مالك، عن نافع مولى ابن عمر

3,144 paragraphs · vol. 8, p. 333

Page 17 of 79

  1. وكذلك رواهُ ابنُ بُكير (٤) ، كما رواهُ ابنُ القاسم سَواءً، في رِوايةِ قوم عن ابنِ بُكيرٍ، منهُم: إبراهيمُ بن باز (٥) ، ويحيى بن عامِرٍ وغيرُهُم، ورواهُ مُطرِّفُ بن عبدِ الرَّحمنِ بن قَيْسٍ، عن ابنِ بُكَيرٍ، فقال فيه: "حتَّى يبعثكَ الله" ، لم يزِدْ.

    vol. 9, p. 13
  2. واختُلِفَ في هذا الحديثِ أيضًا على عُبيدِ الله بن عُمرَ قريبًا من هذا الاختِلافِ على مالكٍ.

  3. أخبرنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (١) : حدَّثنا أبو أُسامةَ وابنُ نُمَيرٍ، قالا: حدَّثنا عُبيدُ الله، عن نافع، عن ابنِ عُمر، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "يُعرَضُ أحدُكُم إذا ماتَ على مَقعدِهِ غُدوةً وعَشيَّةً" . هكذا قال أبو أُسامةَ. وقال ابنُ نُميرٍ: "إذا ماتَ أحدُكُمْ، عُرِضَ على مَقْعدِهِ بالغَداةِ والعَشيِّ: إن كان من أهلِ الجنَّةِ، فمِن أهلِ الجنَّةِ، وإن كان من أهلِ النّارِ، فمِنْ أهلِ النّارِ" . قال أبو أُسامةَ: "إلى يوم القيامةِ" . وقال ابنُ نُميرٍ: "حتَّى يُبعَثَ إليه يومَ القيامَةِ" .

    قال أبو عُمرَ: فرِوايةُ أبي أُسامةَ نحوُ رِوايةِ يحيى، ورِوايةُ ابنِ نُمَيرٍ نحوُ رِوايةِ ابنِ القاسم وابنِ بُكيرٍ.

    vol. 9, p. 14
  4. ورواهُ اللَّيثُ، عن نافع، فقال فيه: "حتَّى يَبْعثَهُ اللهُ يومَ القيامةِ" . وهذا نحوُ رِواية القَعْنبيِّ؛ قَرأتُهُ على عبدِ الوارثِ بن سُفيانَ، عن قاسم، عن عُبيدِ الله بن يحيى، عن أبيهِ، عن اللَّيثِ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قال: "ألا إنَّ أحَدَكُم إذا ماتَ عُرِضَ عليه مَقْعدُهُ بالغَداةِ والعَشِيِّ، إن كان من أهلِ الجنَّةِ، فمِنْ أهلِ الجنَّةِ، وإن كان من أهلِ النّارِ، فمِنْ أهلِ النّارِ، حتَّى يبعَثَهُ الله يومَ القيامةِ" (٢) .

  5. والمعاني في ذلكَ كلِّهِ مُتقارِبةٌ.

  6. وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ الجنّةَ والنّارَ مخلُوقَتانِ، كما يقولُ أهلُ السُّنَّةِ في ذلك، والله أعلمُ. ويدُلُّ على ذلك أيضًا، قولُ الله عزَّ وجلَّ في آلِ فِرعونَ: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا} الآية [غافر: ٤٦] ، وقولهُ - صلى الله عليه وسلم -: "اشْتَكتِ

    vol. 9, p. 15النّارُ إلى ربِّها ... " الحديثَ (١) ، وقولُهُ - صلى الله عليه وسلم -: " اطَّلعتُ في الجنَّةِ، فرأيتُ أكثرَ أهلِها المساكينَ، واطَّلعتُ في النّارِ، فرأيتُ أكثرَ أهلِها النِّساءَ " (٢) ، وقولُهُ: " دَخلتُ الجنّةَ، فأخَذتُ منها عُنقُودًا " (٣) ، وقولُهُ الله - صلى الله عليه وسلم -: " لمّا خلقَ الله الجنّةَ حَفَّها بالمكاره، وخلَقَ النّارَ فحفَّها بالشَّهواتِ ... " الحديث (٤) ، وهذا كثيرٌ، والآثارُ في خلقِ الجنَّةِ والنّارِ وأنَّهُما قد خُلِقتا كثيرةٌ.

