(٩١٢) - (يقول ابن عباس فى قوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية) : " ليست بمنسوخة هى للكبير الذى لا يستطيع الصوم "
41 paragraphs · vol. 4, p. 17
Page 1 of 2
- vol. 4, p. 17
* صحيح.
-
رواه البخارى فى " التفسير " من " صحيحه " (٨/١٣٥ ـ فتح) والدارقطنى (٢٥٠) من طريق زكريا بن إسحاق حدثنا عمرو بن دينار عن عطاء سمع ابن عباس يقول: " (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) , قال ابن عباس: ليست بمنسوخة , هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما , فليطعما مكان كل يوم مسكينا " .
-
ورواه النسائى (١/٣١٨ ـ ٣١٩) من طريق ورقاء عن عمرو بن دينار به نحوه ولفظه: " (يطيقونه) يكلفونه , (فدية طعام مسكين , فمن تطوع خيرا) طعام مسكين آخر , ليست بمنسوخة (فهو خير له , وأن تصوموا خير لكم) لا يرخص فى هذا إلا للذى لا يطيق الصيام أو مريض لا يشفى " .
قلت: وإسناده صحيح. ورواه الدارقطنى (٢٤٩) وقال: " إسناده
vol. 4, p. 18صحيح ثابت ".
-
وأخرجه ابن جرير فى تفسيره (٣/٤٣١/٢٧٧٨) عن ابن أبى نجيح عن عمرو بن دينار به مثل رواية ورقاء مع بعض اختصار.
قلت: وإسناده صحيح أيضا. ثم رواه بسند مثله عن ابن أبى نجيح عن مجاهد عن ابن عباس أنه كان يقول: " ليست بمنسوخة ".
-
ثم أخرج هو (٢٧٥٢ , ٢٧٥٣) وابن الجارود فى " المنتقى " (٣٨١) والبيهقى (٤/٢٣٠) من طرق عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن عزرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: " رخص للشيخ الكبير , والعجوز الكبيرة فى ذلك وهما يطيقان الصوم أن يفطرا إن شاءا , ويطعما كل يوم مسكينا , ولا قضاء عليهما , ثم نسخ ذلك فى هذه الآية: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) , وثبت للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان الصوم , والحبلى والمرضع إذا خافتا أفطرتا , وأطعمتا كل يوم مسكينا ".
-
ورواه أبو داود (٢٣١٨) من طريق ابن أبى عدى عن سعيد به إلا أنه اختصره اختصارا مخلا , ولفظه: " (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) قال: كانت رخصته [١] للشيخ الكبير , والمرأة الكبيرة , وهما يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكينا , والحبلى والمرضع إذا خافتا ـ قال أبو داود: يعنى على أولادهما ـ أفطرتا وأطعمتا ".
-
ووجه الإخلال أنه اختصر جملة " وثبت للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان الصوم " فصارت الرواية تعطى الترخيص للشيخ والمرأة بالإفطار وهما يطيقان الصوم , والواقع أن هذا منسوخ بدليل رواية الجماعة عن ابن عروبة [٢] وما قبلها من الروايات!
-
وإسناد هذه الرواية صحيح على شرط الشيخين , وأما رواية أبى داود فهى
vol. 4, p. 19شاذة , وقد وقع فيها " عروة " بدل " عزرة " وهو تصحيف بدليل رواية الجماعة , وأيضا فقد رواه البيهقى من طريق أبى داود فقال: " عزرة " على الصواب وقد تصحف هذا الاسم أيضا فى تفسير الطبرى من الطبعة الأولى كما نبه عليه محققه الأستاذ الفاضل محمود ومحمد شاكر فى تعليقه عليه طبعة دار المعارف بمصر , ثم تصحف أيضا فى أحد الموضعين المشار إليهما من هذه الطبعة (٢٧٥٣) !
-
ومن روايات الحديث ما عند الطبرى (٢٧٥٨) من طريق عبدة وهو ابن سليمان الكلابى عن سعيد بن أبى عروبة بسنده المتقدم عن ابن عباس قال: " إذا خافت الحامل على نفسها , والمرضع على ولدها فى رمضان قال: يفطران , ويطعمان مكان كل يوم مسكينا , ولا يقضيان صوما " .
