مالك، عن نافع مولى ابن عمر

3,144 paragraphs · vol. 8, p. 333

Page 25 of 79

  1. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن (٦) عُبيدِ الله، قال: حدَّثني

    vol. 9, p. 109نافعٌ، عن عبدِ الله بن عُمرَ، قال: نَهَى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن تُحلَبَ المواشي بغيرِ إذْنِ أرْبابِها (١) .

    vol. 9, p. 108
  2. أخبرنا أحمدُ بن عبدِ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بن فُطَيس، قال: حدَّثنا يحيى بن إبراهيم، قال: حدَّثنا أصْبَغُ بن الفَرج، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن يحيى بن سَعيدٍ، عن القاسم بن محمدٍ، قال: سَمِعتُ رَجُلًا يسألُ ابنَ عبّاسٍ قال: إنَّ في حَجْري يتيمًا، وإنَّ لهُ إبِلًا، ولي إبِلٌ، أُفقِرُ من (٢) إبِلي وأمْنَحُ منها؟ فما يحِلُّ لي من إبِلِهِ؟ فقال ابنُ عبّاسٍ: إن كُنت ترُدُّ نادَّتَها (٣) ، وتلُوطُ (٤) حَوْضَها، وتهنأُ جَرْباها، وتَسْقي عليها، فاشْرَب من لَبنِها. فقال القاسمُ: ما سَمِعتُ فُتيا بعد آية من كِتابِ الله، أو حَديثٍ عن رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أحسنَ من فُتياهُ هذه (٥) .

  3. ورَوَى مالكٌ (٦) هذا الحديثَ، عن يحيى بن سعيدٍ، قال: سمِعتُ القاسمَ بن محمدٍ يقولُ: جاءَ رجُلٌ إلى عبدِ الله بن عبّاسٍ فقال: إنَّ لي يتيمًا، أفأشرَبُ من

    vol. 9, p. 110لَبنِ إبِلِهِ؟ فقال ابنُ عبّاسٍ: إن كُنتَ تَبْغي ضالَّةَ إبِلِهِ، وتَهْنأُ جرباها، وتَلُطُ حَوْضها، وتَسْقيها يوم وِرْدِها، فاشرَبْ غيرَ مُضِرٍّ بنَسْلٍ، ولا ناهِكٍ في الحَلْبِ. ولم يَذْكُر قولَ القاسم (١) .

  4. وفي هذا الحديثِ أيضًا ما يدُلُّ على أنَّ من حلَبَ من ضَرْع الشّاةِ أوِ البَقَرةِ أوِ النّاقةِ، بعد أن يكونَ في حِرزٍ ما يبلُغُ قِيمتُهُ ما يجِبُ فيه القطعُ، أنَّ عليه القَطْعَ؛ لأنَّ الحديثَ قد أفصحَ بأنَّ الضُرُوع خَزائنُ للطَّعام، ومعلُومٌ أنَّ من فتحَ خِزانةَ غَيرِهِ أو كَسَرها فاسْتَخرجَ منها من المالِ، الطَّعام أو غيرِه، ما يبلُغُ ثلاثةَ دراهِم، أنَّهُ يُقطَعُ، فإذا كان القَطْعُ يجِبُ على من سرقَ الشّاةَ نفسَها من مُراحِها وحِرْزِها، ولم تكُن حَرِيسةَ جَبَل، فاللَّبنُ بذلكَ أولى، واللّه أعلمُ.

  5. وقد مَضَى ذِكرُ مَعاني الحِرْزِ عندَ العُلماءِ، في بابِ ابنِ شِهاب، عندَ ذِكرِ سَرِقةِ رِداءِ صَفْوان بن أُميَّةَ (٢) . فلا معنَى لإعادةِ ذلك هاهُنا، إلّا أنَّ الشّاةَ إذا لم تَكُن في حِرْزٍ، فلَبَنُها تَبعٌ لها.

  6. ومن هذا البابِ: بيعُ الشّاةِ اللَّبُونِ بالطَّعام؛ لأنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال في هذا الحديثِ: "فإنَّما تَخْزُنُ لهم ضُرُوعُ مَواشيهِم أطعِماتِهِم (٣) " ، فجعَلَ اللَّبن طعامًا.

