(باب استحباب إدامة الحاج التلبية حتى يشرع في رمي
4 paragraphs · vol. 9, p. 25
- vol. 9, p. 25
[١٢٨٠] قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أُسَامَةَ (رَدِفْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من عَرَفَاتٍ) هَذَا دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الرُّكُوبِ فِي الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَاتٍ وَعَلَى جَوَازِ الْإِرْدَافِ عَلَى الدَّابَّةِ إِذَا كَانَتْ مُطِيقَةً وَعَلَى جَوَازِ الِارْتِدَافِ مَعَ أَهْلِ الْفَضْلِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ خِلَافَ الْأَدَبِ قَوْلُهُ (فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ الْوَضُوءَ فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا) فَقَوْلُهُ فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ الْوَضُوءَ الْوَضُوءُ هُنَا بِفَتْحِ الْوَاوِ وَهُوَ الْمَاءُ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ وَسَبَقَ فِيهِ لُغَةٌ أَنَّهُ يُقَالُ بِالضَّمِّ وَلَيْسَتْ بِشَيْءٍ وَقَوْلُهُ (فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا) يَعْنِي تَوَضَّأَ وُضُوءَ الصَّلَاةِ وَخَفَّفَهُ بِأَنْ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً أَوْ خَفَّفَ اسْتِعْمَالَ الْمَاءِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَالِبِ عَادَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَلَمْ يَسْبُغِ الْوُضُوءِ أَيْ لَمْ يَفْعَلْهُ عَلَى
vol. 9, p. 26الْعَادَةِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِعَانَةِ فِي الْوُضُوءِ قَالَ أَصْحَابُنَا الِاسْتِعَانَةُ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا أَنْ يَسْتَعِينَ فِي إِحْضَارِ الْمَاءِ مِنَ الْبِئْرِ وَالْبَيْتِ وَنَحْوِهِمَا وَتَقْدِيمِهِ إِلَيْهِ وَهَذَا جَائِزٌ وَلَا يُقَالُ إِنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى وَالثَّانِي أَنْ يَسْتَعِينَ بِمَنْ يَغْسِلُ الْأَعْضَاءَ فَهَذَا مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْذُورًا بِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ وَالثَّالِثُ أَنْ يَسْتَعِينَ بِمَنْ يَصُبُّ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ فَلَا بَأْسَ وَإِلَّا فَهُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى وَهَلْ يُسَمَّى مَكْرُوهًا فِيهِ وجهان لاصحابنا أصحهما ليس بمكروه لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ نَهْيٌ وَأَمَّا اسْتِعَانَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأُسَامَةَ وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَبِالرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ فَلِبَيَانِ الْجَوَازِ وَيَكُونُ أَفْضَلَ فِي حَقِّهِ حِينَئِذٍ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْبَيَانِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (قُلْتُ الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ الصَّلَاةُ أَمَامَكَ) مَعْنَاهُ أَنَّ أُسَامَةَ ذَكَّرَهُ بِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَظَنَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَسِيَهَا حَيْثُ أَخَّرَهَا عَنِ الْعَادَةِ الْمَعْرُوفَةِ فِي غَيْرِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةُ أَمَامَكَ أَيْ إِنَّ الصَّلَاةَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ مَشْرُوعَةٌ فِيمَا بَيْنَ يَدَيْكَ أَيْ فِي الْمُزْدَلِفَةِ فَفِيهِ اسْتِحْبَابُ تَذْكِيرِ التَّابِعِ الْمَتْبُوعَ بِمَا تَرَكَهُ خِلَافَ الْعَادَةِ لِيَفْعَلَهُ أَوْ يَعْتَذِرَ عَنْهُ أَوْ يُبَيِّنَ لَهُ وَجْهَ صَوَابِهِ وَأَنَّ مُخَالَفَتَهُ لِلْعَادَةِ سَبَبُهَا كَذَا وَكَذَا وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةُ أَمَامَكَ فَفِيهِ أَنَّ السُّنَّةَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ تَأْخِيرُ الْمَغْرِبِ إِلَى الْعِشَاءِ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الْمُزْدَلِفَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ هُوَ بِوَاجِبٍ بَلْ سُنَّةٍ فَلَوْ صَلَّاهُمَا فِي طَرِيقِهِ أَوْ صَلَّى كُلَّ وَاحِدَةٍ فِي وَقْتِهَا جَازَ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ إِنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ فِي وَقْتِهَا لَزِمَهُ إِعَادَتُهَا وَهَذَا شَاذٌّ ضَعِيفٌ
-
[١٢٨١] قَوْلُهُ (لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى بَلَغَ الْجَمْرَةَ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَسْتَدِيمُ التَّلْبِيَةَ حَتَّى يَشْرَعَ فِي رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ غَدَاةَ يَوْمِ النَّحْرِ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ
vol. 9, p. 27وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ يُلَبِّي حَتَّى يُصَلِّيَ الصُّبْحَ يَوْمَ عَرَفَةَ ثُمَّ يَقْطَعُ وَحُكِيَ عَنْ علي وبن عُمَرَ وَعَائِشَةَ وَمَالِكٍ وَجُمْهُورِ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُ يُلَبِّي حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ يَوْمَ عَرَفَةَ وَلَا يُلَبِّي بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْوُقُوفِ وَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَبَعْضُ السَّلَفِ يُلَبِّي حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَدَلِيلُ الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ هَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ مَعَ الْأَحَادِيثِ بَعْدَهُ وَلَا حُجَّةَ لِلْآخَرِينَ فِي مُخَالَفَتِهَا فَيَتَعَيَّنُ اتِّبَاعَ السُّنَّةِ
-
[١٢٨٢] وَأَمَّا قوله في الرواية الأخرى (لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ) فَقَدْ يَحْتَجُّ بِهِ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ لِمَذْهَبِهِمَا وَيُجِيبُ الْجُمْهُورُ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ حَتَّى شَرَعَ فِي الرَّمْيِ لِيُجْمَعَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ قَوْلُهُ (غَدَاةَ جَمْعٍ) هِيَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الْمِيمِ وَهِيَ الْمُزْدَلِفَةُ وَسَبَقَ بَيَانُهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ) هَذَا إِرْشَادٌ إِلَى الْأَدَبِ وَالسُّنَّةِ فِي السَّيْرِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَيَلْحَقُ بِهَا سَائِرُ مَوَاضِعِ الزِّحَامِ قَوْلُهُ (وَهُوَ كَافٌّ نَاقَتَهُ) أَيْ يَمْنَعُهَا الْإِسْرَاعَ قَوْلُهُ (دَخَلَ مُحَسِّرًا وَهُوَ مِنْ مِنًى) إِلَخْ أَمَّا مُحَسِّرٌ فَسَبَقَ ضَبْطُهُ وَبَيَانُهُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ فِي صِفَةِ حَجَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (بِحَصَى الْخَذْفِ) قَالَ الْعُلَمَاءُ هُوَ نَحْوُ حَبَّةِ الْبَاقِلَّا قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَوْ رَمَى بِأَكْبَرَ مِنْهَا أَوْ
vol. 9, p. 28أَصْغَرَ جَازَ وَكَانَ مَكْرُوهًا وَأَمَّا قَوْلُهُ (يُشِيرُ بِيَدِهِ كَمَا يَخْذِفُ الْإِنْسَانُ) فَالْمُرَادُ بِهِ الْإِيضَاحُ وَزِيَادَةُ الْبَيَانِ لِحَصَى الْخَذْفِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الرَّمْيَ يَكُونُ عَلَى هَيْئَةِ الْخَذْفِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا قَدْ قَالَ بِاسْتِحْبَابِ ذَلِكَ لَكِنَّهُ غَلَطٌ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ كَوْنُ الرَّمْيِ عَلَى هَيْئَةِ الْخَذْفِ فَقَدْ ثَبَتَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّهْيِ عَنِ الْخَذْفِ وَإِنَّمَا مَعْنَى هَذِهِ الْإِشَارَةِ مَا قَدَّمْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
-
[١٢٨٣] قَوْلُهُ (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ وَنَحْنُ بِجَمْعٍ سَمِعْتُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ يَقُولُ فِي هَذَا الْمَقَامِ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ إِدَامَةِ التَّلْبِيَةِ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ كَمَا سَبَقَ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ قَوْلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَسُورَةِ النِّسَاءِ وَشِبْهِ ذَلِكَ وَكَرِهَ ذَلِكَ بَعْضُ الْأَوَائِلِ وَقَالَ إِنَّمَا يُقَالُ السُّورَةُ الَّتِي تُذْكَرُ فِيهَا الْبَقَرَةُ وَالسُّورَةُ الَّتِي تُذْكَرُ فِيهَا النِّسَاءُ وَشِبْهُ ذَلِكَ وَالصَّوَابُ جَوَازُ قَوْلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَسُورَةِ النِّسَاءِ وَسُورَةِ الْمَائِدَةِ وَغَيْرِهَا وَبِهَذَا قَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ وَتَظَاهَرَتْ بِهِ الأحاديث الصحيحة
vol. 9, p. 29مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ كَحَدِيثِ مَنْ قَرَأَ الْآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ سَمِعْتُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البقرة فإنما خص البقرة لِأَنَّ مُعْظَمَ أَحْكَامِ الْمَنَاسِكِ فِيهَا فَكَأَنَّهُ قَالَ هَذَا مَقَامُ مَنْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ الْمَنَاسِكُ وَأُخِذَ عَنْهُ الشَّرْعُ وَبَيَّنَ الْأَحْكَامَ فَاعْتَمِدُوهُ وَأَرَادَ بِذَلِكَ الرَّدَّ عَلَى مَنْ يَقُولُ بِقَطْعِ التَّلْبِيَةِ مِنَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ لَبَّى حِينَ أَفَاضَ من جمع فقيل أعرابي هذا فقال بن مَسْعُودٍ مَا قَالَ إِنْكَارًا عَلَى الْمُعْتَرِضِ وَرَدًّا عليه والله أعلم