  7. ومِمّا يدُلُّ على أنَّ المُرادَ في هذا الحديثِ الجنّةُ والنّارُ: حديثُ البَراءِ بن عازِبٍ، الحديثُ الطَّويلُ؛ رواهُ سُليمانُ الأعمشُ، عن المِنْهالِ بن عَمرٍو، عن (٥) زاذان، عن البَراءِ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - - وهُو حديثٌ فيه طُولٌ - في عذابِ القَبرِ، قال فيه: "فيُعادُ رُوحُهُ في جَسدِهِ، ويأتيهِ مَلَكانِ فيُجْلِسانِهِ، فيقولانِ لهُ: من ربُّك؟ فيقولُ: ربِّيَ الله. فيقولانِ لهُ: ما دينُك؟ فيقولُ: دينيَ الإسلامُ. فيقولانِ: ما هذا الرَّجُلُ الَّذي بُعِثَ فيكُم؟ فيقولُ: هُو رسُولُ الله. فيقولانِ: وما عِلمُكَ؟ فيقولُ: قرأتُ كِتابَ الله، وآمنتُ به وصدَّقتُ. فيُنادي مُنادٍ من السَّماءِ: أنْ صدَقَ عبدي، فأفرِشُوهُ من الجنَّةِ، وألْبِسُوهُ من الجنَّةِ، وافتحُوا لهُ بابًا من (٦) الجنَّةِ. قال: فيأتيهِ من طِيبِها ورَوْحِها، ويفسَحُ لهُ في قَبر مدَّ بَصرِهِ ... " وذكَرَ الحديث، إلى قِصَّةِ الكافِرِ: " فيُقالُ لهُ: من ربُّكَ؟ ومن نبيُّكَ؟ وما دينُكَ؟ فيقولُ: لا أدْرِي، لا أدري،

    vol. 9, p. 16فيُنادي مُنادٍ من السَّماءِ: افرُشُوا لهُ من النّارِ، وافتحُوا لهُ بابًا إلى النّارِ. قال: فيأتيهِ من حَرِّها وسَمُومِها ". قال: " ويُضيَّقُ عليه قبرُهُ، حتَّى تَختلِفَ أضلاعُهُ ... "، وذكر تمامَ الحديثِ.

  8. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (١) : حدَّثنا أبو مُعاويةَ، عن الأعمشِ، فذكَرَ الحديثَ بطُولِهِ، بالإسنادِ المذكُورِ.

  9. وهذا الحديثُ يُفسِّرُ حديثَ ابن عُمرَ المذكُورَ في هذا البابِ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قولَهُ: "إذا ماتَ أحدُكُم عُرِضَ عليه مَقْعدُهُ بالغَداةِ والعَشِيِّ، إن كان من أهلِ الجنَّةِ، أو من أهلِ النّارِ "، ويُبيِّنُ المُرادَ منهُ، والله أعلمُ.

  10. وذكر البُخاريُّ (٢) من حديثِ سعيدٍ، عن قَتادةَ، عن أنَسٍ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنَّ العبدَ إذا وُضِعَ في قبرِهِ، وتولَّى عنهُ أصحابُهُ ليَسمعُ قرعَ نِعالِهِم، فيأتيهِ المَلَكانِ فيُقعِدانِهِ، فيقولانِ: ما كُنتَ تقولُ في هذا الرَّجُلِ؟ لمحمدٍ - صلى الله عليه وسلم -. فأمّا المُؤمِنُ، فيقولُ: أشهدُ أنَّهُ عبدُ الله ورسُولُهُ، فيقالُ لهُ: انظُر إلى مَقْعدِك من النّارِ، قد أبدلكَ الله به مَقْعدًا من الجنَّةِ، فيراهُما جميعًا". قال قَتادةُ: وذُكِرَ لنا: أنَّهُ يُفسَحُ لهُ في قبرِهِ. وذكَرَ الحديث.

