١٥ - باب احتيال العامل ليهدى له
17 paragraphs · vol. 13, p. 348
- vol. 13, p. 348
٦٩٧٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ يُدْعَى ابْنَ الْلَّتَبِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ قَالَ: هَذَا مَالُكُمْ وَهَذَا هَدِيَّةٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَهَلَّا جَلَسْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا ثُمَّ خَطَبَنَا فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ عَلَى الْعَمَلِ مِمَّا وَلَّانِي اللَّهُ، فَيَأْتِي فَيَقُولُ: هَذَا مَالُكُمْ وَهَذَا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي، أَفَلَا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ حَتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ، وَاللَّهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ إِلَّا لَقِيَ اللَّهَ يَحْمِلُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَلَأَعْرِفَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَقِيَ اللَّهَ يَحْمِلُ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ. ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ حَتَّى رُئِيَ بَيَاضُ إِبْطِهِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ بَصْرَ عَيْنِي وَسَمْعَ أُذُنِي.
-
٦٩٨٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : الْجَارُ أَحَقُّ بِسقَبِهِ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنْ اشْتَرَى دَارًا بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَحْتَالَ حَتَّى يَشْتَرِيَ الدَّارَ بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَيَنْقُدَهُ تِسْعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ وَتِسْعَ مِائَةِ دِرْهَمٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ وَيَنْقُدَهُ دِينَارًا بِمَا بَقِيَ مِنْ الْعِشْرِينَ الْأَلْفَ فَإِنْ طَلَبَ الشَّفِيعُ أَخَذَهَا بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَإِلَّا فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الدَّارِ فَإِنْ اسْتُحِقَّتْ الدَّارُ رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِمَا دَفَعَ إِلَيْهِ وَهُوَ تِسْعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ وَتِسْعُ مِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ دِرْهَمًا وَدِينَارٌ، لِأَنَّ الْبَيْعَ حِينَ اسْتُحِقَّ انْتَقَضَ الصَّرْفُ فِي الدار، فَإِنْ وَجَدَ بِهَذِهِ الدَّارِ عَيْبًا وَلَمْ تُسْتَحَقَّ فَإِنَّهُ يَرُدُّهَا عَلَيْهِ بِعِشْرِينَ أَلْفَا. قَالَ: فَأَجَازَ هَذَا الْخِدَاعَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، قال: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْعُ الْمُسْلِمِ لَا دَاءَ وَلَا خِبْثَةَ وَلَا غَائِلَةَ.
- vol. 13, p. 349
٦٩٨١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ أَنَّ أَبَا رَافِعٍ سَاوَمَ سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ بَيْتًا بِأَرْبَعِ مِائَةِ مِثْقَالٍ قال: وَقَالَ لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: الْجَارُ أَحَقُّ بِسقَبِهِ مَا أَعْطَيْتُكَ.
-
قَوْلُهُ: (بَابُ احْتِيَالِ الْعَامِلِ لِيُهْدَى لَهُ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ فِي قِصَّةِ ابْنِ اللُّتَبِيَّةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ شَرْحِهِ فِي الْهِبَةِ وَتَقَدَّمَتْ تَسْمِيَتُهُ وَضَبْطُ اللُّتَبِيَّةِ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ، وَيَأْتِي اسْتِيفَاءُ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
وَمُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ تَمَلُّكَهُ مَا أُهْدِيَ لَهُ إِنَّمَا كَانَ لِعِلَّةِ كَوْنِهِ عَامِلًا فَاعْتَقَدَ أَنَّ الَّذِي أُهْدِيَ لَهُ يَسْتَبِدُّ بِهِ دُونَ أَصْحَابِ الْحُقُوقِ الَّتِي عَمِلَ فِيهَا، فَبَيَّنَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الْحُقُوقَ الَّتِي عَمِلَ لِأَجْلِهَا هِيَ السَّبَبُ فِي الْإِهْدَاءِ لَهُ وَأَنَّهُ لَوْ أَقَامَ فِي مَنْزِلِهِ لَمْ يُهْدَ لَهُ شَيْءٌ، فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَحِلَّهَا بِمُجَرَّدِ كَوْنِهَا وَصَلَتْ إِلَيْهِ عَلَى طَرِيقِ الْهَدِيَّةِ فَإِنَّ ذَاكَ إِنَّمَا يَكُونُ حَيْثُ يَتَمَحَّضُ الْحَقُّ لَهُ، وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ: بَصُرَ عَيْنِي وَسَمِعَ أُذُنِي بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ.
