باب ما جاء في المرأة تعتق ولها زوج
39 paragraphs · vol. 4, p. 266
- vol. 4, p. 266
[١١٥٤] قَوْلُهُ (كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ عَبْدًا) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا حِينَ أُعْتِقَتْ
-
وفِي الْمُنْتَقَى عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ بَرِيرَةَ أُعْتِقَتْ وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ انْتَهَى
-
ورَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ بَرِيرَةَ خَيَّرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا (وَلَوْ كَانَ حُرًّا لَمْ يُخَيِّرْهَا) هَذِهِ الزِّيَادَةُ مُدْرَجَةٌ مِنْ قَوْلِ عُرْوَةَ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ وَبَيَّنَهُ أَيْضًا أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ
-
[١١٥٥] قَوْلُهُ (عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ حُرًّا) اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ إِنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ حُرًّا قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ قَوْلُ الْأَسْوَدِ مُنْقَطِعٌ ثُمَّ عَائِشَةُ عَمَّةُ الْقَاسِمِ وَخَالَةُ عُرْوَةَ فَرِوَايَتُهُمَا عَنْهَا أَوْلَى مِنْ رِوَايَةِ أَجْنَبِيٍّ يَسْمَعُ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ كَذَا فِي الْمُنْتَقَى
-
قَوْلُهُ (حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) أَرَادَ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ حَدِيثَهَا الَّذِي رَوَاهُ أَوَّلًا مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْهَا وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ كَمَا عَرَفْتَ
-
وأَمَّا حَدِيثُهَا الَّذِي رَوَاهُ ثَانِيًا عَنْ طَرِيقِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ كَمَا فِي الْمُنْتَقَى
-
(وَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ عن بن عَبَّاسٍ قَالَ رَأَيْتُ زَوْجَ بَرِيرَةَ وَكَانَ عَبْدًا يقال له
vol. 4, p. 267مغيث)
-
أخرجه البخاري (وهكذا روي عن بن عُمَرَ) أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ قَالَ كَانَ زَوْجُ بريرة عبدا وفي إسناده بن أَبِي لَيْلَى وَهُوَ ضَعِيفٌ
-
قُلْتُ وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا
-
أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ
-
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ بَعْدَ ذِكْرِ عِدَّةِ أَحَادِيثِ الْبَابِ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ من طريق بن عباس وبن عُمَرَ وَصْفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا وَلَمْ يُرْوَ عَنْهُمْ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ
-
وثَبَتَ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ وَعُرْوَةَ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا
-
ومِنْ طَرِيقِ الْأَسْوَدِ أَنَّهُ كَانَ حُرًّا وَرِوَايَةُ اثْنَيْنِ أَرْجَحُ مِنْ رِوَايَةِ وَاحِدٍ عَلَى فَرْضِ صِحَّةِ الْجَمِيعِ
-