  11. وذكر عبدُ الرَّزّاق (٣) ، عن ابنِ جُريج، قال: أخبر ني أبو الزُّبيرِ، أنَّهُ سمِعَ جابرًا يقولُ: إنَّ هذه الأُمَّةَ تُبتَلى في قُبُورِها، فإذا أُدخِلَ المُؤمِنُ في قَبرهِ، وتولَّى عنهُ أصحابُهُ، أتاهُ مَلَكٌ شديدُ الانتِهارِ، فيقولُ: ما كُنتَ تقولُ في هذا الرَّجُلِ؟

  12. فيقولُ المُؤمِنُ: كُنتُ أقُولُ: إنَّهُ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وعبدُهُ. فيقولُ الملَكُ: اطَّلِعْ إلى مَقْعدِكَ الَّذي كان لكَ من النّارِ، قد أنْجاكَ اللهُ منهُ، وأبدلكَ مكانهُ مَقعَدَكَ الَّذي تَرَى من الجنَّةِ، فيَراهُما كِلَيهِما، فيقولُ المُؤمِنُ: دَعُوني أُبشِّرْ أهلي، فيُقالُ لهُ: اسْكُنْ، هذا مقعَدُكَ أبدًا. وذكَرَ تمامَ الحديثِ في المُنافِقِ.

    vol. 9, p. 17
  13. وذكر عبدُ الرَّزّاق (١) ، عن مَعْمرٍ، عن يونُسَ بن خبّابٍ، عن المِنهالِ بن عَمرو، عن زاذانَ، عن البَراءِ بن عازِبٍ، قال: خَرجنا معَ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فجلسَ على القَبْرِ، وجَلَسنا حَوْلَهُ كأنَّ على رُؤوسِنا الطَّيرَ، فقال: "أعُوذُ بالله من عَذابِ القَبْرِ" ثلاث مرّاتٍ، ثُمَّ قال: "إنَّ المُؤمِن إذا كان في إقْبالٍ من الآخِرةِ، وانْقِطاع من الدُّنْيَا، نزلَتْ إليه الملائكةُ ... " . فذكر الحديثَ.

    وفيه: "فإذا عُرِجَ برُوحِهِ، قالوا: أي ربِّ، عبدُكَ، فيُقالُ: أرجِعُوهُ، فإنِّي عهِدتُ إليهم أنْ (٢) منها خَلَقتُهُم، وفيها أُعيدُهُم، ومنها أُخرِجُهُم تارَةً أُخرى ... " . وذكَرَ الحديث، وساقَ في الكافِرِ مِثلَ ذلك أيضًا.

  14. وأمّا قولُهُ: "أحدُكُم" ، فإنَّ الخِطابَ توجَّهَ إلى أصحابِه، وإلى المُنافِقينَ، والله أعلمُ، فيُعرَضُ على المُؤمِنِ منهُم مَقعَدُهُ من الجنَّةِ، وعلى المُنافِقِ مقعَدُهُ من النّارِ، على نحوِ ما جاءَ في حديثِ البراءِ إن شاءَ الله.

  15. وفي هذا الحديثِ: الإقرارُ بالموتِ والبَعْثِ بعدهُ، والإقرارُ بالجنَّةِ والنّارِ.

