُ أَطْلَقَ الْكُفْرَ وَأَرَادَ بِهِ كُفْرَ النِّعْمَةِ كَمَا أَطْلَقَ النِّفَاقَ وَأَرَادَ بِهِ نِفَاقَ الْمَعْصِيَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ اسْتَأْذَنَ فِي ضَرْبِ عُنُقِهِ فَأَشْعَرَ بِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ نَافَقَ نِفَاقَ كُفْرٍ وَلِذَلِكَ أَطْلَقَ أَنَّهُ كَفَرَ، وَلَكِنْ مَعَ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ يَرَى تَكْفِيرَ مَنِ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً وَلَوْ كَبُرَتْ كَمَا يَقُولُهُ الْمُبْتَدِعَةُ وَلَكِنَّهُ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ ذَلِكَ فِي حَقِّ حَاطِبٍ، فَلَمَّا بَيَّنَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ عُذْرَ حَاطِبٍ رَجَعَ.
-
قَوْلُهُ: (أَوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ) فِي رِوَايَةِ الْحَارِثِ: أَوَ لَيْسَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا وَهُوَ اسْتِفْهَامُ تَقْرِيرٍ، وَجَزَمَ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ أَنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَزَادَ الْحَارِثُ: فَقَالَ عُمَرُ بَلَى وَلَكِنَّهُ نَكَثَ وَظَاهَرَ أَعْدَاءَكَ عَلَيْكَ.
-
قَوْلُهُ: (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ) تَقَدَّمَ فِي فَضْلِ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا رِوَايَةُ مَنْ رَوَاهُ بِالْجَزْمِ وَالْبَحْثُ فِي ذَلِكَ وَفِي مَعْنَى قَوْلِهِ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ ذُنُوبَهُمْ تَقَعُ مَغْفُورَةً حَتَّى لَوْ تَرَكُوا فَرْضًا مَثَلًا لَمْ يُؤَاخَذُوا بِذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ فِي قِصَّةِ الَّذِي حَرَسَ لَيْلَةَ حُنَيْنٍ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : هَلْ نَزَلْتَ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا لِقَضَاءِ حَاجَةٍ قَالَ لَا عَلَيْكَ أَنْ لَا تَعْمَلَ بَعْدَهَا.
-
وَهَذَا يُوَافِقُ مَا فَهِمَهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ عَلِيٍّ فِيمَنْ قَتَلَ الْحَرُورِيَّةَ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ بِمَا قَضَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ لِمَنْ قَتَلَهُمْ لَنَكَلْتُمْ عَنِ الْعَمَلِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، فَهَذَا فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ مَنْ بَاشَرَ بَعْضَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ يُثَابُ مِنْ جَزِيلِ الثَّوَابِ بِمَا يُقَاوِمُ الْآثَامَ الْحَاصِلَةَ مِنْ تَرْكِ الْفَرَائِضِ الْكَثِيرَةِ، وَقَدْ تَعَقَّبَ ابْنُ بَطَّالٍ عَلَى أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ فَقَالَ: هَذَا الَّذِي قَالَهُ ظَنًّا مِنْهُ لِأَنَّ عَلِيًّا عَلَى مَكَانَتِهِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ وَالدِّينِ لَا يَقْتُلُ إِلَّا مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ، وَوَجَّهَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَالْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ قَوْلَ السُّلَمِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ أَنَّ عَلِيًّا اسْتَفَادَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ الْجَزْمَ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَعَرَفَ أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ مِنْهُ خَطَأٌ فِي اجْتِهَادِهِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِهِ قَطْعًا، كَذَا قَالَ وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ فِيمَا أَخْطَأَ فِيهِ إِذَا بَذَلَ فِيهِ وُسْعَهُ، وَلَهُ مَعَ ذَلِكَ أَجْرٌ فَإِنْ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَالْحَقُّ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ مُصِيبًا فِي حُرُوبِهِ فَلَهُ فِي كُلِّ مَا اجْتَهَدَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ أَجْرَانِ، فَظَهَرَ أَنَّ الَّذِي فَهِمَهُ السُّلَمِيُّ اسْتَنَدَ فِيهِ إِلَى ظَنِّهِ كَمَا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
وَلَوْ كَانَ الَّذِي فَهِمَهُ السُّلَمِيُّ صَحِيحًا لَكَانَ عَلِيٌّ يَتَجَرَّأُ عَلَى غَيْرِ الدِّمَاءِ كَالْأَمْوَالِ، وَالْوَاقِعُ أَنَّهُ كَانَ فِي غَايَةِ الْوَرَعِ وَهُوَ الْقَائِلُ: يَا صَفْرَاءُ وَيَا بَيْضَاءُ غُرِّي غَيْرِي وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ قَطُّ فِي أَمْرِ الْمَالِ إِلَّا التَّحَرِّي بِالْمُهْمَلَةِ لَا التَّجَرِّي بِالْجِيمِ.
