النوع الأول من أنواع علوم الحديث: معرفة الصحيح من الحديث

63 paragraphs · vol. 1, p. 11

Page 2 of 2

  1. فَكُلُّ ذَلِكَ حُكْمٌ مِنْهُ عَلَى مَنْ ذَكَرَهُ عَنْهُ بِأَنَّهُ قَدْ قَالَ ذَلِكَ وَرَوَاهُ، فَلَنْ يَسْتَجِيزَ إِطْلَاقَ ذَلِكَ إِلَّا إِذَا صَحَّ عِنْدَهُ ذَلِكَ عَنْهُ، ثُمَّ إِذَا كَانَ الَّذِي عَلَّقَ الْحَدِيثَ عَنْهُ دُونَ الصَّحَابَةِ، فَالْحُكْمُ بِصِحَّتِهِ يَتَوَقَّفُ عَلَى اتِّصَالِ الْإِسْنَادِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّحَابِيِّ.

    vol. 1, p. 25
  2. وَأَمَّا مَا لَمْ يَكُنْ فِي لَفْظِهِ جَزْمٌ وَحُكْمٌ، مِثْلَ: رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَذَا وَكَذَا، أَوْ رُوِيَ عَنْ فُلَانٍ كَذَا، أَوْ فِي الْبَابِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَذَا وَكَذَا، فَهَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ مِنَ الْأَلْفَاظِ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ حُكْمٌ مِنْهُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ تُسْتَعْمَلُ فِي الْحَدِيثِ الضَّعِيفِ أَيْضًا. وَمَعَ ذَلِكَ فَإِيرَادُهُ لَهُ فِي أَثْنَاءِ الصَّحِيحِ مُشْعِرٌ بِصِحَّةِ أَصْلِهِ إِشْعَارًا يُؤْنَسُ بِهِ وَيُرْكَنُ إِلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  3. ثُمَّ إِنَّ مَا يَتَقَاعَدُ مِنْ ذَلِكَ عَنْ شَرْطِ الصَّحِيحِ قَلِيلٌ، يُوجَدُ فِي كِتَابِ الْبُخَارِيِّ فِي مَوَاضِعَ مِنْ تَرَاجِمِ الْأَبْوَابِ دُونَ مَقَاصِدِ الْكِتَابِ وَمَوْضُوعِهِ الَّذِي يُشْعِرُ بِهِ اسْمُهُ الَّذِي سَمَّاهُ بِهِ، وَهُوَ (الْجَامِعُ الْمُسْنَدُ الصَّحِيحُ الْمُخْتَصَرُ مِنْ أُمُورِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسُنَنِهِ وَأَيَّامِهِ) .

    vol. 1, p. 26
  4. وَإِلَى الْخُصُوصِ الَّذِي بَيَّنَّاهُ يَرْجِعُ مُطْلَقُ قَوْلِهِ: " مَا أَدْخَلْتُ فِي كِتَابِ الْجَامِعِ إِلَّا مَا صَحَّ " .

  5. وَكَذَلِكَ مُطْلَقُ قَوْلِ الْحَافِظِ أَبِي نَصْرٍ الْوَايْلِيِّ السِّجْزِيِّ: " أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ - الْفُقَهَاءُ وَغَيْرُهُمْ - [عَلَى] أَنَّ رَجُلًا لَوْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّ جَمِيعَ مَا فِي كِتَابِ الْبُخَارِيِّ مِمَّا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ صَحَّ عَنْهُ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَهُ لَا شَكَّ فِيهِ، أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ وَالْمَرْأَةُ بِحَالِهَا فِي حِبَالَتِهِ " .

  6. وَكَذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُمَيْدِيُّ فِي كِتَابِهِ " الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ قَوْلِهِ: " لَمْ نَجِدْ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمَاضِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَجْمَعِينَ مَنْ أَفْصَحَ لَنَا فِي جَمِيعِ مَا جَمَعَهُ بِالصِّحَّةِ إِلَّا هَذَيْنِ الْإِمَامَيْنِ " .

  7. فَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِكُلِّ ذَلِكَ: مَقَاصِدُ الْكِتَابِ وَمَوْضُوعُهُ، وَمُتُونُ الْأَبْوَابِ دُونَ التَّرَاجِمِ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّ فِي بَعْضِهَا مَا لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ قَطْعًا.

  8. مِثْلَ قَوْلِ الْبُخَارِيِّ: " بَابُ مَا يُذْكَرُ فِي الْفَخِذِ، وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ

    vol. 1, p. 27وَجَرْهَدٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ جَحْشٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " الْفَخِذُ عَوْرَةٌ " .

  9. وَقَوْلُهُ فِي أَوَّلِ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْغُسْلِ: " وَقَالَ بَهْزُ [بْنُ حَكِيمٍ] ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَى مِنْهُ "، فَهَذَا قَطْعًا لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُورِدْهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي جَمْعِهِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ، فَاعْلَمْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ خَافٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  10. السَّابِعَةُ: وَإِذَا انْتَهَى الْأَمْرُ فِي مَعْرِفَةِ الصَّحِيحِ إِلَى مَا خَرَّجَهُ الْأَئِمَّةُ فِي تَصَانِيفِهِمُ الْكَافِلَةِ بِبَيَانِ ذَلِكَ - كَمَا سَبَقَ ذِكْرُهُ - فَالْحَاجَةُ مَاسَّةٌ إِلَى التَّنْبِيهِ عَلَى أَقْسَامِهِ بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ.