  16. وقدِ استدلَّ به من ذهَبَ إلى أنَّ الأرواحَ على أفْنيةِ القُبُورِ، وهُو أصحُّ ما ذُهِبَ إليه في ذلك من طريقِ الآثارِ؛ لأنَّ الأحاديثَ الدّالَّةَ على ذلكَ ثابِتةٌ مُتَواتِرَةٌ، وكذلك أحاديثُ السَّلام على القُبُورِ، والله أعلمُ.

  17. حديثٌ مُوَفِّي عِشرينَ لنافع، عن ابنِ عُمرَ

    مالكٌ (١) ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا دُعِيَ أحدُكُم إلى وَلِيمةٍ فلْيأتِها" .

    vol. 9, p. 18
  18. لا خِلافَ عن مالكٍ (٢) في لَفْظِ هذا الحديثِ (٣) ، وكذلكَ رواهُ عُبيدُ الله بن عُمرَ، عن نافع (٤) . كما رَواهُ مالكٌ سَواءً بمعنًى واحدٍ.

  19. ورواهُ حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوب، عن نافع، عن ابنِ عُمر، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "أجيبُوا الدَّعوةَ إذا دُعيتُم" . لم يخُصَّ وليمةً من غيرِها.

  20. وكذلك رواهُ موسى بن عُقبةَ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، كرِوايةِ أيُّوب سَواءً.

  21. ورواهُ مَعْمرٌ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "إذا دَعا أحدُكُم أخاه (٥) فليُجِبْ، عُرْسًا كان، أو دَعْوةً" . ورواهُ الزُّبيديُّ (٦) ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِثلَ رِوايةِ مَعْمرٍ، بمعنًى واحد.

  22. وقد أجمعُوا على وُجُوبِ الإتيانِ إلى الوَلِيمةِ (١) في العُرْسِ، واختَلفُوا فيما سوَى ذلك، وقد ذكَرْنا اختِلافَهُم في هذا البابِ، ومَضَى القولُ فيه مُستَوعبًا - في بابِ ابنِ شهاب، عن الأعْرج. وفي بابِ إسحاقَ بن أبي طَلْحةَ من (٢) كِتابِنا هذا، فلا وَجْهَ لإعادةِ ذلك هاهُنا.

    vol. 9, p. 19
  23. أخبرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن شاذانَ، قال: حدَّثنا المُعلَّى، قال: حدَّثنا ابنُ أبي زائد، قال: حدَّثنا عُبيدُ (٣) الله، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا دُعِيَ أحدُكُم إلى وَلِيمةٍ فلْيأتِها" . وكان ابنُ عُمرَ إذا دُعِيَ أجابَ، فإن كان صائمًا بَرَّكَ (٤) ، وإن كان مُفطِرًا أكَلَ (٥) .

  24. أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٦) : حدَّثنا الحسنُ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، قال (٧) : أخبرنا

    vol. 9, p. 20مَعْمرٌ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، قال: قال (١) رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا دَعا أحدُكُم أخاهُ فليُجِبْ، عُرسًا كان أو دَعْوةً" .

    قال أبو داودَ (٢) : وحدَّثنا ابنُ المُصفَّى، قال: حدَّثنا بَقيَّةُ، قال: حدَّثنا الزُّبيديُّ، عن نافع. بإسنادِ مُعْمَر عن أيُّوبَ (٣) ومعناهُ.

  25. أخبرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زَيْدٍ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أجيبُوا الدَّعْوةَ إذا دُعِيتُم" (٤) .

  26. وحدَّثنا سعيدُ بن نَصر وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن حَمْزةَ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن محمدٍ، عن موسى بن عُقبةَ، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: "أجيبُوا الدَّعوةَ إذا دُعيتُم لها" (٥) .