فَكَيْفَ إِذَا كَانَتْ رِوَايَةُ الْوَاحِدِ مَعْلُولَةً بِالِانْقِطَاعِ كَمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ (وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ وقالوا إذ كَانَتِ الْأَمَةُ تَحْتَ الْحُرِّ فَأُعْتِقَتْ فَلَا خِيَارَ لها الخ) وهو مذهب مالك والشافعي أحمد وَإِسْحَاقَ وَالْجُمْهُورِ وَهُوَ الْأَقْوَى دَلِيلًا (وَرَوَى أَبُو عَوَانَةَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ قَالَ الْأَسْوَدُ وَكَانَ زَوْجُهَا حُرًّا) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ بَعْدَ ذِكْرِ رِوَايَاتٍ عَدِيدَةٍ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ وَغَيْرِهَا مَا لَفْظُهُ فَدَلَّتِ الرِّوَايَاتُ الْمُفَصَّلَةُ الَّتِي قَدَّمْتُهَا آنِفًا عَلَى أَنَّهُ مُدْرَجٌ مِنْ قَوْلِ الْأَسْوَدِ أَوْ مَنْ دُونَهُ يَعْنِي قَوْلَهُ وَكَانَ زَوْجُهَا حُرًّا فَيَكُونُ مِنْ أَمْثِلَةِ مَا أُدْرِجَ فِي أَوَّلِ الْخَبَرِ وَهُوَ نَادِرٌ فَإِنَّ الْأَكْثَرَ أَنْ يَكُونَ فِي آخِرِهِ وَدُونَهُ أَنْ يَقَعَ فِي وَسَطِهِ وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مَوْصُولًا فَيُرَجِّحُ رِوَايَةَ مَنْ قَالَ كَانَ عَبْدًا بِالْكَثْرَةِ وَأَيْضًا فال المرء أعرف بحديثه فإن القاسم بن أخي عائشة وعروة بن أُخْتِهَا وَتَابَعَهُمَا غَيْرُهُمَا فَرِوَايَتُهُمَا أَوْلَى مِنْ رِوَايَةِ الْأَسْوَدِ فَإِنَّهُمَا أَقْعَدُ بِعَائِشَةَ وَأَعْلَمُ بِحَدِيثِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
-
ويَتَرَجَّحُ أَيْضًا بِأَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَذْهَبُ إلى أن الأمة إذ أُعْتِقَتْ تَحْتَ الْحُرِّ لَا خِيَارَ لَهَا
-
وهَذَا بِخِلَافِ مَا رَوَى الْعِرَاقِيُّونَ عَنْهَا
-
فَكَانَ يَلْزَمُ على أصل مذهبهم أن يأخذوا بقولها ويدعو ما روى عنها لا سيما وَقَدِ اخْتُلِفَ عَنْهَا فِيهِ انْتَهَى
-
(وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حنيفة وأصحابه
vol. 4, p. 268وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْهَا قَالَتْ كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ حُرًّا
-
وقَدْ عَرَفْتَ مَا فِيهِ
-
[١١٥٦] قَوْلُهُ (كَانَ عَبْدًا أسود) قال القارىء أي كعبد أسود في قبح للصورة أَوْ كَانَ عَبْدًا فَأُعْتِقَ فَصَارَ حُرًّا انْتَهَى
-
قُلْتُ هَذَانِ التَّأْوِيلَانِ بَاطِلَانِ مَرْدُودَانِ يَرُدُّهُمَا لَفْظُ يَوْمَ أُعْتِقَتْ بَرِيرَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ نَصٌّ صَرِيحٌ فِي أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا يَوْمَ إِعْتَاقِهَا (وَيَوْمَ أُعْتِقَتْ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (وَاللَّهِ لِكَأَنِّي بِهِ فِي طُرُقِ الْمَدِينَةِ إِلَخْ) وفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ خَلْفَهَا يَبْكِي وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ
-
(يَتَرَضَّاهَا) قَالَ فِي الْقَامُوسِ اسْتَرْضَاهُ وَتَرَضَّاهُ طَلَبَ رِضَاهُ انتهى
-
قوله (حديث بن عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ
-
تَنْبِيهٌ قال صاحب العرف الشذي قول بن عَبَّاسٍ أَنَّهُ عَبْدٌ أَسْوَدُ
-
لَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ عَبْدًا فِي الْحَالِ بَلْ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ انْتَهَى
-
قُلْتُ هَذِهِ غَفْلَةٌ شَدِيدَةٌ وَوَهْمٌ قبيح فإن بن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَدْ نَصَّ فِي قَوْلِهِ هَذَا أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا يَوْمَ إِعْتَاقِهَا كَمَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ
-
وقَدْ تَقَدَّمَ بُطْلَانُ هَذَا التَّأْوِيلِ
-
تَنْبِيهٌ قَالَ صَاحِبُ الْعَرْفِ الشَّذِيِّ مَا لَفْظُهُ لِي بَحْثٌ فِي أن بن عَبَّاسٍ جَاءَ إِلَى الْمَدِينَةِ مَعَ أَبِيهِ فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ وَأَنَّهَا عُتِقَتْ قَبْلَهَا وَكَانَتْ تَخْدُمُ عَائِشَةَ
-
فَإِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ سَأَلَهَا عَنْ شَأْنِ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ
-
قُلْتُ قَدْ وَقَعَ فِي هَذِهِ الشُّبْهَةِ مِنْ قِلَّةِ اطِّلَاعِهِ فَإِنَّهُ قد ورد في حديث بن عَبَّاسٍ هَذَا عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَبَّاسٍ يَا عَبَّاسُ أَلَا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ إِلَخْ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ قِصَّةَ بَرِيرَةَ كَانَتْ مُتَأَخِّرَةً فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ أَوْ الْعَاشِرَةِ
-
لِأَنَّ الْعَبَّاسَ إِنَّمَا سَكَنَ الْمَدِينَةَ بَعْدَ رُجُوعِهِمْ مِنْ غَزْوَةِ الطَّائِفِ وَكَانَ ذَلِكَ فِي أواخر سنة ثمان
-
ويؤيده قول بن عَبَّاسٍ أَنَّهُ شَاهَدَ ذَلِكَ وَهُوَ إِنَّمَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ مَعَ أَبَوَيْهِ
-
ويُؤَيِّدُ تَأَخُّرَ قِصَّتِهَا أَيْضًا بِخِلَافِ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهَا كَانَتْ قَبْلَ الْإِفْكِ أَنَّ عَائِشَةَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ كَانَتْ صَغِيرَةً فَيَبْعُدُ وُقُوعُ تِلْكَ الْأُمُورِ وَالْمُرَاجَعَةِ وَالْمُسَارَعَةِ إِلَى الشِّرَاءِ وَالْعِتْقِ مِنْهَا يَوْمَئِذٍ
-
وأَيْضًا فَقَوْلُ عَائِشَةَ إِنْ شَاءَ مَوَالِيكَ أَنْ أَعُدَّهَا
vol. 4, p. 269لَهُمْ عَدَّةً وَاحِدَةً
-
فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى وُقُوعِ ذَلِكَ فِي آخِرِ الْأَمْرِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ فِي غَايَةِ الضِّيقِ ثُمَّ حَصَلَ لَهُمْ التَّوَسُّعُ بَعْدَ الْفَتْحِ
-
وفِي كُلِّ ذَلِكَ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ قِصَّتَهَا كَانَتْ مُتَقَدِّمَةً قَبْلَ قِصَّةِ الْإِفْكِ وَحَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ وُقُوعُ ذِكْرِهَا فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ
-
وقَدْ قَدَّمْتُ الْجَوَابَ عَنْ ذَلِكَ هُنَاكَ ثُمَّ رَأَيْتُ الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ السُّبْكِيَّ اسْتَشْكَلَ الْقِصَّةَ ثُمَّ جَوَّزَ أَنَّهَا كَانَتْ تَخْدُمُ عَائِشَةَ قَبْلَ شِرَائِهَا أَوِ اشْتَرَتْهَا وَأَخَّرَتْ عِتْقَهَا إِلَى بَعْدِ الْفَتْحِ انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ
-
تَنْبِيهٌ آخَرُ اعْلَمْ أَنَّ رِوَايَاتِ كَوْنِ زَوْجِ بَرِيرَةَ عَبْدًا لَهَا تَرْجِيحَاتٌ عَدِيدَةٌ عَلَى رِوَايَاتِ كَوْنِهِ حُرًّا
-
ذَكَرْتُ بَعْضًا مِنْهَا فِيمَا تَقَدَّمَ وَالْبَاقِيَةُ مَذْكُورَةٌ فِي فتح الباري والنيل والإمام بن الْهُمَامِ قَدْ عَكَسَ الْقَضِيَّةَ بِوُجُوهٍ عَدِيدَةٍ كُلُّهَا مَخْدُوشَةٌ وَلَوْلَا مَخَافَةُ طُولِ الْكَلَامِ لَبَيَّنْتُ مَا فِيهَا مِنَ الْخَدَشَاتِ