قلت: وإسناده صحيح على شرط مسلم.
-
وفى رواية له بالسند المذكور عن ابن عباس: " أنه رأى أم ولد له حاملا أو مرضعا فقال: أنت بمنزلة الذى لا يطيق , عليك أن تطعمى مكان كل يوم مسكينا ولا قضاء عليك " .
-
زاد فى رواية أخرى (٢٧٦١) عن سعيد به: " أن هذا إذا خافت على نفسها " .
-
ورواه الدارقطنى (٢٥٠) من طريق روح عن سعيد به بلفظ: " أنت من الذين لا يطيقون الصيام , عليك الجزاء , وليس عليك القضاء " .
وقال الدارقطنى: " إسناده صحيح " .
-
ثم روى من طريق أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وابن عمر قال:
vol. 4, p. 20" الحامل والمرضع تفطر ولا تقضى " . وقال: " وهذا صحيح " .
قلت: ورواه ابن جرير (٢٧٦٠) من طريق على بن ثابت عن نافع عن ابن عمر مثل قول ابن عباس فى الحامل والمرضع.
قلت: وسنده صحيح ولم يسق لفظه , وقد رواه الدارقطنى من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر: " أن امرأته سألته وهى حبلى , فقال: أفطرى وأطعمى عن كل يوم مسكينا ولا تقضى " .
-
وإسناده جيد , ومن طريق عبيد الله عن نافع قال: " كانت بنت لابن عمر تحت رجل من قريش , وكانت حاملا , فأصابها عطش فى رمضان , فأمرها ابن عمر أن تفطر وتطعم عن كل يوم مسكينا " . وإسناده صحيح.
-
ومنها ما عند الدارقطنى وصححه من طريق منصور عن مجاهد عن ابن عباس قرأ: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) يقول:
" هو الشيخ الكبير الذى لا يستطيع الصيام فيفطر ويطعم عن كل يوم مسكينا نصف صاع من حنطة " .
-
وأخرجه (٢٤٩) من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: " إذا عجز الشيخ الكبير عن الصيام أطعم عن كل يوم مداً مداً " . وقال: " إسناده صحيح " .
-
ومن شواهد الحديث: عن معاذ بن جبل قال: " أما أحوال الصيام , فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة , فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام , وصيام يوم عاشوراء , ثم إن الله فرض عليه الصيام , فأنزل الله: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من
vol. 4, p. 21قبلكم) إلى هذه الآية: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسطين) فكان من شاء صام , ومن شاء أطعم مسكينا فأجزى ذلك عنه , ثم إن الله أنزل الآية الأخرى: (شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن هدى للناس) إلى قوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) , فأثبت الله صيامه على المقيم الصحيح , ورخص فيه للمريض وللمسافر , وثبت الإطعام للكبير الذى لا يستطيع الصيام , فهذان حولان ... " الحديث.
-
أخرجه أبو داود (٥٠٧) وابن جرير (٢٧٣٣) والحاكم (٢/٧٧٤) والسياق له والبيهقى (٤/٢٠٠) وأحمد (٥/٢٤٦ ـ ٢٤٧) من طريق المسعودى: حدثنى عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن معاذ بن جبل.
وقال الحاكم: " صحيح الإسناد " وافقه الذهبى.
قلت: وفيه نظر , فإن المسعودى كان اختلط , ثم إنه منقطع , وبه أعله البيهقى فقال عقبه: " هذا مرسل , عبد الرحمن لم يدرك معاذ بن جبل ".
-
وبذلك أعله الدارقطنى والمنذرى , وقد ذكرت كلامهما فى " صحيح أبى داود " (رقم ٥٢٤) .
-
لكن قد جاء بعضه من طريق غير المسعودى فراجع المصدر المذكور.
-
ومنها: عن قتادة: " أن أنسا ضعف قبل موته فأفطر , وأمر أهله أن يطعموا مكان كل يوم مسكينا ". أخرجه الدارقطنى بسند صحيح.