    قال أبو عُمرَ: من ذهَبَ إلى أنَّهُ لا يجِبُ إتيانُ الدَّعوةِ في غيرِ الوَليمةِ، زعَمَ أنَّ قولهُ هاهُنا: "أجيبُوا الدَّعوةَ" مُجمل، يُفسِّره (٦) حديثُ مالكٍ وعُبيدِ الله: "إذا دُعِيَ أحدُكُم إلى الوَليمةِ فليأتِها" ، فقال: الدَّعوةُ في هذا الحديثِ، هي الدَّعوةُ

    vol. 9, p. 21إلى الوَليمةِ، بدليلِ ما في حديثِ مالكٍ، وعُبيدِ الله من ذِكرِ ذلك، ومن ذهَبَ إلى أنَّ الوَليمةَ وغيرَها في إجابةِ الدَّعوةِ إليها سَواءٌ، احتجَّ بظاهِرِ قولِهِ: "أجيبُوا الدَّعوةَ" ، فأخذَ بعُمُوم هذا اللَّفظِ، وجعلَ ذِكرَ الوَليمةِ في حديثِ مالكٍ ومن تابَعهُ، كأنَّهُ خرجَ على جَوابِ السّائلِ عن إجابةِ دَعْوة (١) الوَليمةِ.

    قالوا: وليسَ (٢) في ذلكَ ما يُوجِبُ الاقتِصارَ على الوَليمةِ دُونَ غيرِها، كأنه - صلى الله عليه وسلم - سُئلَ عمَّن دُعِيَ إلى الوَليمةِ، فقال: ليأتِها من دُعِيَ إليها، ولو سُئلَ عن غيرِها أيضًا لقال مِثلَ ذلك، بدليلِ الآثارِ المروَّيةِ عنهُ في هذا البابِ، وقد ذكَرْناها في بابِ إسحاق بن أبي طَلْحةَ من كِتابِنا هذا.

  27. واستدلَّ أيضًا من ذهَبَ هذا المَذْهبَ بحديثِ مَعْمرٍ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابنِ عُمر، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "إذا دَعا أحدُكُم أخاهُ فليُجِبْ، عُرْسًا كان أو دَعْوةً" (٣) . قالوا: ففي هذا الحديثِ التَّسْويةُ بين الوَلِيمةِ وغيرِها، وقد ذكَرْنا القائلينَ بهذه الأقوالِ في بابِ ابنِ شِهاب، عن الأعْرج، من كِتابِنا هذا.

    وقال قائلُونَ من أهلِ العِلم: من دُعي إلى وَليمةٍ فليُجِبْ، وليأكُلَ إن كان مُفطِرًا، وإن كان صائمًا فليَدْعُ، ولا يَدَع الأكل إلّا أن يكونَ صائمًا، إذا كان الطَّعامُ مِمّا يحِلُّ أكلُهُ. واحتجُّوا بحديثِ ابنِ سيرينَ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّهُ قال: "إذا دُعِيَ أحدُكُم فلْيُجِب، فإن كان مُفطِرًا فليأكُل، وإن كان صائمًا فلْيُصلِّ" ، يقولُ: فليَدْعُ (٤) .

  28. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شَيْبةَ، قال:

    vol. 9, p. 22حدَّثنا حفصُ بن غِياثٍ، عن هشام، عن ابنِ سِيرينَ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فذكَره (١) .

  29. ورواه أيُّوبُ، عن ابنِ سيرينَ، عن أبي هُريرةَ، قولَهُ (٢) . قال أيُّوبُ: وكان محمدٌ ينحُو بأحاديثِ أبي هُريرةَ نحوَ الرَّفع (٣) .

    وقال آخرُونَ: إذا أجابَ، فإنَّ شاءَ أكلَ، وإن شاءَ لم يأكُلْ، واحتجُّوا بما حدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤) : حدَّثنا محمدُ بن كثيرٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابر، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "من دُعِيَ فليُجِبْ، فإنَّ شاءَ طَعِمَ، وإنْ شاءَ تَرَكَ (٥) " .