  11. فَأَوَّلُهُمَا: صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ جَمِيعًا.

  12. الثَّانِي: صَحِيحٌ انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ، أَيْ عَنْ مُسْلِمٍ.

  13. الثَّالِثُ: صَحِيحٌ انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ، أَيْ عَنِ الْبُخَارِيِّ.

  14. الرَّابِعُ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا لَمْ يُخْرِجَاهُ.

  15. الْخَامِسُ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ لَمْ يُخْرِجْهُ.

  16. السَّادِسُ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ لَمْ يُخْرِجْهُ.

  17. السَّابِعُ:
  18. صَحِيحٌ عِنْدَ غَيْرِهِمَا، وَلَيْسَ عَلَى شَرْطِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.

    vol. 1, p. 28
  19. هَذِهِ أُمَّهَاتُ أَقْسَامِهِ، وَأَعْلَاهَا الْأَوَّلُ، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ أَهْلُ الْحَدِيثِ كَثِيرًا: " صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ " . يُطْلِقُونَ ذَلِكَ وَيَعْنُونَ بِهِ اتِّفَاقَ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، لَا اتِّفَاقَ الْأُمَّةِ عَلَيْهِ. لَكِنَّ اتِّفَاقَ الْأُمَّةِ عَلَيْهِ لَازِمٌ مِنْ ذَلِكَ وَحَاصِلٌ مَعَهُ، لِاتِّفَاقِ الْأُمَّةِ عَلَى تَلَقِّي مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ بِالْقَبُولِ.

  20. وَهَذَا الْقِسْمُ جَمِيعُهُ مَقْطُوعٌ بِصِحَّتِهِ وَالْعِلْمُ الْيَقِينِيُّ النَّظَرِيُّ وَاقِعٌ بِهِ. خِلَافًا لِقَوْلِ مَنْ نَفَى ذَلِكَ، مُحْتَجًّا بِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ فِي أَصْلِهِ إِلَّا الظَّنُّ، وَإِنَّمَا تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمُ الْعَمَلُ بِالظَّنِّ، وَالظَّنُّ قَدْ يُخْطِئُ.

  21. وَقَدْ كُنْتُ أَمِيلُ إِلَى هَذَا وَأَحْسَبُهُ قَوِيًّا، ثُمَّ بَانَ لِي أَنَّ الْمَذْهَبَ الَّذِي اخْتَرْنَاهُ أَوَّلًا هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ ظَنَّ مَنْ هُوَ مَعْصُومٌ مِنَ الْخَطَأِ لَا يُخْطِئُ. وَالْأُمَّةُ فِي إِجْمَاعِهَا مَعْصُومَةٌ مِنَ الْخَطَأِ، وَلِهَذَا كَانَ الْإِجْمَاعُ الْمُنْبَنِي عَلَى الِاجْتِهَادِ حُجَّةً مَقْطُوعًا بِهَا، وَأَكْثَرُ إِجْمَاعَاتِ الْعُلَمَاءِ كَذَلِكَ.

  22. وَهَذِهِ نُكْتَةٌ نَفِيسَةٌ نَافِعَةٌ، وَمِنْ فَوَائِدِهَا: الْقَوْلُ بِأَنَّ مَا انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ أَوْ مُسْلِمٌ مُنْدَرِجٌ فِي قَبِيلِ مَا يُقْطَعُ بِصِحَّتِهِ لِتَلَقِّي الْأُمَّةِ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ كِتَابَيْهِمَا بِالْقَبُولِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَصَّلْنَاهُ مِنْ حَالِهِمَا فِيمَا سَبَقَ، سِوَى أَحْرُفٍ يَسِيرَةٍ تَكَلَّمَ عَلَيْهَا بَعْضُ أَهْلِ النَّقْدِ مِنَ الْحُفَّاظِ، كَالدَّارَقُطْنِيِّ وَغَيْرِهِ، وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ أَهْلِ هَذَا الشَّأْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

    vol. 1, p. 29
  23. الثَّامِنَةُ: إِذَا ظَهَرَ بِمَا قَدَّمْنَاهُ انْحِصَارُ طَرِيقِ مَعْرِفَةِ الصَّحِيحِ وَالْحَسَنِ الْآنَ فِي مُرَاجَعَةِ الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ، فَسَبِيلُ مَنْ أَرَادَ الْعَمَلَ أَوِ الِاحْتِجَاجَ بِذَلِكَ - إِذَا كَانَ مِمَّنْ يَسُوغُ لَهُ الْعَمَلُ بِالْحَدِيثِ، أَوِ الِاحْتِجَاجُ بِهِ لِذِي مَذْهَبٍ - أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَصْلٍ قَدْ قَابَلَهُ هُوَ أَوْ ثِقَةٍ غَيْرِهِ بِأُصُولٍ صَحِيحَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ، مَرْوِيَّةٍ بِرِوَايَاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ، لِيَحْصُلَ لَهُ بِذَلِكَ - مَعَ اشْتِهَارِ هَذِهِ الْكُتُبِ وَبُعْدِهَا عَنْ أَنْ تُقْصَدَ بِالتَّبْدِيلِ وَالتَّحْرِيفِ - الثِّقَةُ بِصِحَّةِ مَا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الْأُصُولُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.