  7. وقدِ اختلفَ الفُقهاءُ في بيع الشّاةِ اللَّبُونِ باللَّبنِ، وبِسائرِ الطَّعام نَقْدًا، وإلى أجَلٍ.

  8. فذهَبَ مالكٌ وأصحابُهُ: إلى أنَّهُ لا بأسَ بالشّاةِ اللَّبُونِ باللَّبنِ يَدًا بيدٍ، ما لم يَكُن في ضَرْعِها لبنٌ، فإذا كان في ضَرْعِها لَبنٌ، لم يجُز يدًا بيدٍ باللَّبنِ، من أجلِ

    vol. 9, p. 111المُزابنة (١) . ولم يجعلهُ لغوًا؛ لأنَّ الرِّبا لا يجُوزُ قَليلُهُ ولا كثيرُهُ، وليسَ كالغَررِ الذي يجُوزُ قَليلُهُ، ولا يجُوزُ كَثيرُهُ.

  9. ولا يجُوزُ عندَهُ بيعُ الشّاةِ اللَّبُونِ باللَّبن إلى أجَلٍ، فإن كانتِ الشّاةُ غيرَ لبونٍ، جازَ في ذلك الأجَلُ وغيرُ الأجل.

    قال مالكٌ: ولا بأسَ بالشّاةِ اللَّبُونِ بالطَّعام إلى أجل؛ لأنَّ اللَّبن من الشّاةِ، وليسَ الطَّعامُ منها (٢) .

    قال: والشّاةُ بالطَّعام إلى أجَلٍ، إذا لم تكُن شاةَ لحم جائزٌ، وإن أُريدَ بها الذَّبحُ، فإن كانت شاةَ لحم، فلا. قال: وكذلك السَّمنُ إلى أجَلٍ بشاةٍ لَبونٍ، لا يجُوزُ، وإن لم يكُن فيها لَبنٌ جازَ. قال: ويجُوزُ الجميعُ (٣) يدًا بيد (٤) .

    قال أبو عُمرَ (٥) : كان القياسُ، أنَّ الشّاةَ إذا لم يكُن في ضَرعها لَبنٌ، وجازَ بيعُها باللَّبنِ يدًا بيدٍ، وإن كانت لَبونًا، أن يجُوزَ بيعُها باللَّبنِ إلى أجَلٍ، إذا لم يكُن في ضَرعها لبن في حينِ عَقدِ التَّبايُع، وإن كانتِ اللَّبُونُ كغيرِ اللَّبُونِ، فإن كانتِ اللَّبُونُ يُراعى أخْذُها، وإن لم يكُن فيها لبنٌ، ويُقامُ مقام اللَّبنِ أن تُباع باللَّبنِ، وإن لم يَكُن فيها لبنٌ يدًا بيدٍ، واللّه أعلمُ.

    وقال الأوزاعيُّ: يجُوزُ شِراءُ زيتُونةٍ فيها زيتُونٌ بزيتُونٍ، وشاةٍ في ضَرْعِها لبنٌ بلَبنٍ؛ لأنَّ الزَّيتُونَ في شَجرهِ، واللَّبنَ في الضَّرع، لغوٌ (٦) .

    vol. 9, p. 112وقال الشّافِعيُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُهُم (١) : لا يجُوزُ بيعُ الشّاةِ اللَّبُونِ بالطَّعام إلى أجَل. ولا يجُوزُ عندَ الشّافِعيِّ بيعُ شاةٍ في ضَرْعِها لبنٌ بشيءٍ من اللَّبنِ، لا يدًا بيدٍ ولا إلى أجَل، ولكلِّ واحدٍ منهُم حُجَجٌ من طَريقِ النَّظرِ والاعتِبارُ يطُولُ ذِكرُها.