قَالَ الْمُهَلَّبُ: حِيلَةُ الْعَامِلِ لِيُهْدَى لَهُ تَقَعُ بِأَنْ يُسَامِحَ بَعْضَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ فَلِذَلِكَ قَالَ: هَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أُمِّهِ لِيَنْظُرَ هَلْ يُهْدَى لَهُ فَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ لَوْلَا الطَّمَعُ فِي وَضْعِهِ مِنَ الْحَقِّ مَا أُهْدِيَ لَهُ، قَالَ: فَأَوْجَبَ النَّبِيُّ ﷺ أَخْذَ الْهَدِيَّةِ وَضَمَّهَا إِلَى أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ، كَذَا قَالَ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى أَخْذِ ذَلِكَ مِنْهُ صَرِيحًا.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الْهَدِيَّةَ لِلْعَامِلِ تَكُونُ لِشُكْرِ مَعْرُوفِهِ أَوْ لِلتَّحَبُّبِ إِلَيْهِ أَوْ لِلطَّمَعِ فِي وَضْعِهِ مِنَ الْحَقِّ، فَأَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أَنَّهُ فِيمَا يُهْدَى لَهُ مِنْ ذَلِكَ كَأَحَدِ الْمُسْلِمِينَ لَا فَضْلَ لَهُ عَلَيْهِمْ فِيهِ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِئْثَارُ بِهِ انْتَهَى.
-
وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الصُّورَةَ الثَّالِثَةَ إِنْ وَقَعَتْ لَمْ تَحِلَّ لِلْعَامِلِ جَزْمًا وَمَا قَبْلَهَا فِي طَرَفِ الِاحْتِمَالِ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذَا فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ إِلَخْ) كَذَا وَقَعَ لِلْأَكْثَرِ هَذَا الْحَدِيثُ وَمَا بَعْدَهُ مُتَّصِلًا بِبَابِ احْتِيَالِ الْعَامِلِ، وَأَظُنُّهُ وَقَعَ هُنَا تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ فَإِنَّ الْحَدِيثَ وَمَا بَعْدَهُ يَتَعَلَّقُ بِبَابِ الْهِبَةِ وَالشُّفْعَةِ، فَلَمَّا جَعَلَ التَّرْجَمَةَ مُشْتَرَكَةً جَمَعَ مَسَائِلَهَا، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْكِرْمَانِيُّ إِنَّهُ مِنْ تَصَرُّفِ النَّقَلَةِ، وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ بَطَّالٍ هُنَا بَابٌ بِلَا تَرْجَمَةٍ ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ وَمَا بَعْدَهُ ثُمَّ ذَكَرَ بَابُ احْتِيَالِ الْعَامِلِ، وَعَلَى هَذَا فَلَا إِشْكَالَ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ كَالْفَصْلِ مِنَ الْبَابِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْأَصْلِ بَعْدَ قِصَّةِ ابْنِ اللُّتَبِيَّةِ بَابٌ بِلَا تَرْجَمَةٍ فَسَقَطَتِ التَّرْجَمَةُ فَقَطْ أَوْ بَيَّضَ لَهَا فِي الْأَصْلِ.
-
قَوْلُهُ: (وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ إِنِ اشْتَرَى دَارًا) أَيْ أَرَادَ شِرَاءَ دَارٍ (بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَحْتَالَ) أَيْ عَلَى إِسْقَاطِ الشُّفْعَةِ، (حَتَّى يَشْتَرِيَ الدَّارَ بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَيَنْقُدَهُ) أَيْ يَنْقُدَ الْبَائِعَ (تِسْعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ وَتِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ وَيَنْقُدَهُ دِينَارًا بِمَا بَقِيَ مِنَ الْعِشْرِينَ أَلْف) أَيْ مُصَارَفَةً عَنْهَا. (فَإِنْ طَالَبَهُ الشَّفِيعُ أَخَذَهَا بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ) أَيْ إِنْ رَضِيَ بِالثَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ (وَإِلَّا فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الدَّارِ) أَيْ لِسُقُوطِ الشُّفْعَةِ لِكَوْنِهِ امْتَنَعَ مِنْ بَدَلِ الثَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ بِهِ الْعَقْدُ.