-
وأخرج من طريق أخرى عن أنس نحوه ولفظه: " عن أنس بن مالك أنه ضعف عن الصوم عاما فصنع جفنة ثريد ودعا ثلاثين مسكينا فأشبعهم "
- vol. 4, p. 22
وسنده صحيح أيضا , وعلق البخارى بنحوه.
-
وعن مالك عن نافع: " أن ابن عمر سئل عن المرأة الحامل إذا خافت على ولدها فقال: تفطر وتطعم مكان كل يوم مسكينا مدا من حنطة " .
-
أخرجه الشافعى (١/٢٦٦) ومن طريقه البيهقى (٤/٢٣٠) وهو فى " الموطأ " (١/٣٠٨/٥٢) بلاغا أن عبد الله بن عمر سئل ...
-
وعن أبى هريرة قال: " من أدركه الكبر فلم يستطع أن يصوم رمضان , فعليه لكل يوم مد من قمح " .
-
أخرجه الدارقطنى وفيه عبد الله بن صالح وفيه ضعف.
-
(تنبيه) : استدل المؤلف رحمه الله تعالى بحديث ابن عباس هذا على أن العاجر عن الصيام لكبر أو مرض مزمن يطعم عن كل يوم مسكينا , وهذا صحيح يشهد له حديث ابن عمر وأبى هريرة. غير أن فى قول ابن عباس فى هذه الآية (وعلى الذين يطيقونه ... ) ليست منسوخة , وأن المراد بها الشيخ الكبير , والمرأة الكبيرة لا يستطيعان الصيام , إشكالا كبيرا , ذلك لأن معنى (يطيقونه) أى يستطيعون بمشقة , فكيف تفسر حينئذ بأن المراد بها من لا يستطيع الصيام , لا سيما وابن عباس نفسه يذكر فى رواية عزرة أن الآية نزلت فى الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة وهما يطيقان أى يستطيعان الصوم ثم نسخت , فكيف تفسر الآية بتفسيرين متناقضين
(يستطيعون) و (لا يستطيعون) ؟ ! وأيضا فقد جاء عن سلمة بن الأكوع رضى الله عنه قال ": " لما نزلت (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) كان من أراد أن يفطر , ويفتدى [فعل] حتى نزلت الآية التى بعدها فنسختها ".
-
أخرجه الستة إلا ابن ماجه. وفى رواية عنه قال:
vol. 4, p. 23" كنا فى رمضان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم , من شاء صام ومن شاء
أفطر فافتدى بطعام مسكين , حتى نزلت هذه الآية: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) " أخرجه مسلم.
-
ويشهد له حديث معاذ المتقدم.
-
فهذا يبين لنا أن فى حديث ابن عباس إشكالا آخر , وهو أنه يقول: أن الرخصة التى كانت فى أول الأمر , إنما كانت للشيخ أو الشيخة وهما يطيقان الصيام , وحديث سلمة ومعاذ يدلان على أن الرخصة كانت عامة لكل مكلف شيخا أو غيره , وهذا هو الصواب قطعا لأن الآية عامة , فلعل ذكر ابن عباس للشيخ والشيخة لم يكن منه على سبيل الحصر , بل التمثيل , وحينئذ فلا إختلاف بين حديثه والحديثين المذكورين.
-
ويبقى الخلاف فى الإشكال الأول قائما لأن الحديثين المشار إليهما صريحان فى نسخ الآية. وابن عباس يقول ليست بمنسوخة ويحملها على الذين لا يستطيعون الصيام كما سبق بيانه!
-
فلعل مراد ابن عباس رضى الله عنه أن حكم الفدية الذى كان خاصا بمن يطيق الصوم ويستطيعه ثم نسخ بدلالة القرآن , كان هذا الحكم مقررا أيضا فى حق من لا يطيق الصوم ولا يستطيعه , غير أن الأول ثبت بالقرآن , وبه نسخ , وأما الآخر فإنما ثبتت مشروعيته بالسنة لا بالقرآن , ثم لم ينسخ , بل استمرت مشروعيته إلى يوم القيامة , فأراد ابن عباس رضى الله عنه أن يخبر عن الفرق بين الحكمين: بأن الأول نسخ , والآخر لم ينسخ , ولم يرد أن هذا يثبت بالقرآن بآية (وعلى الذين يطيقونه) , وبذلك يزول الإشكال إن شاء الله تعالى.