-
قَوْلُهُ: (فَقَدْ أَوْجَبْتُ لَكُمُ الْجَنَّةَ) فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ: فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ وَكَذَا فِي حَدِيثِ عُمَرَ، وَمِثْلُهُ فِي
vol. 13, p. 310مَغَازِي أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ وَكَذَا عِنْدَ أَبِي عَائِدٍ.
-
قَوْلُهُ: (فَاغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهُ) بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ السَّاكِنَةِ وَالرَّاءِ الْمُكَرَّرَةِ بَيْنَهُمَا وَاوٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ قَافٌ أَيِ امْتَلَأَتْ مِنَ الدُّمُوعِ حَتَّى كَأَنَّهَا غَرِقَتْ فَهُوَ افْعَوْعَلَتْ مِنَ الْغَرَقِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ: فَفَاضَتْ عَيْنَا عُمَرَ وَيُجْمَعُ عَلَى أَنَّهَا امْتَلَأَتْ ثُمَّ فَاضَتْ.
-
قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ الْمُصَنِّفُ.
-
قَوْلُهُ: (خَاخٌ أَصَحُّ) يَعْنِي بِمُعْجَمَتَيْنِ.
-
قَوْلُهُ: (وَلَكِنْ كَذَا قَالَ أَبُو عَوَانَةُ حَاجٌ) أَيْ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ جِيمٍ.
-
قَوْلُهُ: (وَحَاجٌ تَصْحِيفٌ وَهُوَ مَوْضِعٌ) . قُلْتُ: تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
-
قَوْلُهُ: (وَهُشَيْمٌ يَقُولُ خَاخٌ) وَقَعَ لِلْأَكْثَرِ بِالْمُعْجَمَتَيْنِ، وَقِيلَ بَلْ هُوَ كَقَوْلِ أَبِي عَوَانَةَ وَبِهِ جَزَمَ السُّهَيْلِيُّ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمَّا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِهِ فِي الْجِهَادِ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ: رَوْضَةَ كَذَا كَمَا تَقَدَّمَ فَلَوْ كَانَ بِالْمُعْجَمَتَيْنِ لَمَا كَنَى عَنْهُ، وَوَقَعَ فِي السِّيرَةِ لِلْقُطْبِ الْحَلَبِيِّ رَوْضَةُ خَاخٍ بِمُعْجَمَتَيْنِ وَكَانَ هُشَيْمٌ يَرْوِي الْأَخِيرَةَ مِنْهَا بِالْجِيمِ وَكَذَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، انْتَهَى.