-
قَوْلُهُ: (فَإِنِ اسْتُحِقَّتِ الدَّارُ) بِلَفْظِ الْمَجْهُولِ أَيْ ظَهَرَتْ مُسْتَحَقَّةً لِغَيْرِ الْبَائِعِ (رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِمَا دَفَعَ إِلَيْهِ وَهُوَ تِسْعَةُ آلَافٍ إِلَخْ) أَيْ لِكَوْنِ الْقَدْرِ الَّذِي تَسَلَّمَهُ مِنْهُ وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ (لِأَنَّ الْمَبِيعَ حِينَ اسْتُحِقَّ) أَيْ لِلْغَيْرِ (انْتَقَضَ الصَّرْفُ) أَيِ الَّذِي وَقَعَ بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فِي الدَّارِ الْمَذْكُورَةِ (بِالدِّينَارِ) ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، فِي الدِّينَارِ وَهُوَ أَوْجَهُ.
-
قَوْلُهُ: (فَإِنْ وَجَدَ بِهَذِهِ الدَّارِ عَيْبًا وَلَمْ تُسْتَحَقَّ) أَيْ لَمْ تَخْرُجْ مُسْتَحَقَّةً (فَإِنَّهُ يَرُدُّهَا عَلَيْهِ بِعِشْرِينَ أَلْفًا) أَيْ وَهَذَا تَنَاقُضٌ بَيِّنٌ
vol. 13, p. 350وَمِنْ ثَمَّ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: (فَأَجَازَ هَذَا الْخِدَاعَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ) وَالْفَرْقُ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْبَيْعَ فِي الْأَوَّلِ كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى شِرَاءِ الدَّارِ وَهُوَ مُنْفَسِخٌ. وَيَلْزَمُ عَدَمُ التَّقَابُضِ فِي الْمَجْلِسِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ وَهُوَ الدَّرَاهِمُ وَالدِّينَارُ بِخِلَافِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ فَإِنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ وَإِنَّمَا يَنْفَسِخُ بِاخْتِيَارِ الْمُشْتَرِي. وَأَمَّا بَيْعُ الصَّرْفِ فَكَانَ وَقَعَ صَحِيحًا فَلَا يَلْزَمُ مِنْ فَسْخِ هَذَا بُطْلَانُ هَذَا.
وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِنَّمَا خُصَّ الْقَدْرُ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِالْمِثَالِ لِأَنَّ بَيْعَ الْفِضَّةِ بِالذَّهَبِ مُتَفَاضِلًا إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ فَبَنَى الْقَائِلُ أَصْلَهُ عَلَى ذَلِكَ فَأَجَازَ صَرْفَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَدِينَارٍ بِأَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا جَعَلَ الْعَشَرَةَ دَرَاهِمَ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَجَعَلَ الدِّينَارَ بِدِرْهَمٍ، وَمَنْ جَعَلَ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ الدِّينَارَ بِعَشَرَةِ آلَافٍ لِيَسْتَعْظِمَ الشَّفِيعُ الثَّمَنَ الَّذِي انْعَقَدَتْ عَلَيْهِ الصِّيغَةُ فَيَتْرُكَ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ فَتَسْقُطَ شُفْعَتُهُ وَلَا الْتِفَاتَ إِلَى مَا أَنْقَدَهُ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ تَجَاوَزَ لِلْبَائِعِ عِنْدَ النَّقْدِ، وَخَالَفَ مَالِكٌ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: الْمُرَاعَى فِي ذَلِكَ النَّقْدُ الَّذِي حَصَلَ فِي يَدِ الْبَائِعِ فَبِهِ يَأْخُذُ الشَّفِيعُ بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَالرَّدُّ بِالْعَيْبِ لَا يَرْجِعُ إِلَّا بِمَا نَقَدَهُ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى تَنَاقُضِ الَّذِي احْتَالَ فِي إِسْقَاطِ الشُّفْعَةِ حَيْثُ قَالَ: فَإِنِ اسْتُحِقَّتِ الدَّارُ أَيْ إِنْ ظَهَرَ أَنَّهَا مُسْتَحَقَّةٌ لِغَيْرِ الْبَائِعِ إِلَخْ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِلْجَمَاعَةِ فِي أَنَّ الْمُشْتَرِيَ عِنْدَ الِاسْتِحْقَاقِ لَا يَرُدُّ إِلَّا مَا قَبَضَهُ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ انْتَهَى مُلَخَّصًا مُوَضَّحًا.
وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: النُّكْتَةُ فِي جَعْلِهِ الدِّينَارَ فِي مُقَابَلَةِ عَشَرَةِ آلَافٍ وَدِرْهَمٍ وَلَمْ يَجْعَلْهُ فِي مُقَابَلَةِ الْعَشَرَةِ آلَافِ فَقَطْ لِأَنَّ الثَّمَنَ فِي الْحَقِيقَةِ عَشَرَةُ آلَافٍ بِقَرِينَةِ نَقْدِهِ هَذَا الْمِقْدَارَ، فَلَوْ جَعَلَ الْعَشَرَةَ وَالدِّينَارَ فِي مُقَابَلَةِ الثَّمَنِ الْحَقِيقِيِّ لَلَزِمَ الرِّبَا، بِخِلَافِ مَا إِذَا نَقَصَ دِرْهَمًا فَإِنَّ الدِّينَارَ فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ الْوَاحِدِ وَالْأَلْفِ إِلَّا وَاحِدًا فِي مُقَابَلَةِ الْأَلْفِ إِلَّا وَاحِدًا بِغَيْرِ تَفَاضُلٍ.
وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: مُنَاسَبَةُ هَذَا الْحَدِيثِ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْخَبَرَ لَمَّا دَلَّ عَلَى أَنَّ الْجَارَ أَحَقُّ بِالْمَبِيعِ مِنْ غَيْرِهِ مُرَاعَاةً لِحَقِّهِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ أَحَقَّ أَنْ يُرْفَقَ بِهِ فِي الثَّمَنِ وَلَا يُقَامُ عَلَيْهِ عُرُوضٌ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا، وَقَدْ فَهِمَ الصَّحَابِيُّ رَاوِي الْخَبَرِ هَذَا الْقَدْرَ فَقَدَّمَ الْجَارَ فِي الْعَقْدِ بِالثَّمَنِ الَّذِي دَفَعَهُ إِلَيْهِ عَلَى مَنْ دَفَعَ إِلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْهُ بِقَدْرِ رُبْعِهِ مُرَاعَاةً لِحَقِّ الْجَارِ الَّذِي أَمَرَ الشَّارِعُ بِمُرَاعَاتِهِ.
-
قَوْلُهُ: (فَأَجَازَ هَذَا الْخِدَاعَ) أَيِ الْحِيلَةَ فِي إِيقَاعِ الشَّرِيكِ فِي الْغَبْنِ الشَّدِيدِ إِنْ أَخَذَ بِالشُّفْعَةِ أَوْ إِبْطَالِ حَقِّهِ إِنْ تَرَكَ خَشْيَةً مِنَ الْغَبْنِ فِي الثَّمَنِ بِالزِّيَادَةِ الْفَاحِشَةِ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ مَسْأَلَةَ الِاسْتِحْقَاقِ الَّتِي مَضَتْ لِيَسْتَدِلَّ بِهَا عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَاصِدًا لِلْحِيلَةِ فِي إِبْطَالِ الشُّفْعَةِ، وَعَقَّبَ بِذِكْرِ مَسْأَلَةِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ لِيُبَيِّنَ أَنَّهُ تَحَكُّمٌ، وَكَانَ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ إِلَّا مَا قَبَضَهُ لَا زَائِدًا عَلَيْهِ.
-
قَوْلُهُ: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : بَيْعُ الْمُسْلِمِ لَا دَاءَ ولَا خِبْثَةَ) قَالَ ابْنُ التِّينِ: ضَبَطْنَاهُ بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ، وَقِيلَ هُوَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ لُغَتَانِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هُوَ أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ غَيْرَ طَيِّبٍ كَأَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْمٍ لَمْ يَحِلَّ سَبْيُهُمْ لِعَهْدٍ تَقَدَّمَ لَهُمْ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَهَذَا فِي عُهْدَةِ الرَّقِيقِ.