  10. والأصلُ في هذا البابِ المُزابنةُ، فما لا يجُوزُ إلّا مِثلًا بمِثلٍ، لم يَجُز أن يُباعَ منهُ معلُومٌ بمجهُول، وما وقعَ عليه اسمُ طعام، فلا يجُوزُ أن يُباعَ منهُ شيءٌ بشيءٍ إلى أجَلٍ، جازَ فيه التَّفاضُلُ أو لم يجُز؛ لأنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن الطَّعام بالطعام (٢) ، إلّا يدًا بيد (٣) ، فهذا الأصلُ في هذا البابِ لمن وُفِّق وفهِمَ، واللّه المُستعانُ.

  11. وقد رَوَى هذا الحديثَ، عن مالكٍ يزيدُ بن عبدِ الله بن الهادِ شَيْخُهُ؛ حدَّثني أحمدُ بن فَتْح، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الحسنِ الرّازيُّ، قال: حدَّثنا مِقدامُ بن داودَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن بكرِ بن مُضرَ، قال: حدَّثني أبي، عن يزيد بن عبدِ الله بن الهادِ، عن مالكِ بن أنَسٍ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، أَنَّهُ سمِعَ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "لا يَحْتَلِبَنَّ أحدٌ ماشِيةَ أحدٍ إلّا بإذنِهِ، أيُحِبُّ أحدُكُم أن تُؤتَى مَشْرُبتُهُ؟ (٤) " ، فذكرهُ حرفًا بحرفٍ.

  12. وفي هذا الحديثِ أيضًا على ما استدلَّ به أصحابُنا وغيرُهُم، ما يرُدُّ ما ذهَبَ إليه من قال: إنَّهُ جائزٌ للمُرتهِنِ الشّاةَ أوِ البَقَرةَ أوِ الدّابَّةَ أن يحلِبَ،

    vol. 9, p. 113أو يركبَ ذلكَ الرَّهن، وتكونُ عليه نفقةُ الدّابَّةِ، أوِ البَقَرةِ، أو رَعيُها، أو رَعْيُ الشّاةِ، أو نَفَقتُها.

  13. ومِمَّن ذهَبَ إلى هذا: أحمدُ بن حَنْبل، وإسحاقُ بن راهُوية، وحُجَّتهم حديثُ الشَّعبيِّ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "الرَّهنُ مركُوبٌ ومحلُوبٌ" . وبعضُ رُواتِهِ يقولُ فيه: "الرَّهنُ يُركَبُ ويُحلبُ (١) بقدرِ نَفَقتِهِ، وعلى الذي يَرْكبُ ويحلِبُ نَفَقتُهُ" (٢) .

  14. وهذا الحديثُ عندَ جُمهُورِ الفُقهاءِ، ترُدُّهُ أُصُولٌ مُجتَمعٌ (٣) عليها، وآثارٌ ثابِتةٌ لا يُختلَفُ في صِحَّتِها. وقد أجمعُوا أن ليسَ الرَّهنُ وظهر للرّاهِنِ. ولا يخلُو من أن يكونَ احتِلابُ المُرتهِنِ لهُ، بإذنِ الرّاهِنِ، أو بغيرِ إذنِهِ.

  15. فإن كان بغيرِ إذنِهِ، ففي حديثِ ابنِ عُمرَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "لا يحتلِبنَّ أحدٌ ماشِيةَ أحدٍ، إلّا بإذنِهِ" ما يرُدُّهُ ويَقْضي بنَسْخِهِ، مع ما ذكَرْنا من تحريم مالِ المُسلِم، إلّا عن طِيبِ نَفْس.

  16. وإن كان بإذنِهِ، ففي الأُصُولِ المُجتَمع عليها في تحريم المجهُولِ، والغَررِ، وبيع ما ليسَ عِندكَ، وبيع ما لم يُخلَق، ما يرُدُّ ذلك أيضًا.

  17. وفيما ذكَرْنا صِحَّةُ ما ذهَبَ إليه أصحابُنا، وجُمهُورُ الفُقهاءِ في حديثِ أبي هُريرةَ: "الرَّهنُ يُركبُ، ويُحلبُ بنَفقتِهِ" أَنَّهُ منسُوخٌ، وأنَّ ذلكَ كان قبلَ نُزُولِ تحريم الرِّبا، واللّه أعلمُ.

