- باب ما ينهى عنه من المساومة والمبايعة
181 paragraphs · vol. 6, p. 520
Page 5 of 5
- vol. 6, p. 535
وَقَدْ قِيلَ إِنَّ الْحَلْبَةَ الثَّالِثَةَ رِضًا مِنْهُ بِهَا
-
وَكُلُّ ذَلِكَ لِأَصْحَابِ مَالِكٍ وَالْأَصَحُّ الْأَوَّلُ
-
قَالَ أَبُو عُمَرَ الْمَعْنَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُصَرَّاةَ لَمَّا كَانَ لَبَنُهَا مَغِيبًا لَا يُوقَفُ عَلَى مَبْلَغِهِ لِاخْتِلَاطِ لَبَنِ التَّصْرِيَةِ بِغَيْرِهِ مِمَّا يَحْدُثُ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي مِنْ يَوْمِهِ وَجَهِلَ مِقْدَارَهُ وَأَمْكَنَ التَّدَاعِي فِي قِيمَةِ قَطْعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخُصُومَةَ فِي ذَلِكَ بِمَا حَدَّهُ فِيهِ مِنَ الصَّاعِ الْمَذْكُورِ كَمَا فَعَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دِيَةِ الْجَنِينِ قَطَعَ فِيهِ بِالْغُرَّةِ حَسْمًا لِتَدَاعِي الْمَوْتِ فِيهِ وَالْحَيَاةِ لِأَنَّ الْجَنِينَ لَمَّا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ حَيًّا فِي حِينِ ضُرِبَ بَطْنُ أُمِّهِ فَتَكُونَ فِيهِ الدِّيَةُ كَامِلَةٌ وَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ مَيِّتًا فَلَا يَكُونُ فِيهِ شَيْءٌ قَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّنَازُعَ فِيهِ وَالْخِصَامَ بِأَنْ جَعَلَ فِيهِ غُرَّةَ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ لِأَنَّهُ لَا يُوقَفُ عَلَى صِحَّتِهِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ إِذَا رَمَتْهُ مَيِّتًا
-
وَفِي اتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْقَوْلِ بِحَدِيثِ الْجَنِينِ فِي دِيَةِ الْجَنِينِ دَلِيلٌ عَلَى لُزُومِ الْقَوْلِ بِحَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ وَتَسْلِيمًا لَهَا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
-
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ لَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِحَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ وَادَّعَوْا أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِالْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي أَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ وَالْغَلَّةَ بِالضَّمَانِ
-
قَالُوا وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّبَنَ الْمَحْلُوبَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى - وَهُوَ لَبَنُ التَّصْرِيَةِ وَقَدْ خَالَطَهُ جُزْءٌ مِنَ اللَّبَنِ الْحَادِثِ فِي مِلْكِ الْمُبْتَاعِ وَكَذَلِكَ الْمَرَّةُ الثَّانِيَةُ
-
وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَبَهَا ثَالِثَةً مِثْلَ ذَلِكَ غَلَّةٌ طَارِئَةٌ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي فَكَيْفَ يَرُدُّ لَهُ شَيْئًا
-
قَالُوا وَالْأُصُولُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهَا فِي الْمُسْتَهْلَكَاتِ أَنَّهَا لَا تُضْمَنُ إِلَّا بِالْمِثْلِ أَوْ بِالْقِيمَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ فَكَيْفَ يَجُوزُ الْقَوْلُ فِي ضَمَانِ لَبَنِ التَّصْرِيَةِ الَّذِي حَلَبَهُ الْمُشْتَرِي فِي أَوَّلِ حَلْبَةٍ وَهُوَ مِلْكُ الْبَائِعِ فِي حِينِ الْبَيْعِ لَمْ يُضْمَنْ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ
vol. 6, p. 536فَاتَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي أَوْ لَمْ يَفُتْ وَهُوَ مِمَّا قَدْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ الصَّفْقَةُ كَمَا وَقَعَتْ عَلَى الْمُصَرَّاةِ نَفْسِهَا
-
وَقَالُوا وَهَذَا كُلُّهُ يُبَيِّنُ أَنَّ الْحَدِيثَ فِي الْمُصَرَّاةِ مَنْسُوخٌ كَمَا نُسِخَتِ الْعُقُوبَاتُ فِي غَرَامَةِ مِثْلَيِ الشَّيْءِ وَذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَرِيسَةِ الْجَبَلِ الَّتِي لَا قَطْعَ فِيهَا غَرَامَةُ مِثْلَيْهَا وَجَلَدَاتُ نَكَالٍ نَسَخَهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ (فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) الْبَقَرَةِ ١٩٤
-
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ مَنْسُوخٌ أَيْضًا بِتَحْرِيمِ الرِّبَا لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وهاء وجعل فِيمَنِ اسْتَهْلَكَ طَعَامًا طَعَامًا مِثْلَهُ قَالَ فَإِنْ فَاتَ فَقِيمَتُهُ ذَهَبًا أَوْ وَرِقًا
-
قَالُوا وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ الْمُصَرَّاةِ مَنْسُوخٌ
-