  30. وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا محمدُ بن نُمَيرٍ، قال: حدَّثنا

    vol. 9, p. 23أبو عاصِم، عن ابنِ جُرَيج، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرِ بن عبدِ الله، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا دُعِيَ أحدُكُم فليُجِبْ، فإنَّ شاءَ أكلَ، وإنْ شاءَ تَرَكَ" (١) .

  31. وأمّا الطَّعامُ في الوَليمةِ وغيرِها (٢) ، يَكُونُ فيه اللَّهوُ والخَمْرُ (٣) والمَكْرُوهُ من الأُمُورِ (٤) . فقد ذكَرْنا ما للعُلماءِ في ذلكَ، عندَ ذكرِ حديث ابنِ شِهاب، عن الأعْرَج، عن أبي هُريرةَ، في طَعام الوَليمة (٥) من كِتابِنا هذا، والحمدُ لله.

  32. حديثٌ حادٍ وعِشرُونَ لنافع، عن ابنِ عُمرَ

    مالكٌ (١) ، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "الَّذي تَفُوتُهُ صلاةُ العَصْرِ، فكأنَّما وُتِرَ أهلَهُ ومالَهُ" .

    vol. 9, p. 24
  33. هذا حديثٌ صحيحٌ بإسنادِهِ هذا، لم يُختلَفْ فيه على مالكٍ (٢) ، وكذلكَ رواهُ أيُّوبُ وعُبيدُ الله بن عُمرَ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ.

  34. حدَّثناه عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن عُبيدِ الله، قال: حدَّثني نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: "الَّذي تفُوتُهُ صلاةُ العَصرِ، كأنَّما وُتِرَ أهلَهُ ومالَهُ" (٣) .

  35. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ ويَعِيشُ بن سَعيدٍ، قالا: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ البِرْتيُّ، قال: حدَّثنا أبو مَعْمرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سَعيدٍ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وأحمدُ بن قاسم، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا داودُ بن نُوح، قال: حدَّثنا حمّادٌ.

  36. قالا جميعًا: حدَّثنا أيُّوبُ، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنّ الَّذي تفُوتُهُ صَلاةُ العَصْرِ كأنَّما وُتِرَ أهلَهُ ومالَهُ" (١) .

    vol. 9, p. 25
  37. وهُو عندَ ابنِ شِهاب، عن سالم، عن ابنِ عُمرَ. ورواهُ عن ابنِ شِهابٍ جماعةٌ من أصحابِهِ، منهُمُ: ابنُ عُيَينةَ (٢) ، ومحمدُ بن أبي (٣) عَتيقٍ، وإبراهيمُ بن سَعد (٤) (٥) .

  38. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا جَعفرُ بن محمدٍ الصّاغ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن داود الهاشِميُّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن سَعْدٍ (٦) ، عن ابنِ شِهاب، عن سالم بن عبدِ الله، عن ابنِ عُمرَ، قال: سَمِعتُ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "من فاتَتهُ صلاةُ العَصْرِ، فكأنَّما وُتِرَ أهلَهُ ومالَهُ" (٧) .

  39. ورواهُ سَعْدُ (١) بن إبراهيمَ، عن الزُّهريِّ، عن ابنِ عُمرَ مرفُوعًا، بغيرِ هذا (٢) اللَّفظِ.

    vol. 9, p. 26
  40. حدَّثنا سعيدُ بن عُثمانَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن دُحَيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن الحُسَينِ بن زيدٍ أبو جعفر، قال: حدَّثنا محمدُ بن عَمرٍو، قال: حدَّثنا نُعيمُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا ابنُ المُباركِ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن سَعْد بن إبراهيم، عن الزُّهريِّ، عن ابن عُمرَ، أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنَّ الرَّجُلَ لَيُدرِكُ الصَّلاةَ وما فاتَهُ منها خيرٌ من أهلِهِ ومالِهِ" (٣) . وسَنذكُرُ هذا المعنى في بابِ يحيى بن سعيدٍ، إن شاءَ الله.