  18. حديثٌ ثالِثٌ وثلاثُونَ لنافع، عن ابن عُمرَ

    مالكٌ (١) ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "مَنِ اقْتَنى إلّا كلبًا ضاريًا، أو كلبَ ماشيةٍ، نقَصَ من عَملِهِ كلَّ يوم قِيراطانِ" .

    vol. 9, p. 114
  19. هكذا قال يحيى: "منِ اقْتَنى إلّا كلبًا" (٢) ، وغيرُهُ يقولُ: "منِ اقْتَنى كلبًا، إلّا كلبًا ضاريًا، أو كلبَ ماشيةٍ" .

    وقال القعنبيُّ فيه: "منِ اقْتَنى كلبًا، إلّا كلبًا لماشية (٣) ، أو ضاريًا" (٤) . والمعنى واحدٌ كلُّهُ.

  20. ورَوَى هذا الحديث: يحيى، عن مالكٍ، عن نافع، عن ابن عُمرَ. وتابَعهُ جماعةٌ، ويرويهِ قومٌ أيضًا، عن مالكٍ، عن عبدِ الله بن دينارٍ، عن ابن عُمرَ، والحديثُ عندَ مالكٍ عنهُما جميعًا، عن ابن عُمرَ، وقد جمعهُما ابنُ وَهْب وغيرُهُ عنهُ بالإسنادينِ جميعًا.

  21. حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن محمدِ بن مسرُورٍ الدَّبّاغ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن داودَ، قال: حدَّثنا سُحنُونُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن وَهْبٍ، قال: أخبرني مالكٌ، عن نافع وعبدِ الله بن دينارٍ، عن ابن عُمرَ، عن رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "منِ اقْتَنى كلبًا، إلّا كلبًا ضاريًا، أو صاحِبَ ماشيةٍ، نقصَ من أجرِهِ كلَّ يوم قِيراطانِ" . إلّا ابنَ دينارٍ قال: "من عَملِهِ" (٥) .

  22. وفي هذا الحديثِ من الفِقهِ: إباحةُ اتِّخاذِ الكِلابِ للصيدِ والماشِيةِ، وكَراهيةُ اتِّخاذِها لغيرِ ذلكَ.

    vol. 9, p. 115
  23. وقد روى أبو هُريرةَ (١) ، وعبدُ الله بن مُغفَّل (٢) ، وسُفيانُ بن أبي زُهَيرٍ الشَّنوئيُّ (٣) ، وغيرُهُم هذا الحديث، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فزادُوا فيه ذِكرَ كلبِ الحَرْثِ.

  24. وبعضُهُم يقولُ فيه: "منِ اقْتَنى كلبًا لا يُغنِي عنهُ (٤) زرعًا، ولا ضَرْعًا" . فزادُوا فيه الزَّرعَ.

  25. حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا عليُّ بن مسرُورٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن داودَ، قال: حدَّثنا سحنُونُ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرني يونُسُ بن يزيد، عن ابن شِهاب، عن ابن المُسيِّبِ، عن أبي هُريرةَ، عن رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "منِ اقْتَنى كلبًا ليسَ بكلبِ صيدٍ، ولا ماشِيةٍ، ولا أرضٍ، فإنَّهُ ينقُصُ من أجرِهِ قيراطانِ كلَّ يوم" (٥) .

  26. أخبرني محمدُ بن عبدِ الملِكِ وعُبيدُ بن محمدٍ، قالا: حدَّثنا عبدُ الله بن مسرُورٍ، قال: حدَّثنا عيسى بن مِسْكينٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سَنْجرٍ، قال: حدَّثنا الحجّاجُ، قال: حدَّثنا حمّادٌ، عن يونُس، عن الحَسنِ، عن عبدِ الله بن مُغَفَّل (٦) ،

    vol. 9, p. 116أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "منِ اتَّخذَ كلبًا ليسَ كلبَ صَيْدٍ، ولا ماشِيةٍ، ولا حَرْثٍ، نقصَ من أجرِهِ كلَّ يوم قيراطٌ" . وقال: "اقتُلُوا منها كلَّ أسودَ بَهيم (١) " (٢) .

  27. وقد ذكَرْنا حديثَ سُفيان بن أبي زُهَيرٍ، في بابِ هشام بن عُرْوةَ؛ لأنَّهُ من رِوايةِ مالك (٣) .