-
وَهُوَ يُوهِمُ أَنَّ الْمُغَايَرَةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ إِنَّمَا هُوَ فِي الْخَاءِ الْآخِرَةِ فَقَطْ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ وَقَعَ كَذَلِكَ فِي الْأُولَى فَعِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ أَنَّهَا بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ جَزْمًا وَأَمَّا هُشَيْمٌ فَالرِّوَايَةُ عَنْهُ مُحْتَمَلَةٌ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ وَلَوْ بَلَغَ بِالصَّلَاحِ أَنْ يُقْطَعَ لَهُ بِالْجَنَّةِ لَا يُعْصَمُ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الذَّنْبِ لِأَنَّ حَاطِبًا دَخَلَ فِيمَنْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُمُ الْجَنَّةَ وَوَقَعَ مِنْهُ مَا وَقَعَ، وَفِيهِ تَعَقُّبٌ عَلَى مَنْ تَأَوَّلَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ أَنَّهُمْ حُفِظُوا مِنَ الْوُقُوعِ فِي شَيْءٍ مِنَ الذُّنُوبِ.
-
وَفِيهِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ كَفَّرَ الْمُسْلِمَ بِارْتِكَابِ الذَّنْبِ، وَعَلَى مَنْ جَزَمَ بِتَخْلِيدِهِ فِي النَّارِ، وَعَلَى مَنْ قَطَعَ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يُعَذَّبَ.
-
وَفِيهِ أَنَّ مَنْ وَقَعَ مِنْهُ الْخَطَأُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَجْحَدَهُ بَلْ يَعْتَرِفُ وَيَعْتَذِرُ لِئَلَّا يَجْمَعَ بَيْنَ ذَنْبَيْنِ.
-
وَفِيهِ جَوَازُ التَّشْدِيدِ فِي اسْتِخْلَاصِ الْحَقِّ وَالتَّهْدِيدِ بِمَا لَا يَفْعَلُهُ الْمُهَدِّدُ تَخْوِيفًا لِمَنْ يُسْتَخْرَجُ مِنْهُ الْحَقُّ.
-
وَفِيهِ هَتْكُ سِتْرِ الْجَاسُوسِ، وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ يَرَى قَتْلَهُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ لِاسْتِئْذَانِ عُمَرَ فِي قَتْلِهِ وَلَمْ يَرُدَّهُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ إِلَّا لِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَيَّدَهُ بِأَنْ يَتَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَالْمَعْرُوفُ عَنْ مَالِكٍ يَجْتَهِدُ فِيهِ الْإِمَامُ، وَقَدْ نَقَلَ الطَّحَاوِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْجَاسُوسَ الْمُسْلِمَ لَا يُبَاحُ دَمُهُ، وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْأَكْثَرُ يُعَزَّرُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْهَيْئَاتِ يُعْفَى عَنْهُ. وَكَذَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يُوجَعُ عُقُوبَةً وَيُطَالُ حَبْسُهُ.
-
وَفِيهِ الْعَفْوُ عَنْ زَلَّةِ ذَوِي الْهَيْئَةِ. وَأَجَابَ الطَّبَرِيُّ عَنْ قِصَّةِ حَاطِبٍ وَاحْتِجَاجُ مَنِ احْتَجَّ بِأَنَّهُ إِنَّمَا صَفَحَ عَنْهُ لِمَا أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ صِدْقِهِ فِي اعْتِذَارِهِ فَلَا يَكُونُ غَيْرُهُ كَذَلِكَ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَهُوَ ظَنٌّ خَطَأٌ لِأَنَّ أَحْكَامَ اللَّهِ فِي عِبَادِهِ إِنَّمَا تَجْرِي عَلَى مَا ظَهَرَ مِنْهُمْ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا بِحَضْرَتِهِ وَلَمْ يُبِحْ لَهُ قَتْلَهُمْ مَعَ ذَلِكَ لِإِظْهَارِهِمُ الْإِسْلَامَ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ مَنْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ.
-
وَفِيهِ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ إِطْلَاعُ اللَّهِ نَبِيَّهُ عَلَى قِصَّةِ حَاطِبٍ مَعَ الْمَرْأَةِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ مِنَ الرِّوَايَاتِ فِي ذَلِكَ، وَفِيهِ إِشَارَةُ الْكَبِيرِ عَلَى الْإِمَامِ بِمَا يَظْهَرُ لَهُ مِنَ الرَّأْيِ الْعَائِدِ نَفْعُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَيَتَخَيَّرُ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ.