قُلْتُ: إِنَّمَا خَصَّهُ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْخَبَرَ إِنَّمَا وَرَدَ فِيهِ. قَالَ: وَالْغَائِلَةُ أَنْ يَأْتِيَ أَمْرًا سِرًّا كَالتَّدْلِيسِ وَنَحْوِهِ.
قُلْتُ: وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ طَرَفٌ تَقَدَّمَ بِكَمَالِهِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْبُيُوعِ مِنْ حَدِيثِ الْعَدَّاءِ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ مَهْمُوزًا ابْنِ خَالِدٍ أَنَّهُ اشْتَرَى مِنَ النَّبِيِّ ﷺ عَبْدًا أَوْ أَمَةً وَكَتَبَ لَهُ الْعُهْدَةَ هَذَا مَا اشْتَرَى الْعَدَّاءُ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَبْدًا أَوْ أَمَةً لَا دَاءَ وَلَا غَائِلَةَ وَلَا خِبْثَةَ بَيْعَ الْمُسْلِمِ لِلْمُسْلِمِ. وَسَنَدُهُ حَسَنٌ، وَلَهُ طُرُقٌ إِلَى الْعَدَّاءِ وَذُكِرَ هُنَاكَ تَفْسِيرُ الْغَائِلَةِ بِالسَّرِقَةِ وَالْإِبَاقِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ قَوْلِ قَتَادَةَ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاحْتِيَالُ فِي شَيْءٍ مِنْ بُيُوعِ الْمُسْلِمِينَ بِالصَّرْفِ الْمَذْكُورِ وَلَا غَيْرِهِ.
قُلْتُ: وَوَجْهُهُ أَنَّ الْحَدِيثَ وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُ لَفْظَ الْخَبَرِ لَكِنَّ مَعْنَاهُ
vol. 13, p. 351النَّهْيُ، وَيُؤْخَذُ مِنْ عُمُومِهِ أَنَّ الِاحْتِيَالَ فِي كُلِّ بَيْعٍ مِنْ بُيُوعِ الْمُسْلِمِينَ لَا يَحِلُّ، فَيَدْخُلُ فِيهِ صَرْفُ دِينَارٍ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
-
قَوْلُهُ في آخر الباب: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى) هُوَ الْقَطَّانُ وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ، وَقَوْلُهُ: أَنَّ أَبَا رَافِعٍ سَاوَمَ سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ هُوَ ابْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ بِالشَّكِّ أَنَّ سَعْدًا سَاوَمَ أَبَا رَافِعٍ أَوْ أَبُو رَافِعٍ سَاوَمَ سَعْدًا، وَلَا أَثَرَ لِهَذَا الشَّكِّ، وَقَوْلُهُ: بَيْتًا بِأَرْبَعِمِائَةِ مِثْقَالٍ فِيهِ بَيَانُ الثَّمَنِ الْمَذْكُورِ.
-
قَوْلُهُ: (قَالَ: وَقَالَ لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ إِلَخْ) الْقَائِلُ الْأَوَّلُ عَمْرُو بْنُ الشَّرِيدِ وَالثَّانِي أَبُو رَافِعٍ، وَقَدْ بَيَّنَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ فِي رِوَايَتِهِ وَلَفْظُهُ: فَقَالَ: أَبُو رَافِعٍ لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ إِلَخْ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُهُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
- (خَاتِمَةٌ) :
-
اشْتَمَلَ كِتَابُ الْحِيَلِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى أَحَدٍ وَثَلَاثِينَ حَدِيثًا، الْمُعَلَّقُ مِنْهَا وَاحِدٌ وَسَائِرُهَا مَوْصُولٌ وَكُلُّهَا مُكَرَّرَةٌ فِيهِ وَفِيمَا تَقَدَّمَ، وَفِيهِ أَثَرٌ وَاحِدٌ عَنْ أَيُّوبَ. وَاللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
-
بسم الله الرحمن الرحيم