  28. وفي معنى هذا الحديثِ تدخُلُ عِندي إباحَةُ اقتِناءِ الكِلابِ للمَنافع كلِّها، ودَفْع المضارِّ، إذا احتاجَ الإنسانُ إلى ذلكَ، إلّا أَنَّهُ مكرُوهٌ اقتِناؤُها في غَيرِ الوُجُوهِ المذكُور في هذه الآثارِ، لنُقصانِ أجرِ مُقْتنيها، واللّه أعلمُ.

  29. وقد أجاز مالكٌ وغيرُهُ من الفُقهاءِ اقْتِناءَ الكِلابِ للزَّرع، والصيدِ، والماشيةِ.

  30. ولم يُجِزِ ابنُ عُمرَ اقتِناءَ الكلابِ للزَّرع (٤) ، ووقفَ عندَ ما سمِعَ، وزيادةُ من زادَ في هذا الحديثِ: الحَرْثَ والزَّرعَ، مقبُولةٌ، فلا بأسَ باقتِناءِ الكِلابِ للزَّرع والكَرْم، فإنَّها داخِلةٌ في معنَى الحَرْثِ، وكذلكَ ما كان مِثل ذلكَ، كما يُقتَنى للصَّيدِ والماشيةِ وما أشْبَه ذلكَ، وإنَّما كُرِهَ من ذلكَ اقتِناؤُها لغيرِ مَنْفعةٍ وحاجةٍ وَكيدةٍ، فيكونُ حِينَئِذٍ فيه تَرْويعُ النّاسِ، وامتِناعُ دُخُولِ الملائِكةِ في البَيْتِ، والمَوْضِع الذي فيه الكَلْبُ، فمِن هاهُنا، واللّه أعلمُ، كُرِه اتِّخاذُها.

  31. وأمّا اتِّخاذُها للمَنافع، فما أظُنُّ شيئًا من ذلكَ مَكْرُوهًا؛ لأنَّ النّاسَ يَسْتعمِلُونَ اتِّخاذَها للمنافع ودَفْع المضرَّةِ، قرنًا بعد قرنٍ، في كلِّ مِصرٍ وباديةٍ، فيما بلغنا، واللّه أعلمُ.

    vol. 9, p. 117
  32. وبالأمصارِ عُلماءُ يُنكِرُونَ المُنكرَ ويأمُرُونَ بالمعرُوفِ، ويسمَعُ السُّلطانُ منهُم، فما بَلَغنا عنهُم تغييرُ ذلكَ، إلّا عندَ أذًى يحدُثُ، من عَقْرِ الكلبِ ونحوِهِ، وإن كُنتُ ما أحبُّ لأحَدٍ أن يتَّخِذ كلبًا ولا يَقْتنيهُ، إلّا لصيدٍ، أو ماشيةٍ في باديةٍ أو ما يجري مجرَى الباديةِ من المَواضِع المخُوفِ فيها الطَّرقُ والسَّرقُ، فيجُوزُ حينئذٍ اتِّخاذُ الكِلابِ فيها للزَّرع وغيرِهِ، لِما يُخشى من عاديةِ الوَحْشِ وغيرِهِ، واللّه أعلمُ.

  33. وقد سُئِل هشامُ بن عُروةَ عن الكلبِ يُتَّخذُ للدّارِ، فقال: لا بأسَ به، إذا كانتِ الدّارُ مَخُوفةً.

  34. حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا عليُّ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن أبي سُليمان، قال: حدَّثنا سحنُونُ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: حدَّثني عُمر (١) بن محمدٍ، أنَّ سالم بن عبدِ الله بن عُمرَ حدَّثهُ، عن أبيهِ، قال: وعدَ جِبريلُ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فراثَ (٢) عليه، حتَّى اشتدَّ على رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فخرجَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فلَقِيهُ، فشَكا إليه ما وجَدَ، فقال: "إنّا لا ندخُلُ بيتًا فيه كلبٌ، ولا صُورةٌ" (٣) .

    vol. 9, p. 118قال ابنُ وَهْب: وأخبرني يونُسُ، عن ابن شِهاب، عن ابن السَّبّاقِ، عن ابن عبّاسٍ، عن ميمُونةَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مثلَهُ (١) .

