- باب تحريم الخمر
87 paragraphs · vol. 8, p. 20
Page 2 of 3
- vol. 8, p. 24
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ ذَكَرْنَا فِي بَابٍ الْحَدِّ فِي الْخَمْرِ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ مُجْمِعُونَ على تحريم خمر العنب ووجوب الحد على شَارِبِ قَلِيلِهَا وَإِنْ كَانُوا قَدِ اخْتَلَفُوا فِي مَبْلَغِ حَدِّهِ وَذَكَرْنَا مَا حَدُّوهُ فِي عَصِيرِ الْعِنَبِ مَتَى يَكُونُ خَمْرًا وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ إِذَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَهُوَ خَمْرٌ
-
وَمِنْهُمْ مَنْ حَدَّهُ بِالْغَلَيَانِ
-
وَمِنْهُمْ مَنْ حَدَّهُ بِالْأَزْبَادِ
-
وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ الْحَدَّ فِيهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً
-
وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ يَوْمَيْنِ
-
وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ
-
وَإِذَا حَمَلْتَ ذَلِكَ فَهُوَ مَعْنًى مُتَقَارِبٌ كُلُّهُ لِجَمْعِهِ أَنْ يَكُونَ كَثِيرُهَا يُسْكِرُ جِنْسًا فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَهِيَ الْخَمْرُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِي تَحْرِيمِهَا وَفِي تَكْفِيرِ مُسْتَحِلِّهَا
-
وَاخْتَلَفُوا فِي النَّبِيذِ الصُّلْبِ الشَّدِيدِ
-
فَقَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا وَفِي بَعْضِ الْمُوطَّآتِ السُّنَّةُ عِنْدَنَا أَنَّ مَنْ شَرِبَ شَرَابًا يُسْكِرُ فَسَكِرَ أَوْ لَمْ يَسْكَرْ فَقَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ وَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ
-
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ كُلُّ مُسْكِرٍ وَكُلُّ مُخَدِّرٍ حَرَامٌ وَالْحَدُّ وَاجِبٌ عَلَى مَنْ شَرِبَ شَيْئًا مِنْهُ
-
قال الشَّافِعِيُّ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ وَفِيهِ الْحَدُّ
-
فَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ
-
وَمَذْهَبُ أَهْلِ الشَّامِ وَالْيَمَنِ وَمِصْرَ وَالْمَغْرِبِ وَجُمْهُورِ أَهْلِ الْحَدِيثِ
-
وَأَمَّا أَهْلُ الْعِرَاقِ فَرَوَى الْمُعَافَى عَنِ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ كَرِهَ نَقِيعَ التَّمْرِ وَنَقِيعَ الزبيب إذا غلا
vol. 8, p. 25قَالَ الْمُعَافَى وَسُئِلَ الثَّوْرِيُّ عَنْ نَقِيعِ الْعَسَلِ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِهِ
-
قَالَ أَبُو عُمَرَ إِنَّمَا خَصَّ الثَّوْرِيُّ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - نَقِيعَ الزَّبِيبِ وَنَقِيعَ التَّمْرِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ النَّخْلَةِ وَالْعِنَبَةِ
-
وَرَوَى أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ عَنِ الثَّوْرِيِّ قَالَ اشْرَبْ مِنَ النَّبِيذِ كَمَا تَشْرَبُ مِنَ الْمَاءِ
-
وَرَوَى بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ الْخَمْرُ حَرَامٌ قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا وَالْمُسْكِرُ مِنْ غَيْرِهَا حَرَامٌ وَلَيْسَ كَتَحْرِيمِ الْخَمْرِ
-
قَالَ وَنَقِيعُ الزَّبِيبِ إِذَا غَلَا حَرَامٌ وَتَحْرِيمُ الْخَمْرِ
-
قَالَ وَالنَّبِيذُ الْعَتِيقُ الْمَطْبُوخُ لَا بَأْسَ بِهِ مِنْ أَيٍّ شَيْءٍ كَانَ وَإِنَّمَا يَحْرُمُ مِنْهُ الْقَدَحُ الَّذِي يُسْكِرُ
-
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ مَنْ قَعَدَ يَطْلُبُ السُّكْرَ فَالْقَدَحُ الْأَوَّلُ عَلَيْهِ حَرَامٌ وَالْمَقْعَدُ عَلَيْهِ حَرَامٌ وَالْمَشْيُ إِلَى الْمَقْعَدِ عليه حرام كما أن الزنى عَلَيْهِ حَرَامٌ وَكَذَلِكَ الْمَشْيُ إِلَيْهِ
-
قَالَ وَإِنْ قَعَدَ وَهُوَ لَا يُرِيدُ السُّكْرَ فَلَا بَأْسَ بِهِ
-
قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَلَا بَأْسَ بِالنَّقِيعِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَإِنْ غَلَا مَا خَلَا الزبيب والتمر
-
وهو قول أبي حنيفة في ما حَكَاهُ مُحَمَّدٌ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ
-
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ وَرَوَى يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي كَثِيرٍ السُّخَيْمِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ النَّخْلَةِ وَالْعِنَبَةِ
-
فَأَخْبَرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ الْخَمْرَ مِنْهُمَا فَفِي ذَلِكَ نَفْيٌ أَنْ تَكُونَ الْخَمْرُ مِنْ غَيْرِهِمَا
-
قَالَ وَاتَّفَقَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ عَصِيرَ الْعِنَبِ إِذَا غَلَا وَاشْتَدَّ وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ خَمْرٌ وَأَنَّ مستحلة كافر