-
وَفِيهِ جَوَازُ الْعَفْوِ عَنِ الْعَاصِي. وَفِيهِ أَنَّ الْعَاصِيَ لَا حُرْمَةَ لَهُ وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْأَجْنَبِيَّةَ يَحْرُمُ النَّظَرُ إِلَيْهَا مُؤْمِنَةً كَانَتْ أَوْ كَافِرَةً وَلَوْلَا أَنَّهَا لِعِصْيَانِهَا سَقَطَتْ حُرْمَتُهَا مَا هَدَّدَهَا عَلِيٌّ بِتَجْرِيدِهَا قَالَهُ ابْنُ بَطَّالٍ.
-
وَفِيهِ جَوَازُ غُفْرَانِ جَمِيعِ الذُّنُوبِ الْجَائِزَةِ الْوُقُوعُ عَمَّنْ شَاءَ اللَّهُ خِلَافًا لِمَنْ أَبَى ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ، وَقَدِ اسْتُشْكِلَتْ إِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَى مِسْطَحٍ بِقَذْفِ عَائِشَةَ رضي الله عنها كَمَا تَقَدَّمَ مَعَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ فَلَمْ يُسَامَحْ بِمَا ارْتَكَبَهُ مِنَ الْكَبِيرَةِ وَسُومِحَ حَاطِبٌ، وَعُلِّلَ بِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، وَالْجَوَابُ مَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ فَضْلِ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا أَنَّ مَحَلَّ الْعَفْوِ عَنِ الْبَدْرِيِّ فِي الْأُمُورِ الَّتِي لَا حَدَّ فِيهَا.
-
وَفِيهِ جَوَازُ غُفْرَانِ مَا تَأَخَّرَ مِنَ الذُّنُوبِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الدُّعَاءُ بِهِ فِي عِدَّةِ أَخْبَارٍ، وَقَدْ جَمَعْتُ جُزْءًا فِي الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي بَيَانِ
vol. 13, p. 311الْأَعْمَالِ الْمَوْعُودِ لِعَامِلِهَا بِغُفْرَانِ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ سَمَّيْتُهُ الْخِصَالُ الْمُكَفِّرَةُ لِلذُّنُوبِ الْمُقَدَّمَةِ وَالْمُؤَخَّرَةِ وَفِيهَا عِدَّةُ أَحَادِيثَ بِأَسَانِيدَ جِيَادٍ، وَفِيهِ تَأَدُّبُ عُمَرَ، وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي إِقَامَةُ الْحَدِّ وَالتَّأْدِيبُ بِحَضْرَةِ الْإِمَامِ إِلَّا بَعْدَ اسْتِئْذَانِهِ.
-
وَفِيهِ مَنْقَبَةٌ لِعُمَرَ وَلِأَهْلِ بَدْرٍ كُلِّهِمْ، وَفِيهِ الْبُكَاءُ عِنْدَ السُّرُورِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ بَكَى حِينَئِذٍ لِمَا لَحِقَهُ مِنَ الْخُشُوعِ وَالنَّدَمِ عَلَى مَا قَالَهُ فِي حَقِّ حَاطِبٍ.
-
(خَاتِمَةٌ)
-
اشْتَمَلَ كِتَابُ اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى أَحَدٍ وَعِشْرِينَ حَدِيثًا فِيهَا وَاحِدٌ مُعَلَّقٌ وَالْبَقِيَّةُ مَوْصُولَةٌ، الْمُكَرَّرُ مِنْهُ فِيهِ وَفِيمَا مَضَى سَبْعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا وَالْأَرْبَعَةُ خَالِصَةٌ، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا جَمِيعِهَا، وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ سَبْعَةُ آثَارٍ بَعْضُهَا مَوْصُولٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
بسم الله الرحمن الرحيم