    قال: وأخبرني يونُسُ، عن ابن شِهاب، عن عُبيدِ الله بن عبدِ الله، أنَّهُ سمِعَ ابنَ عبّاسٍ يقولُ: سمِعتُ أبا طَلْحةَ يقولُ: سمِعتُ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "لا تدخُلُ الملائِكةُ بيتًا فيه كلبٌ، ولا صُورةٌ" (٢) .

    قال: وحدَّثني ابنُ أبي ذِئبٍ، عن الحارِثِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن كُرَيبٍ مولى ابن عبّاسٍ، عن أُسامةَ بن زيدٍ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مثلَهُ (٣) .

  35. فلهذا - واللّه أعلمُ - وما أشبَهَهُ، كَرِهَ اتِّخاذَ الكِلابِ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -.

    vol. 9, p. 119
  36. وقدِ اختُلِفَ في هذا الحديثِ، فقيلَ: هُو خُصُوصٌ لجِبريلَ وَحْدَهُ - صلى الله عليه وسلم -، بدليلِ الحَفَظةِ، وقيل: بلِ الملائِكةُ على عُمُوم الحديثِ، واللّه أعلمُ.

  37. وفي قولِهِ - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديثِ: "نَقَصَ من عَملِهِ، أو من أجرِهِ" يُريدُ من أجْرِ عَملِهِ "كلَّ يوم قيراطانِ" دليلٌ على أنَّ اتِّخاذَها ليسَ بمُحرَّم؛ لأنَّ ما كان مُحرَّمًا اتِّخاذُهُ، لم يجُزِ اتِّخاذُهُ ولا اقْتِناؤُهُ على حالٍ، نَقصَ من الأجرِ أو لم ينقُص، وليسَ هذا سبيلَ النَّهي عن المُحرَّماتِ، أن يُقال فيها: من فَعلَ كذا، ولكنّ هذا اللَّفظَ يدُلُّ، واللّه أعلمُ، على كَراهيةٍ، لا على تحريم.

  38. ووجهُ قولِهِ عليه السَّلامُ في هذا الحديثِ من نُقصانِ الأجرِ، محمُولٌ عِندِي، واللّه أعلمُ، على أنَّ المعانيَ المُتعبَّدَ بها في الكِلابِ، من غَسْلِ الإناءِ سبعًا إذا وَلَغت فيه، لا يكادُ يُقامُ بها، ولا يَكادُ يُتَحفَّظُ منها؛ لأنَّ مُتَّخِذَها لا يَسْلمُ من وُلُوغِها في إنائِهِ، ولا يكادُ يُؤَدِّي حقَّ الله في عِبادَةِ الغَسْلاتِ من ذلكَ الوُلُوغ، فيدخُلُ عليه الإثمُ والعِصْيانُ، فيكونُ ذلكَ نقصًا في أجرِهِ، بدُخُولِ السَّيِّئاتِ عليه.

  39. وقد يكونُ ذلك من أجلِ أنَّ الملائِكةَ لا تدخُلُ بيتًا فيه كَلْبٌ ونحوِ ذلك، وقد يكونُ ذلكَ بذهابِ أجْرِهِ في إحسانِهِ إلى الكِلابِ؛ لأنَّ معلُومًا، أنَّ في الإحْسانِ إلى كلِّ ذي كَبِدٍ رطبةٍ أجرًا.

  40. لكنَّ الإحسانَ إلى الكَلْبِ ينقصُ الأجرُ فيه، أو يبلُغُهُ ما يلحقُ مُقْتنيَهِ ومُتَّخِذَهُ من السَّيِّئاتِ، بتركِ أدَبِهِ لتلكَ العِباداتِ، في التَّحفُّظِ من وُلُوغِهِ، والتَّهاوُنِ بالغَسْلاتِ منهُ ونحوِ ذلكَ، مِثلَ تَرْويع المُسلِم، وشِبْهِهِ، واللّه أعلمُ، بما أرادَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من قولِهِ ذلك.