-
واختلفوا فِي نَقِيعِ التَّمْرِ إِذَا غَلَا وَأَسْكَرَ فَدَلَّ اخْتِلَافُهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورَ لَمْ يَتَلَقَّوْهُ بِالْقَبُولِ وَالْعَمَلِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُكَفِّرُوا مُسْتَحِلَّ نَقِيعِ التَّمْرِ كَمَا كَفَّرُوا مُسْتَحِلَّ خَمْرِ الْعِنَبِ
-
وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي عَوْنٍ الثَّقَفِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنِ بن عَبَّاسٍ قَالَ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ بِعَيْنِهَا قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا والسكر مِنْ كُلِّ شَرَابٍ
vol. 8, p. 26قَالَ فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْخَمْرِ لَمْ تُحَرَّمْ بِعَيْنِهَا كَمَا حُرِّمَتِ الْخَمْرُ
-
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ تَقَدَّمَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلَّ مَا أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ وَأَنَّ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ وَخَمْرُهُمْ كَانَتْ يَوْمَئِذٍ كَانَتْ مِنَ التَّمْرِ وَفَهِمُوا ذَلِكَ فَأَهْرَقُوهَا وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُمْ كَسَرُوا جِرَارَهَا
-
وَذَكَرْنَا قَوْلَ عُمَرَ فِي جَلْدِ ابْنِهِ أَنَّ شُرْبَ مَا يُسْكِرُ وَلَمْ يَخُصَّ خَمْرَ عِنَبٍ مِنْ غَيْرِهَا بَلِ اشْتَرَطَ الْمُسْكِرَ
-
وَذَلِكَ كُلُّهُ يَرُدُّ مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ
-
وَأَمَّا اعْتِلَالُهُ بِالتَّكْفِيرِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ مِنْ جِهَةِ الْإِجْمَاعِ كُفْرُ الْمُخَالِفِ لَهُ بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِ مِنْ جِهَةِ أَخْبَارِ الْآحَادِ لَمْ يُكَفَّرِ الْمُخَالِفُ فِيهِ
-
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُكَفَّرُ الْقَائِلُ بِأَنَّ أُمَّ الْقُرْآنِ جَائِزٌ الصَّلَاةُ بِغَيْرِهَا مِنَ الْقُرْآنِ وَجَائِزٌ تَرْكُهَا فِي قِرَاءَةِ الصَّلَاةِ وَلَا مَنْ قَالَ النِّكَاحُ بِغَيْرِ وَلِيٍّ جَائِزٌ لَا يُكَفَّرُ وَلَا مَنْ قَالَ الْوُضُوءُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ يُجْزِئُ
-
وَمِثْلُ هَذَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى وَلَا يُكَفَّرُ الْقَائِلُ بِهِ وَيُعْتَقَدُ فِيهِ التَّحْرِيمُ وَالتَّحَلُّلُ وَالْحُدُودُ
-
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُكَفَّرُ مَنْ قَالَ لَا يُقْطَعُ سَارِقٌ فِي رُبُعِ دِينَارٍ مَعَ ثُبُوتِ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ الْعُدُولِ
-
وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ وَلَا يَمْتَنِعُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَنْ يُحَرِّمَ مَا قَامَ لَهُ الدَّلِيلُ عَلَى تَحْرِيمِهِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمِنْ سُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ يُخَالِفُهُ فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ اسْتَدَلَّ بِهِ وَوَجْهٌ مِنَ الْعِلْمِ ذَهَبَ إِلَيْهِ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا تَكْفِيرٌ وَلَا خُرُوجٌ مِنَ الدِّينِ وَإِنَّمَا فِيهِ الْخَطَأُ وَالصَّوَابُ وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يُوَفِّقُ مَنْ يَشَاءُ بِرَحْمَتِهِ
-
وَقَدْ شَرِبَ النبيذ الصلب جماعة من علماء التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ بِالْعِرَاقِ لِأَنَّهُ لَا يَحْرُمُ عِنْدَهُمْ مِنْهُ إِلَّا الْمُسْكِرُ
-
وَرَوَوْا بِمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ آثَارًا عَنْ عُمَرَ وَغَيْرِهِ مِنَ السَّلَفِ إِلَّا أَنَّ آثَارَ أَهْلِ الْحِجَازِ فِي تَحْرِيمِ الْمُسْكِرِ أَصَحُّ مَخْرَجًا وَأَكْثَرُ تَوَاتُرًا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ لَا شَرِيكَ لَهُ
-
وَرُوِّينَا عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ يَقُولُ مَا أَعْجَبَ أَمْرَ هَؤُلَاءِ يَعْنِي أَهْلَ الْكُوفَةِ لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ علقمة وشريحا
vol. 8, p. 27وَمَسْرُوقًا وَعُبَيْدَةَ فَلَمْ أَرَهُمْ يَشْرَبُونَ نَبِيذَ الْخَمْرِ فَلَا أَدْرِي أَيْنَ غَاصَ هَؤُلَاءِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ
-
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا يُصَحِّحُ قَوْلَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ حَيْثُ قَالَ أَوَّلُ مَنْ أَحَلَّ الْمُسْكِرَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