-
ويؤيد ما ذكرته أن ابن عباس ـ فى رواية عزرة ـ بعد أن ذكر نسخ الآية المذكورة قال: " وثبت للشيخ الكبير , والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان الصوم , والحبلى والمرضع إذا خافتا أفطرتا , وأطعمتا كل يوم مسكينا " .
- vol. 4, p. 24
ففى قوله: " ثبت " إشعار بأن هذا الحكم فى حق من لا يطيق الصوم كان مشروعاً , كما كان مشروعا فى حق من يطيق الصوم , فنسخ هذا , واستمر الآخر , وكل من شرعيته , واستمراره إنما عرفه ابن عباس من السنة , وليس من القرآن.
-
ويزيده تأييدا , أن ابن عباس أثبت هذا الحكم للحبلى والمرضع إذا خافتا ومن الظاهر جدا أنهما ليسا كالشيخ والشيخة فى عدم الاستطاعة , بل إنهما مستطيعتان ولذلك قال لأم ولد له أو مرضع: " أنت بمنزلة الذى لا يطيق " كما سبق.
-
فمن أين أعطاهما ابن عباس هذا الحكم مع تصريحه بآن الآية (وعلى الذين يطيقونه) منسوخة , ذلك من السنة بلا ريب.
-
ويشهد لما سبق ذكره حديث معاذ , فإنه بعد أن أفاد نسخ الآية المذكورة بقوله تعالى (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) قال: " فأثبت الله صيامه على المقيم الصحيح , ورخص فيه للمريض والمسافر , وثبت الإطعام للكبير الذى لا يستطيع الصيام " .
-
فقد أشار بقوله " وثبت الإطعام " إلى مثل ما أشار إليه حديث ابن عباس. وبذلك يلتقى الحديثان حديث معاذ وسلمة مع حديث ابن عباس , ويتبين أن فى حديثه ما يوافق الحديثين , وفيه ما يوافق حديث معاذ ويزيد على حديث سلمة وهو ثبوت الإطعام على العاجز عن الصيام , فاتفقت الأحاديث ولم تختلف والحمد لله على توفيقه.
-
وإذا عرفت هذا فهو خير مما ذكره الحافظ فى " الفتح " (٤/١٦٤) : " أن ابن عباس ذهب إلى أن الآية المذكورة محكمة , لكنها مخصوصة بالشيخ الكبير " لما عرفت أن ابن عباس صرح بأن الآية منسوخة , لكن حكمها منسحب إلى العاجز عن الصيام بدليل السنة لا الكتاب لما سبق بيانه , وقد توهم كثيرون
vol. 4, p. 25أن ابن عباس يخالف الجمهور الذين ذهبوا إلى نسخ الآية وانتصر لهم الحافظ ابن حجر فى " الفتح " فقال (٨/١٣٦) تعليقا على رواية البخارى عن ابن عمر أنه قرأ (فدية طعام مسكين) , قال: " هو صريح فى دعوى النسخ , ورجحه ابن المنذر من جهة قوله: (وأن تصوموا خير لكم) قال: لأنها لو كانت فى الشيخ الكبير الذى لا يطيق الصيام , لم يناسب أن
يقال له (وأن تصوموا خير لكم) مع أنه لا يطيق الصيام ".
قلت: وهذه حجة قاطعة فيما ذكر , وهو يشير بذلك إلى الرد على ابن عباس , ومثله لا يخفى عليه مثلها , ولكن القوم نظروا إلى ظاهر الرواية المتقدمة عن ابن عباس عند البخارى الصريحة فى نفى النسخ , ولم يتأملوا فى الرواية الأخرى الصريحة فى النسخ , ثم لم يحاولوا التوفيق بينهما , وقد فعلنا ذلك بما سبق تفصيله , وخلاصته: أن يحمل النفى على نفى نسخ الحكم لا الآية , والحكم مأخوذ من السنة , ويحمل النسخ عليها , وبذلك يتبين أن ابن عباس رضى الله عنه ليس مخالفا للجمهور.