قال أبو عمر حديث المصراة حديث صَحِيحٌ لَا يَدْفَعُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ وَمَعْنَاهُ صَحِيحٌ فِي أُصُولِ السُّنَّةِ وَذَلِكَ أَنَّ لَبَنَ التَّصْرِيَةِ لَمَّا اخْتَلَطَ بِاللَّبَنِ الطَّارِئِ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي لَمْ يَتَهَيَّأْ تَقْدِيرُ مَا لِلْبَائِعِ مِنْ ذَلِكَ فَيَكُونُ عَلَى الْمُشْتَرِي قِيمَتُهُ لِأَنَّ تَقْوِيمَ مَا لَا يُعْرَفُ غَيْرُ مُمْكِنٍ وَلَمَّا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَيْءٌ مِنَ اللَّبَنِ وَكَانَا جَمِيعًا عَاجِزَيْنِ عَنْ تَحْدِيدِهِ حَكَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْبَائِعِ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ الْغَالِبَ فِي قُوتِهِمْ يَوْمَئِذٍ
-
وَفِي الْأُصُولِ مَا يَشْهَدُ لِذَلِكَ مِثْلُ حُكْمِهِ فِي الْجَنِينِ وَفِي الْأَصَابِعِ وَالْأَسْنَانِ جَعَلَ الصَّغِيرَ مِنْهَا كَالْكَبِيرِ
-
وَكَذَلِكَ الْمُوضِحَةُ حَكَمَ فِي صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا بِحُكْمٍ وَاحِدٍ لِأَنَّهُ لَا يُوقَفُ عَلَى صِحَّةِ تَفْضِيلِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْجَمَالِ وَالْمَنْفَعَةِ
-
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ وَمُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ وَعَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ الْمُزَنِيُّ وَغَيْرُهُمْ قَالُوا حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزَّنْجِيُّ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى عَبْدًا فَاسْتَغَلَّهُ ثُمَّ ظَهَرَ مِنْهُ عَلَى عَيْبٍ فَخَاصَمَ فِيهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَضَى لَهُ بِرَدِّهِ فَقَالَ الْبَائِعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهُ قَدْ أَخَذَ خَرَاجَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ((الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ
vol. 6, p. 537هَذَا لَفْظُ الشَّافِعِيِّ
-
وَقَالَ الْمُزَنِيُّ فَقَالَ الرَّجُلُ إِنَّهُ قَدِ اسْتَغَلَّهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ((الْغَلَّةُ بِالضَّمَانِ) )
-
وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حدثنا يحيى عن بن أَبِي ذِئْبٍ عَنْ مَخْلَدِ بْنِ خُفَافِ بْنِ إِيمَاءٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ((الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ) )
-
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْمُصَرَّاةَ إِذَا رَدَّهَا مُشْتَرِيهَا بِعَيْبِ التَّصْرِيَةِ أَوْ بِعَيْبٍ غَيْرِ التَّصْرِيَةِ لَمْ يَرُدَّ اللَّبَنَ الْحَادِثَ فِي مِلْكِهِ لِأَنَّهُ غَلَّةٌ طَرَأَتْ فِي مِلْكِهِ وَكَانَ ضَامِنًا لِأَصْلِهَا وَلَمَّا جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي لَبَنِ التَّصْرِيَةِ الَّتِي وَقَعَتْ عَلَيْهِ الصَّفْقَةُ مَعَ الشَّاةِ أَوِ النَّاقَةِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ عُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ عِبَادَةٌ لَيْسَ بِقِيمَةٍ
-
وَلَمَّا كَانَ لَبَنُ الشَّاةِ يختلف وكذلك لبن البقرة والنافة وَلَمْ يَجْعَلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي لَبَنِ الْمُصَرَّاةِ كَيْفَ كَانَتْ إِلَّا الصَّاعَ الْمَذْكُورَ عُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ عِبَادَةٌ لِمَا وَصَفْنَا مِنْ قَطْعِ شِعْبِ الْخُصُومَةِ أَوْ كَمَا شَاءَ اللَّهُ
-
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَنْبَغِي أَلَّا يَجِبَ فِي لَبَنِ شَاةٍ غُرَّةٌ أَوْ بَقَرَاتٍ غُرَّةٌ أَوْ نُوقٍ غُرَّةٌ إِلَّا الصَّاعَ عِبَادَةً وَتَسْلِيمًا فَيَكُونُ ذَلِكَ خَارِجًا عَنْ سَائِرِ الْبُيُوعِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
-
وَيَشْهَدُ لِمَا وَصَفْنَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ((لَا تُصَرُّوا الْإِبِلَ وَلَا الْغَنَمَ فَمَنِ اشْتَرَى مُصَرَّاةً - يَعْنِي مِنَ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ وَرِوَايَةُ مَنْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَنِ اشْتَرَى غَنَمًا مُصَرَّاةً وَرِوَايَةُ مَنْ رَوَى شَاةً مُصَرَّاةً ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا وَإِنَّ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ) ) فَلَمْ يَجْعَلْ فِي الْغَنَمِ الْمُصَرَّاةِ إِلَّا مَا جَعَلَ فِي الشَّاةِ الْمُصَرَّاةِ وَلَمْ يَخُصَّ الْمُصَرَّاةَ مِنَ الْغَنَمِ وَلَا الْبَقَرِ وَلَا الْإِبِلِ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ وَيَتَبَايَنُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